“الأب”… أنتوني هوبكنز يُطلّ من ذاكرة مضطربة

في هذا الفيلم الروائيِّ الطويل يتقمَّص الممثّل البريطاني شخصيةً رُسمت خصّيصاً له. وما يُميّز أداءه هنا هو تقديمُه دوراً مركَّباً يتجاوَز استعطاف المُشاهِد إلى إدخاله في التقلُّبات الحادّة التي يعيشها أبٌ يُعاني من الخرف.

محمود أبو بكر - القاهرة
“الأب”… أنتوني هوبكنز يُطلّ من ذاكرة مضطربة
(مِن الفيلم)

كانت مغامرةً عندما قرَّر المسرحيُّ الفرنسي فلوريان زيلر (1979) خوضَ تجربة الإخراج السينمائي لأوّل مرّة؛ فبينَ الفنَّين الرابع والسابع مساحاتٌ شاسعة مِن الاختلاف واحتمالاتٌ كبيرةٌ للفشل، خصوصاً إذا كان النصُّ الذي سيُحوَّل إلى سيناريو فيلمٍ سينمائيّ مسرحيةً ناجحة نال عنها “جائزة موليير” عامَ 2012.

استعان زيلر بالمُخرج والسيناريست البريطاني كريستوفر هامبتون (1946) لكتابة سيناريو فيلمٍ يحمل عنوان المسرحية نفسِه؛ “الأب” (The Father). ومنذ البداية، كان الاختيارُ مُحدَّداً في الممثّل البريطاني أنتوني هوبكنز (1937) لتجسيد الشخصية الرئيسية، حتى أنّهُما اختارا لها اسم أنتوني.

عُرِض الفيلمُ الروائيُّ الطويل لأوَّل مرّةٍ في “مهرجان صندانس السينمائي” بمدينة يوتا الأميركية في يناير/ كانون الأوّل 2020. ومؤخَّراً، اختاره “مهرجان القاهرة السينمائي الدولي” لافتتاح دورته الثانية والأربعين، والتي أُقيمَت في ديسمبر/ كانون الأوّل الماضي.

في ساعةٍ وسبعٍ وثلاثين دقيقة، يروي العملُ قصّةَ امرأةٍ (أوليفيا كولمان) تُحاول مجاراة تقلُّبات أبيها الذي يعيشُ مرحلةً متقدّمةً من الخرف، لكنَّه في الوقت نفسه يعتدُّ بنفسه كثيراً، ما يجعلُها تُكابِد لتوفير العناية الضرورية لوضْعه مِن جهة، ومُسايَرةِ عناده مِن جهةٍ ثانية، وهو عنادٌ يبدو في كثيرٍ منه مفتعَلاً كتحدٍّ للشيخوخة والخرف.

يُتابِع المُشاهِدُ القصّةَ عبر ذاكرة الأب وهُو يُحاوِل فرزَ الحقيقيِّ من المتوهَّم

تدور أحداثُ الشريطِ في فضاءٍ بسيط ومتقشّفٍ للغاية، لا يكادُ يتجاوَزُ جُدران الغرفة التي يعيشُ فيها الأبُ وابنتُه وزوجُها (روفوس سيويل). فقط في مرّاتٍ قليلةٍ تخرُج الكاميرا إلى فضاءاتٍ أُخرى لتكسِر رتابة المكان الواحد.

ينسحب هذا التقشُّف على عدد الممثّلين أيضاً، والذين يلتقون في حواراتٍ ثنائيةٍ غالباً، بينما يبدو أداؤُهُم أقربَ إلى المسرح، مِن دون أن يُخلَّ ذلك بالروح السينمائية للفيلم.

تجري الأحداثُ في زمنٍ دائري تبدو فيه البداياتُ مماثلةً للنهايات. تتكرَّرُ المَشاهدُ مراراً، فيُتابِع المُشاهِدُ القصّةَ من خلال عينَي الأبِ وذاكرته، وهُو يُحاوِل استيعابَ اللحظة الراهنة وفرزَ الحقيقيِّ من المتخيَّل. لا تبقى مِن حيلٍ أمامه للحفاظ على ارتباطه بزمنه الواقعي سوى ساعته التي يتّخذُها بوصلةً لضبط حبل ذاكرته المهترئ.

هل الإنسان سوى الذاكرة؟

تنطلقُ قصّة الفيلم الرئيسية من سؤالِ “الثقة في الذاكرة”. يميلُ الشخصُ المصاب بالخرف إلى إنكارِ وضْعه، ولعلَّ هذا ما يُفسِّرُ الثقةَ التي يُبديها في ذاكرته، والإصرارَ على إظهار تلك الثقة أمام مُحيطه. ينطبق ذلك على أنتوني الذي يُحاوِل فرض مزاجِه وتصوُّراتِه بما يُحقّق له رضىً تامّاً عن ذاكرته المضطربة والتائهة بين مُتوهَّمٍ يُلقي بسطوته عليه وواقعيّ يستعصي عن إدراكه.

تبدأ الحكاية بشكلٍ اعتيادي وبسيط: امرأةٌ تسعى لرعاية أبيها العجوز الذي يبدو متّزناً وغيرَ متجاوِبٍ مع سعي ابنته الذي يرى فيه قلَقاً مبالَغاً فيه. لكنَّ نقلاتٍ درامية خاطفة ستضعنا أمام الحالة، عندما يخرج أنتوني مِن المطبخ بعد إعداده كوب شاي ليتعثَّر برجلٍ غريب يجلس في شقّته. يُخبره الرجُل أنه زوج ابنته آن منذ سنوات، وأنهما يعيشان معه في شقّتها الخاصة بغرض رعايته، وأنَّ ابنته ليست مرتبطةً بشخص آخر في باريس.

هنا تنقلب الحكايةُ رأساً على عقب، ليأخُذ الفيلم مساراً مختلفاً تتعدَّدُ فيه الاحتمالاتُ وتتعدّدُ بشكلٍ يضعُ المُشاهِد في حيرةٍ من أمره، ليكتشف أنّه يُتابعِ الأحداث مِن داخل ذاكرة مشوَّشة، ليست سوى ذاكرة أنطوني نفسِه، في تداعيها العاصف بين الماضي والحاضر.

ينخرط المُشاهِد في هذا التتابُع الذهني والحركي، تنفتح أمامه الأسئلة المتلاحقة، يكابد مشقَّة الفرز بين الحقيقي والمتخيَّل في المَشاهِد المتتابعة التي تتداخل فيها الشخصيات والمواقف بصورة يبدو فيها كلُّ مشهدٍ منفصلاً عن الآخر، بينما يبقى الخيط الرفيع محافظاً على وتيرة السرد.

بحِرفيةٍ عالية، يتقمَّص أنتوني هوبكنز شخصيةَ الأب التي رُسمت خصّيصاً له؛ شخصيةٌ منفصلةٌ عن مُحيطها تتقلّب بين القوّة والضعف والمرح والأنانية. وما يُميّز أداءه هنا هو تقديمُه دوراً مركَّباً يتجاوَز استعطاف المُشاهِد إلى إدخاله في التقلُّبات الحادّة التي يعيشُها عجوزٌ معتَدٌّ بنفسه، ولا يولي اهتماماً لأيٍّ من المحيطين به، يرفُض التجاوُب مع محاولات ابنته لتوفير سُبُل الراحة له، يحتدُّ ويصرخُ غاضباً، ثُمَّ يركُن إلى الصمت ويبكي بحُرقةٍ حين يتلقّى صفعةً من زوج ابنته.

مشهدٌ مِن خارج الفيلم

ثمة أفلامٌ يخرُج المُشاهِد منها بحالةٍ تتجاوز النظر إليها كأعمالٍ فنّية تخلق متعةً ما، لتُعيد تشكيل رؤاه وتصوُّراته عن الحياة بشكلٍ عام، وعن حالات إنسانية بعينِها. ولا شكَّ أنَّ فيلم “الأب” هو واحدٌ مِن تلك الأفلام.

لقد كان لافتاً، ونحن نغادر الفضاء المفتوح الذي عُرض فيه الفيلم بـ “دار الأوبرا المصرية” في القاهرة، مشهد سيّدةٍ مصرية تبكي بحرقة بينما كانت صديقتُها تُحاول مواساتها. بدا المشهد كأنّه تتمّة للعرض. بصوتٍ تغالبه الدموع، قالت السيّدة إنَّ الفيلم جعلها تسترجعُ والدَها في سنواته الأخيرة، وأنها لأوّل مرّة عاشت التجربة بذاكرته ورأت الدنيا بعَينيه، وقد كانت قبل ذلك تنظُر إليها مِن الخارج.

وفي الصحافة المصرية، كُتبَ عن السيّدة أكثر ممّا كُتب عن الفيلم… ربما لأنَّ المشهد مثالٌ عن المدى الذي يُمكن أن تبلغه الأفلام في الغوص عميقاً في دواخلنا، وإعادة تشكيل وجداننا ورؤيتنا إلى الحياة.

كاتب وصحافي إريتري مُقيم بالقاهرة، مهتم بالشأنين الثقافي والفني. عمل في الصحافة الجزائرية والعربية لأكثر من 15 عاماً. صدر له كتابان: “مرايا الصوت”، و”السادسة بتوقيت التحرير – يوميات الثورة”.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة