“البوب في جنوب آسيا”: الفنّ الشعبي لنقد الرأسمالية المحلّية

فنّانون من أفغانستان وبنغلاديش والهند ونيبال وباكستان وسريلانكا تتناول أعمالُهم المعروضة حالياً في "مؤسّسة الشارقة للفنون"، قضايا شائكة ترتبط بالهوية والجندرية والانتماء والذاتية.

“البوب في جنوب آسيا”: الفنّ الشعبي لنقد الرأسمالية المحلّية
"اللاحتمية" لـ فيفان سندارام، زيت على قماش، 120 × 90 سم (1967)

في معرضها الاستقصائي لأكثر من 100 قطعة فنّية أنجزها 44 فنَّاناً من جنوب آسيا وبلدان الشتات، تُقدّم “مؤسَّسة الشارقة للفنون”، لزوّار أروقتها في “ساحة المريجة”، بالتعاون مع “متحف كيران نادار للفنون” في نيودلهي، حواراً متعدِّد الأجيال لفنّ البوب في جنوب آسيا، يستكشف ثيمات الفنّ الشعبي لأعمال تمتدّ من منتصف القرن العشرين وحتّى الوقت الحاضر.

تُقارب الأعمال الفنّية الحديثة والمعاصرة، في معرض “البوب في جنوب آسيا: استكشافات في الفن الشعبي”، المتواصل حتى الحادي عشر من ديسمبر/ كانون الأوّل المقبل، قضايا معقَّدة ترتبط بالهوية والجندرية والانتماء والذاتية، وتتناول مصاعب الحياة اليومية للفرد والمجتمع، عبر جماليات الوسائط الطباعية والسينمائية والرقمية التي تختزل مساحة واسعة من ثقافة السخرية والتندّر، في تماهٍ مع الممارسات السائدة؛ من عبادات وحِرف يدوية وفلكلور، وتعاطٍ ناقد لأشكال الرأسمالية المحلّية التي تتراوح بين الصناعات العملاقة والبازارت والأسواق الشعبية، كما لا تغفل التعليقاتُ الساخرة المُصاحبة للأعمال قضايا السياسة والحدود.

 

سردياتٌ مشتركة

اللوحات والكولاجات والتركيبات والمنحوتات متعدِّدة الوسائط المعروضة، تُوسِّع نطاق المفاهيم التقليدية لفنّ البوب في جنوب آسيا بعيداً عن السياقات الغربية، خصوصاً تلك المتعلّقة بالثقافة الاستهلاكية والدعاية الإعلامية. وهي أعمالٌ تقترح رحلةً استكشافية ساخرة ومؤثّرة، يقدِّم من خلالها الفنّانون المشاركون نظرتهم إلى تاريخ كامل من التقلّبات المجتمعية، والانتقالات الجوهرية السريعة والعنيفة في هذه المنطقة التي تحتضن ربع سكان العالم. فالازدواجية التي فرضتها أنماط الرأسمالية والحداثة في مقابل كلّ ما هو شعبي ومحلّي؛ واقتصارُ الدراسات النظرية التحليلية لفنّ البوب على الأطر الرسمية؛ يجعل من الأعمال المعروضة، رغم اختلاف الأجيال، تتميّز بحيوية وجاذبية، وتُقدّم في الوقت ذاته سرديات مشتركة، باعتبار أنّ سابقاتها عُرضت في نطاق ضيّق وصغير.

في هذا السياق، يوضح قيّم المعرض، المؤرّخ الفنّي والفنّان افتخار دادي أنّ “المعرض الحالي يتميّز باتساع نطاقه مقارنةً مع ما سبقه من معارض، ويقارب الأوجه المختلفة للتطوّرات الاجتماعية والثقافة الشعبية التي تتدفَّق عبر الحدود، سواء على شكل صور الميديا، أو مقاطع موسيقية، أو أفلام سينمائية؛ في تحدٍّ واضح للعوائق التي تفرضها الحدود على حرية الحركة والتنقل“.

ويضيف: “هذا المشروع لا يدّعي تبنّي الدور المتفرّد أو الاستثنائي لمنطقة جنوب آسيا، ولكنه يسعى إلى رصد تطوّراتها في مجال فنّ البوب، أملاً في التمهيد لحوار مقارن وواسع مع ممارسي ودارسي هذا الفنّ في العالم العربي وأفريقيا ومناطق أُخرى من الجنوب العالمي“.

 

الفضاء الشعبي والدعاية الرأسمالية

ينحدر الفنّانون المشاركون من مناطق متعدّدة في أفغانستان وبنغلاديش والهند ونيبال وباكستان وسريلانكا، ودول الشتات. ويؤكّد المعرض قوَّة ممارساتهم الفنّية، سواء من الناحية الشكلية المستقلّة، أو في تعاملهم مع تعقيدات الفضاء “الشعبي” في جنوب آسيا. فمجتمعات ما بعد الاستعمار تشهد في غالبيتها “غياب” المتاحف والغاليريات والنقّاد والدوريات الفنّية ومقتَنِيّي الأعمال. لكن هذا لم يمنع وجود أعمال للفنّ الحديث والمعاصر تتشابك مع القضايا الشائكة والجدلية التي تواجه مآزق الفرد والمجتمع، والاختلافات التاريخية للمجموعات الدينية والسياسية وقوى التعصّب والإقصاء.

كما أنَّ الميديا في جنوب آسيا عرَّجت خلال القرن ونصف القرن الماضيَين على “المخيّلة الشعبية”، فنشأت أشكالٌ تعبيرية خرجت من عباءة الدولة وأفرزت أحاسيسَ جديدة للمحلّية والانتماء. من ذلك بروز الطباعة الملوَّنة، وظهور السينما في أوائل القرن العشرين، وصولاً إلى أشرطة الكاسيت في التسعينيات، وثورة وسائل الإعلام الرقمية التي نشهدها اليوم، وهو ما جعل الجماهير في هذه المنطقة عرضة للتضليل والدعاية الرأسمالية وبروباغندا السلطة في ظلّ الاختلافات اللغوية والطائفية والأجناس والطبقات الاجتماعية.

لبنى شودري

“أزمنة محدَّدة”، لبنى شودري، خزف، 95 × 48 سم (2011)

يمكن القول إنّ الفنّانين تورّطوا خيالياً مع كلّ هذه النماذج المتناقضة للحياة “غير الرسمية”، وما يفرضه الفضاء العام من أنماط تجارية رأسمالية، يجسّدها مفهوم “البازار” كفضاء يتجاوز مجرّد التبادل التجاري إلى ما هو أعمق في علاقات الجماعات والأفراد ضمن نطاق الثقافة المحلّية. وهو ما أتاح للممارسين الفنيّين المجال لتبنّي جماليات نجمت عن الحِرف والتكنولوجيا والتمدّن وتداوُل السلع والتدفّق الإعلامي؛ برؤية مغايرة تتّسم بالسخرية وحسّ الفكاهة.

 

قوَّة محرِّرة

في عرضها الكرونولوجي لتطوُّر فن البوب في الهند (باعتبار البلد شبه قارّة)، تقول المؤرّخة الفنّية وقيّمة المعرض، روبينا كارود، إنّ “المشاهد الحسّية للمدن الهندية مثل لافتات الشوارع واللوحات الإشهارية والإعلانات المطبوعة والصور الموجودة في الصحف وملصقات الأفلام؛ أصبحت ضيفاً دائماً في أعمال الفنّانين، على شكل نماذج استقصائية تخوض في ظروف المُعاش والشعبي. حيث راقب الفنّانون والشعراء من أمثال آرون كولاتكار وبوبين كاكار حياةَ الشوارع التي اعتُبرت مبتذلة ومتدنّية؛ بعين فاحصة راوية. فتكرّرت موتيفات معيَّنة في أعمالهم مثل الأزقّة وزوايا الشوارع والأرصفة، وهنا تحضر عبارة (رُميَ على قارعة الطريق)، والتي تشير إلى فقدان المكانة الاجتماعية جرّاء الظروف القاهرة. كما برزت محلَّات الأحياء الفقيرة في تلك الأعمال، مثل محلَّات الحلاقة، ومتاجر إصلاح الساعات، وأكشاك الشاي المزيَّنة بملصقات رخيصة لنجمات السينما أو سجّادات أرضية بعبارة: حظّاً طيّباً“.

لا شكّ، هنا، أنّ فنّ البوب في ارتباطه بالطبقات الشعبية ومعيشها اليومي، يُعتبر قوّة محرِّرة من إحساس الدونية المتجذّر في النفس الهندية، جرّاء تكريس الذوق الفكتوري المصاحب للحكّام المستعمِرين لعقود طويلة؛ حيث عمد الفنّانون إلى التقاط عناصر “الواقع المتغيّر” عن طريق اعتناق هذا الواقع من جميع جوانب الحياة الممكنة.

وعن المشروع الذي تطوَّر على مدار سنوات عديدة، قالت حُور القاسمي رئيس “مؤسّسة الشارقة للفنون” إنّ “معرض الخريف لهذا العام يأتي دعماً لمختلف السياقات السردية حول الفن العالمي، بما يتخطَّى الإرث الفكري لنظريات المعرفة الغربية، ويواجه القوى المزدوجة للاستعمار والرأسمالية، ترسيخاً لرسالة المؤسَّسة الرامية إلى إنشاء منصّات نوعية تحتضن الفنّانين والممارسين من أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية في الجنوب العالمي“.

شاعر وصحافي جزائري، من مواليد 1979. بالإضافة إلى الكتابة الصحافية والمتابعات الأدبية والفنّية عبر عدد من الجرائد والمجلّات الثقافية الجزائرية والعربية، يشتغل بين الإذاعة والنشر والتحرير منذ 2007. صدرت له أربع مجموعات شعرية، تُرجمت آخرها إلى الإيطالية.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة