أمين خلقت: فوتوغرافيا لحركة الجسد البشري

في لقائه مع "رحبة"، يقول الفنّان الفوتوغرافي الإيراني إنَّ حركات الجسد البشريّ في أعماله تُشير إلى سعي الإنسان لانتزاع حريته ومواجهة ما يُعيقها ويتحكّمُ فيها مِن نُظم سياسيةٍ ومُحرّماتٍ دينية وأفكار بالية.

إبراهيم شاهين - دوسلدورف
أمين خلقت: فوتوغرافيا لحركة الجسد البشري
(أمين خلقت - تصوير: روجين إيشاغي)

ينتمي الفنّانُ الفوتوغرافي الإيراني، أمين خلقت، إلى الجيل الذي وُلد وعاش في زمن الجمهورية الإسلامية؛ إذ أبصرَ النور في مدينة رشت بمحافَظة غيلان شمال غرب إيران، بَعد أقلَّ مِن سنتَين على قيام الثورة الشعبية التي أطاحت بنظام الشاه رضا بهلوي وأوصلت آية الله الخمَيني إلى السلطة.

تخرّج خلقت (1981) مِن الجامعة عام 2005 بشهادةٍ في هندسة الكمبيوتر، لكنَّ شغفَه الحقيقيَّ كان في مكانٍ آخر. وهذا الشغفُ هو الذي أخذه إلى المكان الذي يحب: خلف عدسة الكاميرا.

كان معرضُه الأوَّل، الذي أقامه في “جامعة لاهيجان” عام 2005 بعنوان “مِن الصراع إلى التجريد”، مَدخلَه إلى عالَم المصوِّرين المكرَّسين. وفي2010 ، فازَ في معرضٍ نضّمته حيث “أكاديمية الفنون” في “جامعة سان فرانسيسكو” بالولايات المتّحدة الأميركية، والتي اقتنت مجموعةً من صُوَره في 2010.

وفي 2011، دُعيَ إلى “مهرجان جازار الفني” في سويسرا؛ حيث عرضَ مجموعةً من أعماله، ومِن بينها صُوَرٌ التقطها لعددٍ مِن فنّاني موسيقى الجاز البارزين؛ مثل: بيني غولسون، وباستر ويليامز.

أمين خلقت

(من أعمال أمين خلقت)

في أعماله التي يأتي مُعظمها باللونَين الأسود والأبيض، يَلفتنا الحضورُ البارز لحركة الجسد البشري، مع تركيزٍ على حركات الرقص في كثيرٍ منها، وهو أمرٌ يقول خلقت، في لقاءٍ مع “رحبة”، إنه مرتبِطٌ بنشأتِه التي شكّلت الموسيقى جُزءاً أساسياً فيها، مُضيفاً: “للإيقاع الذي يحضُر في حياتي بشكل دائمٍ تأثيرٌ كبير على خياراتي الفنّية“.

يُردف: “منذ طفولتي، كانت الموسيقى شغفي الكبير؛ فلطالما سحرتني الآلاتُ الموسيقية وجعلتني الأناشيدُ أحلُم. كنتُ أعزف وأُغنّي، وحاولت كتابة الأغاني لكنّني عدلت عن الفكرة. أحببتُ الشعر كلّه، والشعر الحديث بشكل خاص، لكنّني لم أكتب أية قصيدة”.

بهذا المعنى، قد تكون الصورةُ شكلاً آخر للقصيدة، وهو ما يُعبّر عنه خلقت بالقول: “يُخلّد الشعر اللحظات المهمّة في الحياة. أرغب في أنْ أكون  شاعراً وموسيقياً، لكنَّني أُريد لقصائدي ولأنغامي أنْ تتجسّدَ في الصورة”.

نظلم إيران كثيراً حين ننظرُ إليها فقط مِن زاوية العقود الأخيرة مِن حُكم الملالي

يلفتُ الفنّانُ الإيراني إلى أنَّ حركات الجسد البشريّ في أعماله تُشير إلى سعي الإنسان لانتزاع حريته ومواجهة ما يُعيقها ويتحكّمُ فيها مِن نُظم سياسيةٍ ومُحرّماتٍ دينية وأفكار بالية.

بناءً على ذلك، يرى خلقت في الرقص أقصى حالات ممارسة حرية التعبير، وأسمى محاولات البحث عن الحرية، مُضيفاً أنَّ اللحظات التي اشتغل عليها في صُوَره الفوتوغرافية تُمثّل شكلاً من أشكال مواجهة ما يُمارسه النظام الديني في إيران مِن قمعٍ على الإنسان، والمرأة بشكلٍ خاص، سواءٌ طاوَل هذا القمُع اللباسَ أو الحركةَ أو الروحَ نفسها.

عادةً ما تُثير هذه المواضيعُ الإشكاليةُ اهتمامَ المتلقّي، خصوصاً في الغرب الذي يعيش واقعاً مختلفاً عمّا يعيشُه “الشرق”، وتستهويه الصُّوَر والقصص الآتية منه. فهل تكمُن قيمة العملِ الفنّي، حين يتعلّق الأمر بالفوتوغرافيا تحديداً، في الموضوع نفسه، أم في طريقة تناوُله؟

يُجيب خلقت عن هذا السؤال بالقول إنَّ أهمية العمل الفنّي لا تكمُن بالضرورة في التقاطه المواضيع الجديدة أو غير السائدة، بل في تناوُلها مِن زوايا مختلِفة، مضيفاً: “لا يستطيع الفنّانُ أن يُعيد خلق العالَم من جديد، لكنه يعمل على خلق عالمه الخاص انطلاقاً من الأشياء الموجودة، مِن خلال الأساليب المبتكَرة والأفكار الطليعية التي تحتاج إلى عملٍ وبحث دائمَين يُمكّنانه مَن تطوير أدواته الفنية والإمساك بمفاتيح عمله”.

امين خلقت

(مِن أعمال خلقت)

بالنسبة إلى خلقت، فإنَّ العملَ الفنّي رؤيةٌ متكامِلةٌ تبدأ من اللحظة التي تلمعُ فيها فكرةٌ ما في رأس الفنّان وتدفعه إلى إمساك الكاميرا، وتستمرُّ مِن خلال الاشتغال على تطوير التقنيات، مُشيراً في هذا السياق إلى أهمية أخذ مسافةٍ نقدية مِن العمل الفنّي: “لا أتردّد في النظر إلى أعمالي بعين الناقد، فهذا يُتيح لي إعادة اكتشافها مِن خلال عيون الآخرين“.

يُقيم خلقت في مدينة دوسلدورف الألمانية منذ مغادرته إيران قبل قرابة سبع سنوات. في 2013، وخلال وجُودِه في مدينة زيورِخ السويسرية، داهَم الأمنُ الإيراني منزله واستوديو التصوير خاصّتَه وصادر أجهزته، فعلم أنَّ العودة إلى بلده صارت أمرا خطِرا، فقرّر البقاء في أوروبا.

عن تجربة العيش في إيران مغادرتها، يقول: “كنتُ أشعر بالمسافة تزدادُ شساعةً بيني وبين النظام الحاكم كُلّما توسَّعَت معارفي وزاد اطّلاعي على الإنتاجات الإنسانية العظيمة في العالَم. كانت في داخلي قوّةٌ تدفعُني إلى التمرُّد على القيود والمحظورات الهائلة هناك“، مضيفاً: “النظام في إيران يُريدُنا بكماً وعمياناً أغبياء“.

يرى أمين خلقت أنَّ مَن يعيش مُحاصَراً بالممنوعات وحالماً بالحرية تحت وطأة الأنظمة السياسية القمعية في الشرق ثُمَّ ينتقل إلى مناخٍ أكثر حريةً، لا بُدَّ وأنه سيكتشف عالَماً لا حدود للإبداع فيه. لكنّه يضيف أنَّ الفنان لا يستطيع الهروب من ذاكرته وتاريخه الشخصي والجمعي، وهكذا تُصبح أعماله بمثابة “تعبير عن لا شعوره ومآسيه الشخصية والعامة”، مُعتبراً إنَّ إحدى وظائف فنّه هي توجيه رسالةٍ إلى القمع والظُّلم في بلاده، مفادُها أنَّ الفنَّ ليس سوى دعوةٍ إلى حياةٍ أجمل.

يدفعُنا هذا إلى الحديث عن الفنّ الإيراني في إيران وخارجها. هنا، لا يُفوِّت خلقت الفرصةَ مِن دون أنْ يتحدَّث عمّا يعتبره ظُلماً كبيراً إزاءَ بلدٍ يقول إنَّ له جذوراً عميقة في الحضارة الإنسانية وحضوراً بارزاً في الشعر والموسيقى والثقافة بشكل عام حين يجري النظرُ إليه فقط من زاوية العقود الأخيرة من حُكم الملالي.

يُشير أمين خلقت، في ختام اللقاء، إلى التقارُب الثقافي بين الإيرانيّين والعرب بحُكم الاشتباك التاريخي بينهما، قائلاً إنَّ الثقافة العربية تعرف بشكلٍ جيّد أسماء مثل عمر الخيام وشهاب الدين السهروردي وجلال الدين الرومي وعددٍ من السينمائيّين الإيرانيّين البارزين.

يَضحكُ الفنّانُ الفوتوغرافي وهي يُذكّرُني بأنَّنا تعارفنا خلال حديثٍ عن الموسيقى الإيرانية بمناسبة رحيل المطرب محمد رضا شجريان في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.

كاتبٌ ومُحامٍ سوري مِن مواليد حمص عام 1971، يُقيم في ألمانيا منذ 2015. يهتمُّ بالمجتمع المدني في سورية والعالَم العربي، وينشط في عدّة تجمُّعات ومنصّات مدنية. يكتب القصّة القصيرة وينشر مقالاته في عدّة صحف ومواقع عربية.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة