إليزابيث الثانية: جنازة لعالَم لم يمت بالكامل

أثبتت جنازة الملكة أن قيماً كثيرة ما تزال تسكن الناس. لا تزال تسحرهم الهيبة والأسرار، لا يزالون ينصتون للسرديات الكبرى، لا يزالون يمتثلون للقواعد، لا يزالون يعتقدون في الحق الإلهي، لا يزالون متشبّثين بالدولة وبالرموز. في كلمة، لا يزالون يؤمنون.

إليزابيث الثانية: جنازة لعالَم لم يمت بالكامل
من جنازة الملكة (صحيفة لوتون السويسرية)

من أين خرجت كل تلك الطقوس والمراسم والأزياء؟ من أية كوة انفلتت تلك الألوان والترانيم وحكايا التاريخ البريطاني وسلالاته الملكية؟

مع جنازة الملكة إليزابيث الثانية، كما لو أن قرون الحداثة قد حُذفت فجأةً. دار كل شيء بمنطق ألف عام إلى الوراء، فاسترجعنا أزمنة القلاع والتيجان والصولجانات. لا يذكّرنا بحاضرنا سوى أننا نتابع الحدث عبر الشاشات، أو ركبُ السيارات السوداء وهي تُقل الجثمان الملكي بتمهّل.

لقد مرّ على رحيل ملكة بريطانيا أحد عشر يوماً، والحدث محافظ على بريقه. لا شكّ أن الملكة التي جلست طويلاً على العرش قد رتّبت الكثير من فصول تلك الجنازة الملكية، كما حرصت قبل سبعين عاماً أن تقام مراسم تنصيبها كأي ملك من القرون الوسطى. وإلى ذلك أضافت بُعداً جديداً؛ أصبحت هذه الطقوس الضاربة في الدهر مرئية.

كيف نصدّق أن تلك المراسم الألفية قد تحوّلت إلى حدث عالمي ممتدّ في الزمن، بعد أن مرّت على البشرية نزعات أنبياء الفردانية منذ زمن التنوير، ودعوات منظّري الحداثة وما بعدها، ولوثات مجتمعات الاستهلاك.

لطالما سمعنا بنهاية الروابط الأسرية، وكدنا نُقرّ بأن منطق الضوابط قد جرفته القيم الجديدة السائلة، واعتقد بعضهم بنهايات التديّن دون رجعة، وانتفاء هيبة الملوك، فأوقفتنا الملكة عند حدود هذه التكهنات. هي التي كان كل شيء حولها يتحرّك حسب “البروتوكول”، وتؤمن بدورها المقدّس تجاه الربّ والأمّة.

لقد اعتقدنا طويلاً أنّ العالم الذي تؤمن به إليزابيث الثانية سيُدفن معها، ولكنها كأنما أعدّت جنازة لتُربك يقينيات أهل الحداثة. كأنها سخّرت الكاميرات وصحافيي العالم كي ينقلوا للناس كيف يعيش الماضي في الحاضر، بل يضرب بجذوره عميقاً في تربته، يجاوره كبركان يهدّد كل شيء. كيف إذن يكتب المفكرون عن النهايات؟

أثبتت جنازة الملكة الراحلة أنّ قيماً كثيرة ما تزال تسكن الناس. لا تزال تسحرهم الهيبة والأسرار ، لا يزالون ينصتون للسرديات الكبرى، لا يزالون يمتثلون للقواعد، لا يزالون يعتقدون في الحق الإلهي، لا يزالون متشبثين بالدولة وبالرموز الجامعة. في كلمة، لا يزالون يؤمنون.

أين يحدث ذلك؟

في نفس الجزيرة التي كانت أوّل من يسمع صوت المحرّكات وهي تنقل البشرية من أزمنة الخرافات إلى عصر العلم. في نفس الأرض التي جرى فيها تصفية الإقطاع وانبلج فجر الرأسمالية، هناك حيث قُطع رأس الملك وسَكر البعضُ بأحلام الحُكم باسم الشعب ومن خلاله. وهنا بالذات، شاهدنا في خريف 2022 اصطفاف الناس خلف الملكية، وشاهدنا انضباطاً حيال البروتوكولات الرسمية، وشاهدنا بلداً يتوقف لأيام، وشاهدنا القرون الوسطى حية بيننا يستأنس بها الناس وهم في قلب أزمات الاقتصاد والصحة والبيئة.

في جولتها الأخيرة، التي بدأتها يوم الأحد قبل الماضي من “قصر بالمورال” في إسكتلندا، قدّمت إليزابيث الثانية استعراضاً للماضي، وكأنها تشير إلى ملاذ يمكن للبشرية أن تجد فيه بعضاً من الضوء حين يتوغّل الحاضر أكثر في نفق مظلم.

هذه الملكة تعرف دورها جيّداً؛ إنها تحبّ أن تُطمئن الجميع…

كاتب صحافي وباحث من مواليد تونس عام 1983، مقيم في فرنسا. يعمل محرّراً في القسم الثقافي لصحيفة “العربي الجديد”. يُعدّ حالياً أطروحةً في “جامعة لورين” حول تقاطعات الصحافة بالكتابة الإبداعية من خلال منهجيات السيميولوجيا ونظرية الأجناس.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة