إبراهيم عيسى: نقد العقل المتلوّن

متمترساً وراء النزعة التنويرية، يبدو الكاتبُ والصحافيُّ المصري وكأنما يحبّ أن يكون أحد شهدائها الجدد، ولكن في صيغة تلفزيونية ترفيهية بضاعتُها الضجّة لا الفكرة. دخل الرجل الآلة العملاقة لشدّ الانتباه، وعليه أن يعبّئ فراغات المساحة الإعلامية بأيّ شيء.

إبراهيم عيسى: نقد العقل المتلوّن
إبراهيم عيسى

تتصاعد أعمدةُ دخان كثيرةٌ حوله هذه الأيام؛ كفّره البعض وتأسطر عند البعض الآخر، وهناك شريحة لم تفهم ما يحدث ولعلّها الأوسع، فما يحدث حول إبراهيم عيسى من ضجيج ليس من أولويات نقاشات الشعوب العربية في شيء، ولكن هكذا تدور يوميات هذه “الأمّة”.

بات الصحافي المصري ظاهرة ميغا- إعلامية بامتياز، حاضراً بسخريته التي يغمّسها في مرق التابوهات الرئيسية: الدين والسياسة والجنس. وقد بدا اليوم متمرّساً أكثر فأكثر على إدارة الضجّات حوله، فوراءه “سيرة ذاتية” حافلة من الحضور التلفزيوني بمشاكساته عبر شاشات كثيرة، ولديه قبل ذلك تاريخ طويل وباعٌ في الصحافة المكتوبة، وعنده فوق ذلك كتبٌ تتراكم بمرور السنوات، لا تفتأ – هي الأُخرى – تدلّ بأن عيسى محبّ للإثارة (مولانا، مقتل الرجل الكبير، دم الحسين، رحلة الدم، حروب الرحماء، أشباح وطنية، رجال بعد الرسول… ).

تأتيك اليوم أخبار إبراهيم عيسى من كلّ صوب، مرّةً وهو يسخر من معتقدات الحاضر، حين يؤكّد بأن نساء الصعيد كنّ يرتدين المايوه، ومرّةً وهو يُنكر معتقدات الماضي، فيقول بأنّ “الإسراء والمعراج حكاية وهمية”، وهو عليم بما يجرّ ذلك من صدامات وردود من المؤسّسات والأفراد، ولكنه يكرّ بكلّ ثقة ويُقحمنا جميعاً في حوار طرشان جديد.

يتمترس عيسى اليوم وراء النزعة التنويرية. ويبدو وكأنما يحبّ أن يكون أحد شهدائها الجدد؛ طه حسين أو علي عبد الرازق في صيغة تلفزيونية ترفيهية. تجمع الجرأةُ بين هؤلاء، لكنهم لا يستوون في العمق وفي أفق الأطروحة، ولا يبدو عيسى صاحبَ أطروحات أصلاً، ويُحسب له أنّه لا يدّعي ذلك، فالبضاعة التي يروّجها هي الصوت العالي والضجّة في حدّ ذاتها، وليس الفكرة أو “المعتقدات المغلوطة” كما يقول مناوئوه. ليس ثمّة معتقدات ولا بطّيخ، كما يقول المصريون، كلُّ ما في الأمر أنّ الرجل دخل الآلة العملاقة لشدّ الانتباه، وعليه أن يعبّئ فراغات المساحة الإعلامية بكل شيء وأيّ شيء يجذب الناس إليه.

لا يبدو أنّ إبراهيم عيسى صاحبُ أطروحات أصلاً، ويُحسب له أنّه لا يدّعي ذلك

يُحبّ إبراهيم عيسى التاريخَ، وقد جعل منه غذاء خطابه الإعلامي، المكتوب والمرئي، كما عوالمِه الأدبية. لكنّ التاريخ هو نفسه الذي يمسك به بقوّة من “حمّالات” سرواله التي اشتهر بها، فلنذكر أنه قبل أن يلبس المعطف الحالي للناقد العقلاني في الرواية الدينية كان يرتدي معطفاً بلون آخر؛ اللون النقيض.

سيجد مَن يملك ذاكرة جيّدة إبراهيم عيسى مقدّماً لسلسلة من البرامج الدينية كانت موضة العقد الأول من القرن الحالي؛ سحرَ الناس بثقافته الموسوعية في برامج متعدّدة حول الصحابة أشهرها “الرائعان” عن سيرة أبي بكر الصديق وعمر الخطّاب، ثم أتبع هذا البرنامج بـ”الرائعتان” حول عائشة بنت أبي بكر وفاطمة ابنة النبي محمد. ومن العناوين نفهم أين كانت تتّجه تلك البرامج. لا يمكن أن تكون تلك العناوين مقدّمة لمادة نقدية حول “أسطورة” هذا الصحابي أو ذاك. فما الذي حدث بين الترويج للرواية المُأسطرة للتاريخ الإسلامي، وتحوُّلها بعد سنوات إلى مادّة تمحيص عقلاني كما في برنامج “مختلَف عليه” (قناة “الحرّة” الأميركية).

لن ينكر أحد على الرجل كونه مثقّفاً. أمدّ المشهد التلفزيوني بأطباق شيّقة من البرامج، فيها من الكثافة المعرفية ما يندر أن نجد مثله، ليس المقصود البرامج الدينية وحدها، بل حتى السياسية والاجتماعية اليومية منها. برع عيسى في اختراع أفكار تعبّر عن موهبة فذّة (بلدنا بالمصري، نحن هنا، في الميدان، السادة المرشحون، السادة المرشحون سابقاً، لديّ أقوال أُخرى…).

لكن، في نهاية المطاف، ما الذي تغذّيه هذه الثقافة؟ نعترف بطرافتها وطراوتها ولكن أيَّ إنسان تبني؟ أسئلة لا يبدو أنها تدور في ذهن “الأستاذ عيسى” مع النسق الجنوني الذي يسير عليه في إنتاج برامجه (معظمها يوميّ). وحين ننساه لبعض الوقت سرعان ما يلتقط شرارة (أو يصطنعها اصطناعاً)، فيفجّر مواقع التواصل في هواتفنا بالزوابع التي لا تنسينا إياها إلّا زوابع أُخرى.

رأفةً بنا أيّها المثقّف المتنوّر… أو المتلوّن في رواية أُخرى.

كاتبة وناشطة مدنية من لبنان. من مواليد عام 1994. تقيم حالياً في كندا حيث تدرس العلوم السياسية.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة