أشباح رولان بارت

وحدَنا نعرف ما جرى: أنا والرجلُ الذي فارق الوعي بعد الارتطام مباشرةً، وقد سال دمُه في الطريق وكأنه تلقّى رصاصةً في الرأس. الشيءُ الوحيد الذي فهمتُه هو أنه معروفٌ في الشارع الذي وقع فيه الحادث. لاحقاً سأعرف أنه أستاذٌ جامعي. لكن ما الذي يُغيّر ذلك في الأمر؟

أشباح رولان بارت
(رولان بارت في عمل فني)

لا أذكر حتّى ملامح وجهه. فقط، ترسّخت في ذهني نظرتُه التي دامت ثانيتَين قبل ارتطامه بمقدّمة الشاحنة التي أقودها. كانت نظرةً مطمئنّة إلى حدّ كبير.. نظرةً عادية جدّاً؛ فبسبب تأخُّره في الانتباه لمرور الشاحنة وهو يقطع الطريق، لم يُتَح له أن يشعر بالرعب، ولم تجد المفاجأة الوقتَ كي ترتسم في وجهه.

حدث كلُّ شيء بسرعة البرق. تحلَّق حوله المئات وكأنهم كانوا ينتظرون الحادث منذ الصباح. وواجَهني بعضُهم بنظرات غاضبة ومتوعّدة، وإن بقي أغلبُهم مشغولين عنّي بمعرفة مصير “الضحية” أو أخذِ موقع يُمكّنهم من فهم ما جرى. أنا الوحيد الذي كان يعرف ما جرى… أنا والضحية التي فارقت الوعي بعد الارتطام مباشرةً، وقد سال دمُها في الطريق وكأنها تلقّت رصاصةً في الرأس.

الشيء الوحيد الذي فهمته بسرعة هو أن الرجل الذي اصطدمتُ به معروف في الشارع الذي وقع فيه الحادث. لاحقاً سأعرف أنه أستاذٌ جامعي. لكن ما الذي يُغيّر ذلك في الأمر؟ كنتُ أسير بسرعة منخفضة، وحين دستُ على الفرامل كنت قد سمعتُ وقع الصدمة على حديد الشاحنة.

تسمّرتُ في مقعدي، حماني علوُّها من سُخط البعض، إلى أن حضر شرطيّان. كانا يلهثان، وطلبا منّي عدم النزول إلى أن تحضر سيارة الشرطة لتأخذني إلى المخفر. مرّت الدقائق باردةً، وأنا لا أعرف أيَّ مصير ينتظرني.

كان مديري في العمل يوصيني بعدم الحديث مع رجال الشرطة في حال وقع أي مشكل. عليَّ أن أحافظ على هدوء أعصابي وأُخبرَهُم بأنّني لن أتكلّم دون حضور محامٍ، ودون إعلام المدير. لم أتصوّر أن رجال الشرطة متفهّمون إلى ذلك الحد. حتى حين قالوا لي بأنني سأُسجَن على ذمّة التحقيق، فعلوا ذلك بلطف شديد وكأنهم يستشيرونني. حتى الأسئلة كانت روتينية، طلبوا أن أروي لهم ما حدث دون أسئلة والتفافات. قلتُ في نفسي: لا شكّ أنه الهدوء الذي يُقال بأنه يسبق العواصف، ومن تُراني ضربت هذا الصباح؟

نُقلتُ بسيارة الشرطة إلى مركز إيقاف. حين دخلتُه شعرتُ بدفء الفضاء مقارنة بالبرد الذي يلفُّ باريس في نهاية فبراير من ذلك العام. في غرفة الإيقاف التي حُجزتُ فيها، كن ثمّةَ رجلان؛ أحدهما أربعيني ببدلة أنيقة يجلس في الركن بوجه ساهم. أمّا الثاني فكان شاباً، لعله في العشرين من عمره. مِن الواضح أنه يحاول إخفاء ارتباكه كي لا يطمع فيه أحد. توقّعت بأنني سأصادِفُ وجوهاً مخيفةً كتلك التي نراها في الأفلام، لكنّني بدوتُ بين الموقوفين أقلَّ من يمكن الاطمئنان إليه. كنتُ أشعر بارتياحهما كلّما مرّت الدقائق، ربما اطمأنّا بأنّ القادم الجديد لن يتحرّش بهما.

لقد دهستَ أشهر عالِم لغة في فرنسا. ألم تجد في كلّ باريس إلّا هو لتفعل به ذلك؟

في الصباح، سقط علينا الضوءُ فجأةً ولم تمض دقائق حتى طلبني الشرطي. كان مديري على الهاتف في المكتب. صاح: “ماذا فعلت أيها المجنون؟ لقد دهستَ أشهر عالِم لغة في فرنسا. ألم تجد في كلّ باريس إلّا هو لتفعل به ذلك؟ الآن انتظِر جزاءك، ربما سيمسحون فيك كلّ الجرائم الموضوعة في الرف”. أخافني ما قال رغم أنّني لا أدري شيئاً عن مكانة الرجل، وأحرَجني أن أسأل الشرطي، الذي كان بجانبي، حول الأمر. أعلَمَني المديرُ أنه أرسل لي محامياً وأنَّ عليّ أن أشرح له كل ما حدث وألّا أنطق إلّا بما يقوله لي. حين انتهت المكالمة، قال لي الشرطي: ‘ادعُ الربَّ أن ينجو رولان بارت من الموت. حالتُه خطِرةُ جدّاً، وموتُه سيُعقّد موقفك كثيراً”.

تدّلى في ذهني حبل مشنقة. من يكون رولان بارت هذا؟ حين عدتُ إلى غرفة الإيقاف شعرتُ بأنَّ رأسي تكاد تنفجر. خفتُ أن أغفو فتحضرني الكوابيس، رغم أنه لم يسبق لي أن استيقظتُ مِن نومي بسبب كابوس. يبدو أنَّ الحياة قد تَركت نصيبي من الكوابيس لأعيشها في الواقع.

بعد الظُهر، استُدعيت إلى مكتب المحقِّق. بدا لي أنَّ الأمور ستأخذ بُعداً جدّياً. كان يُمسك بجريدة “لومند”، كأنّه يودُّ مني أن ألتفت إلى خبر يتعلّق بحادثة أمس. أمّا أنا، فقد اختلطت عليَّ الحروفُ والصُّوَر بسرعةٍ فلم ألتقط شيئاً. طلبَ منّي أنْ أُعيد سرد ما وقع، سألّني عن الليلة التي سبقت الحادث. عن أفراد أسرتي، عن سبب مروري من “شارع ليزيكول” في ذلك الوقت تحديداً. كان ينطق اسم رولان بارت بشكل خاص كأنه يحاول إثارتي. لم يكُن الاسمُ يعني لي شيئاً، حتى وإن كان صاحبُه هو الرجل الذي اصطدمتُ به يوم أمس.

مرّت الأيام اللاحقة بهدوء. لم يعُد هناك جديد. الأسئلة تذهب نحو التفاصيل الصغيرة، ولا تؤدّي إلى أي مكان. نظرات المحقَّق تصبح باهتةً أكثر فأكثر. يُظهر لي المدير أنه تخلّى عني، ولكنه يُطمئنني أحياناً بأن أتعاب المحامي مدفوعة. أتى بعض الأقارب والأصدقاء لزيارتي، وقد كانت الزيارات الأولى مرعبة؛ إذ قرأت في أعينهم بأنّني مُجرم، ثم أخذَت الدعابات تلفّ الزيارات اللاحقة. نقلوا لي أحاديث الناس عن دهس أستاذ كبير وتأويلات البعض بأن الأمر مدبّر. شريكي في الغرفة التي أسكُنها طمأنني بأنه حتى لو جرى إثبات أنَّ الدهسَ مُدبَّر فهناك قناعة بأني ضحية مُخطَّط جهنّمي حاول واضعوه التخلُّص من رولان بارت ومنّي في نفس الوقت. أخي الأكبر أخذ يتعالم أمامي فيحدّثُني عن إنجازات الباحث الفرنسي الكبير الذي دهستُه. لم تزرني أمي، قال لي أخي إنها مريضة. اعتقدتُ بأنها ذريعة كي لا تراني. ربما تشعر بالخزي مما اقترفْت.

مرّ شهر تقريباً على الحادثة، فُتح باب غرفة الإيقاف. من الضوء المنبعث من البوّابة شاهدتُ شرطياً لم أر وجهه من قبل يقدّم لي جريدةً. “لومند” مرّةً أُخرى. لم ينبس بكلمة. كان فقط يتأكّد أنني قرأت العنوان المكتوب ببنط عريض:

وفاة رولان بارت.

تليه أربعة أسطر مكتظّة في مربّع بارز: مات رولان بارت، الكاتب والأستاذ في كوليج دو فرانس يوم أمس في مستشفى بيتييه سالبيتريير على إثر صدمات في الجمجمة طالته جرّاء حادث سير في 25 فبراير الماضي. البقية في الصفحة 4.

تباطأ الزمن وأنا معلَّق بين كل الاحتمالات.

تركَني الشرطيُّ وحيداً مع الجريدة. ماذا يوجد في الصفحة 4 يا تُرى؟ هل حوّلني الصحافيون الأوغاد إلى سفّاح؟ لم أجد سوى حديثٍ عن رولان بارت. يُقدّمون منجزاته العلمية. دراسات. كتب. صور. شهادات المفكّرين والأدباء. كثيرون تحدّثوا عن طموحاته العلمية التي أسرّ لهم بها، وانطفأت فجأةً. لم يُفوّت أحدٌ منهم الإشارة إلى أنَّ فرنسا خسرت أحد أبرز رجالها.

بعد يومين أعلَمني المحامي بموعد المحاكمة. لم يقل إلّا كلاماً بلا معنى.

لم تكن هناك محاكمة بالصورة التي تخيّلتُها. كان هناك مكتب عادي، لعلّه أصغر من مكتب المحقِّق، وثلاثة رجال ضئيلي الحجم. تحدّث أوسطُهم لبضعة دقائق بكلام لم أفهم معظمه، فهو مليء بأسماء القوانين وتواريخها. عقّب المحامي بجملة قصيرة، ثم تحدّث القاضي مجدّداً:

– إفراج.

كاتب صحافي وباحث من مواليد تونس عام 1983، مقيم في فرنسا. يعمل محرّراً في القسم الثقافي لصحيفة “العربي الجديد”. يُعدّ حالياً أطروحةً في “جامعة لورين” حول تقاطعات الصحافة بالكتابة الإبداعية من خلال منهجيات السيميولوجيا ونظرية الأجناس.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة