أنا هو ناجي العلي وهذه قريتي الشجرة
هنا يبرز حطام المنازل والقضبان الحديدية المكسرة من خلال كساء النباتات البرية الذي بات يغطي الموقع. هنا تنجلي الإبادة، ولا يزال جانب من مدخل مقنطر قائماً، بينما يكسو نبات الصبار الركن الغربي من الموقع، والتل المجاور له.
أقول لك قف، قف الآن، يجب أن تقف، قف… قف الآن… لأن هنا مدخل قريتي الشجرة، لأن هنا قريتي الشجرة، لأن هذه قريتي التي لا تعلم عنها شيئًا، لأنك أنت أيها الرجل الصغير محال أن تقف، لأنك أصم وأبكم ولأنك لا ترى أي قارعة على الطريق، ولأنك بالطبع تخاف وجه العدالة، لكن يجب أن تقف، لأنك أنت لا تعلم من أكون، إذن أنا هو ناجي العلي وهذه قريتي الشجرة وهذه قرى فلسطين التي دمرتها “إسرائيل” في الــ 48 وأسماء شهدائها؛ أنا هو ناجي العلي وهذه قريتي الشجرة، قريتي التي هُجرّنا منها قسرًا، هنا قريتي الشجرة إذن، عشنا هنا، كنا هنا، نحن محبرة دماء، نحن هذه الأوراق، نحن الكوشان، نحن هذا العبق العتيق؛ إن قريتي الشجرة تقع على السفح الشرقي لتل متوسط الارتفاع، إذن سهول وكروم من حولها، إذن وديان وأنهار وثمار من حولها. إذن هذا طريق يمشي فيها الناس إلى حيفا، إذن هنا دفق من الناس، إذن الشجرة هي عاصمة العالم.
هذه الشجرة قريتي، حيث واد ضيق يحاذي تخومها الشرقية، من الشمال إلى الجنوب كما كان طريق عام يمر بها ويؤدي إلى طبريا في الشمال الشرقي، وإلى الناصرة في الجنوب الشرقي. وقد أطلق الصليبيون عليها اسم سييرا سنة 1596، لقد ذبح الصهاينة أهالي الشجرة، سفكوا الدماء حتى النحر، لكننا هنا، في الأشجار، في البيوت، نحن في الكوشان، نحن من داخل الأشجار، نحن هم أهالي الشجرة، إذن قريتي الشجرة تكون في لواء طبريا وعدد سكانها 369 نسمة، وكنت أنا ناجي العلي أحد أولادها الصغار، كانت تؤدي الضرائب على عدد من الغلال كالقمح والشعير والزيتون والفاكهة، بالإضافة الى عناصر أخرى من الإنتاج كالماعز وخلايا النحل والبساتين ومعصرة للزيتون أو العنب وقد لاحظ الرحالة السويسري بوركهات في سنة 1812 إن نبات الخرشوف البري الذي يكسو السهل المحيط بالقرية موجود بوفرة، إذن هنا الشجرة، وهذه طريق تؤدي إلى حيفا وحيفا بدورها تؤول إلى الأبدية، لكن ها هو ذا… ها هو ذا…صهيوني يدخل القرية… لكن ها هو ذا… ها هو ذا…جندي صهيوني يدخل القرية…لكن هنا قريتي الشجرة وفي أواخر القرن التاسع عشر كانت القرية ذات منازل مبنية بالحجارة، وعدد سكانها 150 نسمة تقريباً. لكنها بيوت تتلألأ من بعيد، لا تخفتي في الظلام بل تظل برّاقة، وكان يحف بها أرض زراعية غرست تيناً وزيتوناً، كما ثمة نبع في ركنها الجنوبي. كانت قريتي الشجرة رابع القرى الكبرى في قضاء طبريا من حيث المساحة، وكانت أكثر منازلها تتجمهر في الجانب الشمالي الشرقي من الموقع، بينما كان بعضها ينتشر في الجانب الغربي. وكانت الغابات والنباتات تغطي سفوح التلال المواجهة للقرية من الجنوب. وكان عدد سكان الشجرة 770 نسمة:720 مسلماً و50 مسيحياً. وفي زمن الانتداب أنشئت مدرسة ابتدائية في القرية.
كان سكان قريتي الشجرة يعتمدون على الزراعة في معيشتهم وفي 1944/1945، خصصوا ما مجموعه 2102 من الدونمات لزراعة الحبوب، بينما كان 544 دونماً مروياً أو مستخدماً للبساتين. وكانت الشجرة تحتل موقعاً أثريا ضم آثاراً، منها أسس كنيسة دارسة وحجارة عليها نقوش وقبور منحوته في الصخر. وكان في جوار القرية خربتان إحداهما في الشمال الشرقي والأخرى في الجنوب الغربي تضمان بعض الأطلال والصهاريج والمدافن.
لكن أنا هو، لكن أنا هو ذلك، لكن أنا هو ناجي، اسمي ناجي، اسمي ناجي، وقريتي تدعى الشجرة وفلسطين هي بلادي، إذن أنا عربي واسمي ناجي، وأنا عربي وعربي فقط ولا أكون سوى عربي. هذه هي قريتي، وهذه هي رحلتي، وهذه هي رحلتنا، وهذه هي حياتي التي انتهت قبل أن أنتهي منها، وهذا هو الألم إذن، هذا هو الألم الطويل، هذا هو الألم إذن، هنا فلسطين، موطن لانهائيات الألم، من هنا يبدأ، من هنا يبدأ الألم، لكن من منّا؟ من منّا لم يشعر بهذا؟ بهذا الألم الطويل؟ هذه رحلة ألم طويلة، هذا هو سرداب الألم، هنا يبدأ إذن لا محالة، لكن ما الأجمل؟ الربح أم الخسارة؟ هل هذا طابور الخيبة؟ من نحن إذن؟ هل نحن فلسطين؟ لكن ما الأجمل؟ الربح أم الخسارة؟
في أواسط شباط 1948، بينما كان القتال دائراً بين العرب وقوات الهاغاناه في وادي بيسان شنّت الهاغاناه هجوماً تضليلياً على قرية الشجرة. وورد في صحيفة فلسطين أنه بعد منتصف ليل 17 شباط تسللت إحدى وحدات الهاغاناه الى داخل القرية وفجرت منزلين وقال بلاغ رسمي بريطاني إن المنزلين المستهدفين كانا مهجورين.
في أيار سقطت القرية عقب سقوط طبريا وتمهيدا للهجوم على بيسان. وقد جاء الهجوم على القرية في إطار محاولة الهاغاناه إحكام سيطرتها على الجليل الأسفل قبل 15 أيار. وذكر تاريخ الهاغاناه أن وحدات من لواء غولاني ولا سيما الكتيبة الثانية عشرة، أو كتيبة براك أغارت على القرية فجراً وسيطرت عليها بعد هجوم قوي. وقد سقط جراء الهجوم عدد غير معروف من القتلى في صفوف سكان القرية وجاء في رواية الهاغاناه أن القرية احتُلّت في حزيران وفرّ منها سكانها تاركين وراءهم قتلاهم أما صحيفة نيويورك تايمز فذكرت أنه عُثر في القرية على جثث عشرين عربياً عقب هجوم الهاغاناه.
وفي هذه الأثناء، قامت وحدة أخرى من الهاغاناه بمحاصرة قرية لوبيا المجاورة، ومن أجل الحؤول دون قدوم أية تعزيزات لنجدة سكان الشجرة. وفي وقت لاحق من ذلك في الساعة الثامنة صباحا. شنت القوات العربية المحلية هجوماً مضاداً من جهة قريتي كفر كنا وطرعان. وقد دامت المعركة النهار كله، إلا إن القرية ظلت عند حلول الليل في قبضة الهاغاناه بحسب ما جاء في تاريخ الهاغاناه. لقد دخل الصهاينة قريتي، ودمر كل شيء فيها، لقد سمعتموه، لقد أبصرتموه، لقد أخذتموه، لقد قتلتموه، ونحرتموه، وشللتموه، واغتصبتموه، وذللتموه، واغصبتموه، وأحرقتموه، لقد نهبتموه، وسرقتموه، وقطعتموه، وكسرتموه، أنتم قاطعو الأشجار، لقد استأصلتموه، ونشلتموه، وقلعتموه، لكنك تسمع، لكنك تسمع… لكن هنا، هنا، الشجرة، قريتي الشجرة، لقد دخل جنديان يرتديان هندامين وبزتين إذن جنديان بهندامين وبزتين حيث أخذا ودخلا ورأيا واقتلعا، جنديان وحقيبتا ظهر وفأسا قلع ومحراثا أرض، هنا يبرز حطام المنازل والقضبان الحديدية المكسرة من خلال كساء النباتات البرية الذي بات يغطي الموقع. هنا تنجلي الإبادة، ولا يزال جانب من مدخل مقنطر قائماً، بينما يكسو نبات الصبار الركن الغربي من الموقع، والتل المجاور له.
أما الجانبان الجنوبي والشرقي، فتقوم عليها حظائر المواشي التابعة لمستعمرة إيلاينا المجاورة. وثمة في الطرف الشمالي بئر واسعة العمق في جوفها درج حلزوني يستخدم لتنظيف البئر وصيانتها بانتظام. حيث نبت شجر الزنزلخت والتين والنخيل في المنطقة. إذن مستعمرات إسرائيلية على أراضي القرية، فقد أنشأ الصهاينة مستعمرة سجرة في سنة 1902، إلى الشمال الشرقي من القرية. وقد اشتق اسمها من كلمة شجرة ثم ما لبث سكانها أن غيروا اسمها فجعلوه إيلانيا من كلمة إيلان العبرية أي شجرة وفي سنة 1949 أنشأ كيبوتس سدي إيلان إلى الشرق من أراضي القرية الزراعية.
لكنك تسمع، لكنك تسمع… لكن هنا، هنا، الشجرة، قريتي الشجرة، وأنا ناجي العلي، لكنني هنا دون بطلي حنظلة، لأن حنظلة سوف يأتي بعد التحرير، لأن حنظلة لن يدخل مجددًا ولن يكشف عن وجهه إلاّ عند التحرير…. إنهم في تيه مرعد، إنهم في تيه بعيد، أبعد مما نظن، لكنني كما كنت مع موسى سأكون معك، لقد سمعتموه، لقد أبصرتموه، لقد أخذتموه، لقد قتلتموه، ونحرتموه، وشللتموه، واغتصبتموه، وذللتموه، وأغصبتموه، وأحرقتموه، لقد نهبتموه، وسرقتموه، وقطعتموه، وكسرتموه، أنتم قاطعوا الأشجار، لقد استأصلتموه، ونشلتموه، وقلعتموه، لكنك تسمع، لكنك تسمع، فأسقيناكموه، فأسقيناكموه، فأسقيناكموه، فأسقيناكموه، فأسقيناكموه، لقد حل الليل، أَفَأستَسقَينَاكُمُوها، الآن أخرج من قريتي الشجرة، الآن أذهب نحو حيفا، الآن أذهب نحو شوارع حيفا البائسة، وهنا ضباب شديد الرطوبة، وهنا ليل شديد الرطوبة، وهنا ليل وحيد، وهنا ليل لا يأتي بعده الصباح، وهنا ليل من جذّام، وهنا ليل مليء بالتقرحات، وهنا ليل تخرج منه الأشواك، وهنا ليل يكون تيارات خيبة، وهنا ليل يكون أنيابًا، وهنا ليل تنبت منه الكراهية، وهنا ليل، وهنا ليل، إذن هنا ليل، وهنا أشجار باسقة تسقط، وهنا جبال عالية تُهدم، وهنا صروح، وهنا شوادر، وهنا سطوح، وهنا أعالي، وكاتدرائية فقيرة، وإسفلت قد أعلن ذوبانه، هنا نخيل ميت، هنا مقبرة كبيرة، هنا أرض النكبة إذن، هنا حيفا، ليست قريتي الشجرة، هنا حيفا شكل الخيبة الغريب، هنا حيفا خيبة شقية، خيبة مستعصية، خيبة لعوب، خيبة حزينة، هنا حيفا الأرض الحزينة، هنا حيفا، يعني أننا في حيفا، حيث الشوادر والأضواء والسطوح، والتفرعات، والانكسارات، والآلام، هنا حيفا وطحالب تتعفن وشواطئ تنكسر، هنا حيفا، وهنا تل السمك، وهنا وادي الصليب، وهنا شارع “ألنبي” الحقير، وهنا الجادة الألمانية، أي هنا حيفا، حيث الشوادر والبنايات وبائعو الفلافل والحمص، الآن هنا حيفا، الآن إبحار، إبحار، الآن غرق غرق.
ها قد قَدْ دَخَلَ إِلَى هُنَا اللَّيْلَةَ رَجُلاَنِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِيَتَجَسَّسَا على الأَرْضَ، ها قد حل الليل، هنا حيفا ليست الشجرة لكن حيفا مدينة دون مداخن، حيفا مدينة دون مصانع، حيفا مدينة دون نوافذ، حيفا مدينة دون شوارع، حيفا مدينة دون أرصفة أو مدافع، حيفا مدينة دون سواحل، حيفا مدينة دون شواطئ، حيفا مدينة دون عرب، حيفا أصبحت تلك المدينة الصهيونية، حيث أخذوا الشوارع، والمصانع والمداخن والشواطئ، لكنك تسمع، لكنك تسمع؛ لقد سرقوا الشاطئ، لقد سرقوا الساحل، وهذه سواحل زرقاء، وهذه سواحل طويلة، وهذه سواحل تمشي فيها قافلة من الناس، وهذه سواحل يدخلها جنود مدججين بالسلاح، وهذه سواحل زرقاء، وهذه سواحلنا الزرقاء، وهذه سواحل جرداء وهذه سواحل غير خصيبة، وهذه سواحل ليست مدرارًا، وهذه السواحل تعرفني، لأن هذه السواحل، هي سواحل حيفا، لكن لا سواحل في حيفا، الآن غرق، الآن غرق، ها قَدْ دَخَلَ إِلَى هُنَا اللَّيْلَةَ رَجُلاَنِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِيَتَجَسَّسَا على الأَرْضَ، الآن هما في الأرض إذن دخل جنديان بهندامين وبزتين أي جنديان بهندامين وبزتين حيث أخذا ودخلا ورأيا واقتلعا، جنديان وحقيبتا ظهر وفأسا قلع ومحراثا أرض، وسلاحان كبيران مخيفان يطلقان نيران من جوفيهما، وسلاحا ضربِ نارٍ، وسلاحان كبيران مخيفان يطلقان نيران من قلب البندقية، هنا البواريد إذن، هنا يقتلني الصهاينة إذن، هذا هو خط زائف من الزمن، هنا رقعة زمن زائفة، هنا أموت، هنا يقتلني الصهاينة، حيث قتلوني في قريتي الشجرة وفي حيفا وفي لندن، هذا هو الزمن إذن، هنا ينتهي الزمن إذن، لكنك تسمع، لكنك تسمع… أنا هو ناجي العلي وهذه قريتي الشجرة.
* مقطع من عمل سردي طويل بعنوان “أنا هو النشيد”.
كاتب فلسطيني من مواليد حيفا عام 1999، صدرت له رواية بعنوان “الأشجار الأولى” (“هاشيت أنطوان”، 2023). وهو طالب دكتوراة في جامعة يوهانس غوتنبرغ الألمانية.