“إل ريستاس”… في وداع الضاحك الإسباني

على مدار سنوات، كانت ضحكةُ خوان خويا بورخا، الذي رحل أمس، الأكثَر استخداماً على الإنترنت في معرَض السخرية. يكفي، فقط، إضافةُ ترجمةٍ مختلَقةٍ إلى المقطَع الأصلي حتى يبدو الحوارُ مطابِقاً للقصّة المفبرَكة، أيّاً كان الموضوعُ الذي يُراد التهكُّم منه.

“إل ريستاس”… في وداع الضاحك الإسباني
(خوان خويا بورخا في حفل "جوائز غويا" بمدريد، 2009 – تصوير: كارمن تِللو)

طيلةَ ستِّ سنواتٍ تقريباً، ظلّت ضحكةُ الممثِّل الإسباني خوان خويا بورخا (1956 – 2021) الأشهَرَ على الإطلاق في عالَم الإنترنت، لا يُنافسُها في ذلك سوى ضحكةِ لاعبِ كرة السلّة الصيني ياو مينغ (1980).

التقُطت صورةُ مينغ في 2009، خلال مؤتمَر صحافي جمعَه مع ميتا وورلد بيس (1979)؛ زميلِه في الدوري الأميركي لكرة السلّة للمحترفين، والذي راح يروي حادثةً طريفةً جرت له خلال لَعبه مع فريق “هيوستن روكتس”، بينما دخلَ مينغ في نوبةٍ مِن الضحك. بعدَ سنةٍ مِن ذلك، قام أحدُ مستخدِمي الإنترنت بتحويل الصورةِ إلى رسمة ستتحوَّل ابتداءً مِن ذلك التاريخ إلى أيقونةٍ للسخرية على مواقع التواصُل الاجتماعي.

وعلى عكس ضحكةِ مينغ التي استُخدمت في شكل صورةٍ ثابتةٍ على الرغم مِن توفُّر فيديو للمؤتَمَر الصحافي، انتشرَت ضحكةُ خوان خويا بورخا الهستيرية بالصوتِ والصورة، وباتت الأكثَر استخداماً في معرَض السخرية والتندُّر. يكفي، فقط، إضافةُ ترجمةٍ مختلَقةٍ إلى المقطَع الأصلي حتى يبدو الحوارُ مطابِقاً للقصّة المفبرَكة، أيّاً كان الموضوعُ الذي يُراد التهكُّم منه.

ياو مينغ

(ياو مينغ، “الوجه الضاحك”)

نالت ضحكةُ الممثِّل الإسباني شهرةً واسعةً منذ 2015، مع بدء توظِيف الفيديو كشكلٍ مِن أشكال “الميم”. غيرَ أنَّ الشريطَ يعود إلى سنةِ 2007، حينَ ظهرَ في برنامجٍ تلفزيوني على قناةٍ محلّية مع الصحافي والكاتب الإسباني خيسوس كوينتيرو (1940) الذي سأله، في المقابَلة، عن عددِ الأيام التي عمل فيها خلال حياته، فأجاب ضاحكاً بأنه عملَ لقرابة سبع سنواتٍ أو أكثر قليلاً.

كانَ سؤالُ كوينتيرو التالي هو: “ما أصعبُ عمَلٍ قمتَ به؟”. وهنا، سيروي خوان خويا بورخا، وهو بالكاد يتسطيع إكمال جمله بسبب الضحك، تلك القصّةَ التي ستمنحُه لقب “إل ريستاس”، أي الشخصَ الذي يضحَك بشكلٍ جنوني، والتي ستتحوَّر آلاف المرّات في كلِّ أنحاء العالَم، لتُصبِح تعليقاً على موقفٍ أو شأنٍ سياسي أو رياضي أو اجتماعي أو علمي لا يمتُّ إلى القصّة الأصلية بِصلة. وقد لا يكون التعليقُ المختلَقُ مضحِكاً في حدِّ ذاته، لكنّه يُصبِح كذلك بمجرَّد إرفاقه بحديث بورخا وضحكته التي تكشفُ عن فمٍ يكاد يخلو مِن الأسنان.

ولم تقتصر استخداماتُ الفيديو على هذا الجانب؛ بل كثيراً ما استُخدِم، أيضاً، للترويجِ لمنتجاتٍ تجارية أو السخرية مِن منتجَاتٍ منافِسة.

أمّا القصّةُ الأصلية التي رواها الممثِّلُ الإسباني، فمفادُها أنّه تركَ، خلال عمله غاسلاً للأطباق في أحد المطاعم، عشرين مقلاةً متّسخةً عند شاطئ البحر، لاعتقاده بأنَّ المدَّ سيُغنيه عن عناء غسلها، لكنّه وجد، بعد عودته في الصباح إلى المكان، بأنَّ الأمواجَ جرفتها ولم تترُك سوى مقلاةٍ واحدة.

ولم تكُن تلك المرّةَ الأولى التي يظهر فيها بورخا مع كوينتيرو؛ إذ سبق أنْ استضافه في برنامج بعنوان “El vagabundo” (الهائِم) على قناة “الأندلس” الثانية عام 2000، قبل أنْ يُشرِكه كضيفٍ قارّ في برنامجه “الفئران الملوَّنة” الذي انتقَل بين عددٍ مِن القنوات التلفزيونية الإسبانية بين 2002 و2012.

رنامج الفئران الملوّنة

(ملصق برنامج “الفئران الملوّنة”)

أتاح له ذلك الظهورُ المشارَكةَ في بعض البرامج التلفزيونية، قبل أن يظهر عام 2005 في دورٍ صغيرٍ في فيلم “إل بروتكتور” للمخرج الإسباني سانتياغو سيغورا. كان ذلك أوّل وآخر تجاربه السينمائية؛ إذ سيُقرِّر، لاحقاً، الابتعادَ عن أضواء الكاميرات والاكتفاء بتقديم المونولوغات والنكت في الأماكن العامّة.

ومع أنَّ الفيديو انتشر على نطاقٍ واسعٍ ابتداءً مِن عام 2015، فإنّه رُفع على موقع “يوتيوب” قبل ثماني سنواتٍ مِن ذلك؛ وتحديداً في يونيو/ حزيران 2007. وقد حقَّق أكثر مِن مليون مشاهَدة خلال تلك الفترة. وبدأت تلك الانتقالةُ حين نشره منتدى فرنسي خاصُّ بألعاب الفيديو مرفَقاً بتعليقاتٍ في شكل ترجمةٍ خارج سياقه الأصلي، لينتشِر في الشبكة العنكبوتية على نطاق واسع.

توارى خوان خويا بورخا عن الأضواء لفترةٍ قبل أن يظهر نهايةَ العام الماضي في فيديو مسجَّل وعد فيه بزيارة فرنسا لتقديم الشُّكر لأعضاء المنتدى، ليس لأنهم جعلوا منه واحداً مِن أكثر الأشخاص شهرةً في عالَم الإنترنت، بل لأنّهم تذكّروه بعد إصابته بمرضٍ في الأوعية الدموية أدّى إلى بتر ساقه في سبتمبر/ أيلول الماضي، وأطلقوا حملةَ تبرّعاتٍ لمساعدته. تمكّنت الحملةُ مِن جمعِ أربعة عشر ألف يورو وشراء كرسيٍّ كهربائي متحرِّك له. لكنَّ الضاحك الإسباني لن يتمكَّن مِن تحقيق وعده؛ إذ رحلَ أمس الأربعاء في أحد مستشفيات مدينة إشبيلية التي أبصر فيها النور قبل خمسةٍ وستّين عاماً.

كاتبٌ مِن مواليد الجزائر عام 1995، يكتب القصّة القصيرة ويهتمُّ بالثقافة وبقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، يُقيم في فرنسا حيث يتابع دراسته في علوم الكمبيوتر وتقنية المعلومات.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة