آني إرنو: “نوبل” تحت رحمة النسوية؟
(آني إرنو في 2011)

آني إرنو: “نوبل” تحت رحمة النسوية؟

ليست مؤسَّسة "نوبل" بعيدةً عن منطق التمييز الجنسي الذي واجهَته الكاتبة الفرنسية الفائزة بجائزة نوبل للأدب لعام 2022 في الفضاء الأدبي لبلادها وفي المجتمع بشكل عام. فماذا لو فعلتها "عالمة اجتماع الحميمية"، كما سمّاها أحدُهم، وخرجَت لتُعلن رفضها الجائزة؟

حين سُئلت الكاتبة الفرنسية آني إرنو (1940) عن الكتاب الذي غيّر حياتها (ضمن برنامج في القناة الخامسة الفرنسية)، أجابت: “الجنس الثاني” (تُرجم إلى العربية بعنوان “الجنس الآخر”) لسيمون دي بوفوار. قرأته وهي في الثامنة عشرة من عمرها، ومن ثمّ اعتبرت أنها تلقّت وحياً، وسرعان ما تغيّرَت نظرتُها إلى الأشياء.

اليوم، ومع حصولها على “جائزة نوبل للأدب”، ستشهد حياة إرنو تغييراً آخر. ومع أنّ هذا التغيير يأتيها في سنّ متأخّرة، إلّا أنّه سيحمل الكثير من الجديد إليها، وبالتأكيد سيجعل مواقفها وخياراتها مرئية أكثر، ومنها انتماؤها إلى التيار النسوي الذي يمكن اعتباره الرافد الثاني الذي غذّى أدبها، إلى جانب ذكريات طفولتها.

طرَح أدب إرنو ، بعوالمه النوستالجية، قضايا النسوية فوق بساط من السرديات الصغيرة. قرار الكتابة هو في حدّ ذاته تحدٍّ وإرباك مقصود للبنية البطرياركية، فماذا لو كانت المضامين تلامس القضايا الحارقة بشكل مباشر؟

منذ عملها الأول؛ “الخزّانات الفارغة” (1974)، أخذت إرنو موقع الإرباك هذا، حين اقترحت الإجهاض ثيمة لنصّها، وأكثر من ذلك جعلت منه إطاراً قادحاً للعوالم التخييلية المقدَّمة، حيث تروي قصّة فتاة في بداية العشرينيات من عمرها تُقْدم على علمية إجهاض، وأثناءها تبدأ بتذكّر طفولتها البعيدة، وما هي إلّا الطفولة البعيدة لإرنو. لكن هذه العودة بالذاكرة لا تحتوي شحنة شاعرية، كما جرت العادة في مثل هذه السياقات، حيث يُستحضَر كلّ شيء من داخل لحظة الإجهاض، لتنبني أبجدية كاملة تزحف داخل الذاكرة، قوامُها البتر والتشظية.

أوّل فرنسية تنال الجائزة والمرأة رقم 18 في سجلّ الفائزين بها من بين أكثر من مئة رجل

ستعود إرنو إلى ثيمة الإجهاض في عمل آخر، “الحدث” (2000)، ومرّةً أُخرى تختار بطلتَها فتاةً في بداية العشرينيات، وتضعها أمام صعوبات تنفيذ قرار الإجهاض في مجتمع لم يتمثّل هذا المفهوم رغم القوانين التي سنّتها الدولة.

مقارنةً بالعمل الأوّل، كان من الواضح أن إرنو قد اكتسبت الكثير من الصنعة، ليس الأدبية حصراً، بل المعرفية أساساً، فهذه الرواية – كما أعمال أُخرى سبقتها – هي التي رفعت المؤلّفة درجةً فوق طبقة كتّاب الرواية، وما أكثرهم في فرنسا، حيث التفت النقّاد إلى أن نصّها الذي يأتي عند لقاء شاهق بين التمكّن الأدبي والحفر في الذاكرة الشخصية، والمعرفة التاريخي والفكرية. لقد سمّاها أحدهم “عالمة اجتماع الحميمية”.

حتى لجنة نوبل، استندت في بيانها إلى هذه العناصر التي تُوسّع مفهوم الأدب فحيّت لدى إرنو “الشجاعة والدقّة في المعالجة”، كما انتبه أعضاؤها إلى واحدة من أكثر نقاط أدبها فتنة؛ وهو الحفر وراء “القيود الجماعية للذاكرة الشخصية”.

ربما تحاشت نوبل التركيز على البُعد النسوي لأدب إرنو، فهي تبحث عن الحجج الجامعة بعيداً عمّا يقسّم القرّاء بين قائلين بأنّ الأدب عليه أن يخدم قضية كي يكون أدباً، وقائلين بكونه إذا خدم قضية فقد أدبيته. علينا هنا أن نعود إلى أسئلة كثيرة طرحها الصحافيون على إرنو حول نوبل، فهي مرشّحة منذ عشر سنوات، وكانت تُبدي تحفّظاً على الجائزة ومن عبئها المعنوي.

من منظور أدب إرنو وأفكارها، لا تبدو “نوبل” مؤسَّسة قريبة منها، فـ”الأكاديمية السويدية” المانحة للجائزة قد هزّتها منذ سنوات قليلة فضائح التحرّش الجنسي التي كان يمكن أن تظلّ حبيسة الكواليس لولا الضغط التي فرضته حملات “مي تو” على الكثير من القطاعات، فتجشّعت نساء كثيرات لقول ما كان حبيس الصدور.

كذلك، لن تغفل إرنو عن كونها أوّلَ امرأة فرنسية تنال الجائزة، وأنّها فقط المرأة رقم 18 في سجلّ الفائزين بها من بين أكثر من مئة رجل. إذن، فمؤسَّسة “نوبل” غير بعيدة عن منطق التمييز الجنسي الذي واجهَته الكاتبة الفرنسية في الفضاء الأدبي لبلادها، وفي المجتمع بشكل عام.

ماذا لو فعلتها إرنو وخرجت لتعلن رفضها الجائزة؟

كاتبة وناشطة مدنية من لبنان. من مواليد عام 1994. تقيم حالياً في كندا حيث تدرس العلوم السياسية.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة