إدريس ديبي… نهاية جندي فرنسا “الشجاع”

جمع الرئيس التشادي، الذي أُعلن عن مقتله قبل أيام، كلَّ أمراض الحكم في أفريقيا: رئاسةٌ مدى الحياة ثمنُها وضع جيش دولة مستقلّة في خدمة مصالح أجنبية، وخرابٌ اقتصادي بسبب الفساد. وها هو يترك أبواب الحرب الأهلية في بلاده مشرعةً على مصراعَيها.

إدريس ديبي… نهاية جندي فرنسا “الشجاع”
(إدريس ديبي وإيمانويل ماكرون خلال قمّة حول منطقة الساحل بمدينة بو الفرنسية، يناير 2020 - تصوير: جورج غوبيه، فرانس برس)

لقد وعدتُ، في البداية، ألّا أبقى في الحكم لأكثر من فترتَين رئاسيّتَين، لكنَّ التمرُّد حدث، ولا يمكنني أن أترك البلاد في الاضطراب والفوضى“…. هكذا حاول الرئيس التشادي، إدريس ديبي، الذي أُعلن عن مقتله مؤخَّراً، في حوارٍ لمجلّة “جون أفريك” الفرنسية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، تبرير بقائه في السلطة منذ إطاحته بسلفه حسين حبري، بدعمٍ فرنسي، عام 1990.

يعترف ديبي، في الحوار نفسه، بأنّ “ثلاثين سنةً في الحُكم هي فترةٌ طويلة“، لكنّه سيربط ذلك بما سمّاه “مسؤوليةً تجاه التاريخ”. بالنسبة إليه، فإنَّ “مغادرة الحكم وفتح الباب أمام الحرب الأهلية سيكون فعلاً غير مسؤول”؛ إذ “كان لابد من تسيير هذه الحرب التي جرى تدبيرُها في السودان مِن قبل عمر البشير (الرئيس السوداني السابق). بعدها، وفي سنة 2011، جاء التهديد من ليبيا، وفي 2016 من أفريقيا الوسطى، وبوكو حرام، ومرّةً أُخرى ليبيا“.

غير أنّه، وطيلة فترة حكمه، لم يقُم ديبي (1952) بما مِن شأنه إيصاد أبواب الحرب الأهلية بشكل نهائي؛ فالروايةُ الرسمية لسبب موته تتحدّث عن “إصابته في معارك كان يشرف عليها شخصياً في شمال البلاد”؛ حيث يزحف المتمرِّدون القادمون من ليبيا نحو الجنوب للإطاحة بحكمه الذي بدأ قبل أكثر من ثلاثين سنةً عن طريق انقلاب عسكري.

قبل الإعلان عن مقتل ديبي في العشرين من أبريل/ نيسان الجاري، جرى تشكيل مجلس عسكري انتقالي يضمُّ خمسة عشر مِن كبار قادة الجيش التشادي، على رأسهم ابنُه الفريق محمد إدريس ديبي، المدعو كاكا، والذي كان على رأس المديرية العامّة لـ”مصلحة أمن مؤسَّسات الدولة”، وهي قوّاتُ نخبةٍ في الجيش تُشكِّل حرَساً رئاسياً وتتبع رئاسة الجمهورية مباشرةً.

لم تستفد تشاد مِن عائدات النفط الذي تصدّره منذ 2003 في تحسين وضعها الاقتصادي

رغم أنّّ ديبي، الذي ظلَّ يتغنّى بالديمقراطية والجمهورية طيلة ثلاثة عقود، ترك خلفه دستوراً ينصُّ على تولّي رئيس البرلمان السلطة في حالة شغور منصب الرئيس إلى حين إجراء انتخاب رئاسية خلال شهر ونصف أو ثلاثة أشهر، فإنَّ المجلس العسكري الانتقالي لم يجد، بعد مقتله، أيَّ حرجٍ في الإعلان عن تعطيل الدستور، وحلِّ الحكومة والبرلمان، وتولّي الحُكم بصفة مباشرة لفترة انتقالية تدوم سنة ونصف مع وعد بإجراء انتخابات “حرة وديمقراطية” في نهاية هذه الفترة. وبهذا، لا تغادر السلطةُ عائلةَ الرئيس الراحل ومحيطه القبَلي الذي ظلَّ يدعمه طيلة السنوات الماضية.

قتالٌ من أجل السلطة

انتظرت فرنسا، وهي أهمِّ حليفٍ لديبي منذ وصوله إلى السلطة، ساعات قبل أن تُعلِن، من خلال بيان صدر عن الرئاسة، أنَّها “تلقّت بتأثُّر إعلان رحيل رئيس تشاد إدريس دبي”. وجاء في البيان: “إنَّ تشاد تفقد جندياً كبيراً ورئيساً عمل دون توقُّف من أجل أمن البلد واستقرار المنطقة خلال ثلاثة عقود. فرنسا فقدت صديقاً شجاعاً“.

لا تذكر فرنسا دوراً آخر لديبي غير الحفاظ على أمن البلد، ولتشاد غير المساهمة في استقرار المنطقة؛ أي منطقة الساحل ووسط أفريقيا، حيث تلعب القوّات المسلّحة التشادية دوراً محورياً في إسناد فرنسا التي تنشر قوّاتها في كلّ من النيجر ومالي منذ 2013 ضمن عملية “سيرفال” التي صارت تُعرَف باسم “برخان” منذ 2014، ومقرُّ قيادتها في العاصمة التشادية نجامينا.

ظلَّ إدريس ديبي، وأركانُ حكمه، يفاخرون بأنَّهم نقلوا تشاد مِن موقع البلد الفقير الذي لا تأثير له إلى دولة ذات دور محوري في منطقة الساحل ووسط أفريقيا. ويعود الفضل في هذا التحوُّل إلى الجيش التشادي الذي يصفه الفرنسيون بأنه “الأكثرُ قوّةً في المنطقة والوحيدُ الذي يمكن الاعتماد عليه”، بفعل الخبرة التي تراكمت لديه خلال عقود. وقد دفعت التحوُّلات الإقليمية التي شهدتها المنطقة، منذ سقوط نظام معمّر القذّافي في ليبيا سنة 2011، تشاد إلى الواجهة، وحوّلَتها إلى طرف مهمّ في الحرب على الجماعات المسلَّحة التي احتلت شمال مالي عام 2012، وضدّ الجماعات  المسلَّحة في المنطقة المحاذية لبحيرة تشاد، وخصوصاً في شمال شرقَي نيجيريا والكاميرون.

لا تزال البلاد مرتبطةً بشكل كامل بالمستعمِر السابق بعد أكثر من ستّين سنةً من استقلالها عنه

تنقل جريدة “لوموند” عن مصدر أمني في الساحل قوله: “الجنود التشاديون كانوا دائماً الأكثرَ رغبة في الذهاب إلى القتال على عكس جيوش أُخرى، وكانوا ينجحون في تحقيق الانتصارات في الميدان“. مِن هذا الدور الذي رسمه إدريس ديبي للجيش التشادي، استحقَّ لقب “الصديق الشجاع” لفرنسا؛ فتشاد هي أوّلُ مساهِم في تشكيلة القوّات المشتركة لمجموعة الخمسة في الساحل، والتي تضمّ أيضاً كلّاً مِن النيجر ومالي وبوركينافاسو وموريتانيا، وتَعدّ ستّة آلاف جندي، منهم 1850 جندي تشادي.

وتتولّى هذه القوّات دعم الجنود الفرنسيّين في المنطقة. كما تُساهِم تشاد بقرابة 1500 جنديّ في بعثة الأمم المتّحدة لدعم استقرار مالي (مينوسما)، والتي قوامها 13 ألف عنصرٍ من القبّعات الزرق.

وكان آخر التزام قدّمَه ديبي لفرنسا خلال قمّة نجامينا التي عقُدت في فبراير/ شباط الماضي؛ حيث أعلن قرار إرسال أكثر من ألف جندي إضافي إلى المثلَّث الحدودي بين مالي والنيجر وبوركينافاسو لمواجهة الجماعات الجهادية هناك.

كابوسٌ آخر لباريس

بالنسبة إلى فرنسا، يُمثّل رحيل إدريس ديبي ضربةً قاسية لخطط الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون الهادفةِ إلى البحث عن بدائل عن التواجُد العسكري الفرنسي المباشر في منطقة الساحل. وقد تركّزَت الجهود الفرنسية، خلال السنوات الأخيرة، على حثّ دوَل المنطقة على تولّي مهمّة مكافحة الجماعات المسلَّحة تحت إشراف فرنسي. ومِن المتوقَّع أنْ يكون هذا الموضوع أحد أهمّ قضايا حملة انتخابات الرئاسة في فرنسا التي ستجري بعد عام من الآن.

جاء الإعلان عن مقتل ديبي عقب فوزه (بنسبة تقارب 80 في المائة) بولاية رئاسية سادسة في انتخابات مغلَقة ندّدت بها المعارَضة. وقبل ذلك، كانت كلُّ التقارير الصادرة عن مراكز أبحاث متخصّصة تُحذِّر مِن مخاطر حقيقية لاندلاع حرب أهلية في البلاد في حال شغور منصب الرئاسة. فبعد ستّين سنةً من الاستقلال عن فرنسا، بقيت تشاد مرتبطةً بشكل كامل بالقوّة الاستعمارية السابقة، وبقي الحكم قائماً على موازين قوى قبَلية تستند إلى القوّة العسكرية، ولم تستفد البلاد مِن عائدات النفط، الذي بدأت تصديره سنة 2003، في تحسين وضعها الاقتصادي، خصوصاً بعد انهيار الأسعار في السنوات الأخيرة.

غير أنَّ المشكلةَ الأهمّ تكمُن في أنَّ تشاد هي إحدى أكثر الدول الأفريقية إنفاقاً على المجال العسكري؛ حيث تستهلك القوات المسلَّحة نحو 40 في المائة من ميزانية الدولة، كما أنّها مِن أكثر الدول عسكرةً بقياس تعداد الجيش إلى مجمل السكان (قرابة 65 ألف جندي في بلد يُقدَّر سكّانه بنحو 15 مليون نسمة).

لم تتوان فرنسا عن تبييض حكم ديبي التسلُّطي ومساعدته عسكرياً ضدّ المتمرّدين عليه

في مطلع السنة الجارية، أصدرت “مجموعة الأزمات الدولية”، وهي منظّمةٌ دولية غير حكومية، تقريراً مطوَّلاً عن الجيش التشادي، خلاصتُه أنَّ هذا الجيش، الذي يُعَدُّ فاعلاً أساسياً في الحرب على الإرهاب في منطقة الساحل، هو في الحقيقة ضعيفٌ مِن حيث الانسجام العام، ويعاني بشكل متكرِّر من التوتُّرات القبَلية ومِن مشاكل في الانضباط، وتظهر فيه حالات انشقاق وتمرُّد بشكل مستمر.

ونبّه التقريرُ إلى أنَّ تشاد ستواجه مخاطر حرب أهلية إذا توجَّب على الرئيس مغادرة الحكم. وأوصى التقرير بضرورة أن تقوم السلطات التشادية، بمساعدة الشركاء الدوليّين، بإصلاحات عميقة لتحويل الجيش إلى جيش وطني يعكس التنوُّع الموجود في المجتمع، غير أنه لم يُبدِ أيَّ تفاؤل بإمكانية حدوث ذلك قريباً. وقد جاء الإعلان عن مقتل ديبي ليغلِق هذا الباب ويفتح بدلاً عنه باب السيناريو الأكثر تشاؤماً، والذي جرى التحذير منه في خلاصة التقرير.

اختارت فرنسا حماية حليفها وبيّضَت حكمه التسلُّطي، وساعدَته، عبر التدخُّل العسكري المباشر لحمايته من المتمرّدين عليه. وكان المقابِل الذي تحصّلَت عليه هو تسخير ديبي جيش بلاده لتعزيز النفوذ الفرنسي في أفريقيا. غير أنَّها تقف، اليوم، أمام احتمالات فقدان أحد أهمّ قواعد هذا النفوذ على الإطلاق، وهذه إشارة سيّئةٌ مِثل تلك التي أطلقها التململُ الشعبي ضد الحكم في مالي المدعوم فرنسياً والانقلابُ الذي تبع ذلك التململ، وأيضاً المظاهراتُ الشعبية التي استهدفت الوجود الاقتصادي الفرنسي في السنغال مطلع مارس/ آذار الماضي.

لقد تلخّصَت في إدريس ديبي كلُّ أمراض الحكم في أفريقيا: رئاسةٌ مدى الحياة ثمنُها تحويل جيش دولة مستقلّة إلى أداة لخدمة مصالح قوى أجنبية، وخرابٌ اقتصادي بسبب الفساد. وبعد عقود، ها هو يرحل تاركاً أبواب الحرب الأهلية مشرعةً، وهو الذي برّر انفراده بالحكم بمقولة: “أنا أو الخراب”.

كاتبٌ وصحافي جزائري مُهتمّ بالشأن السياسي.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!

قصص رائجة

معذرة, لا يوجد محتوي لعرضه!
قصص قريبة