الحيرة الأوكرانية
لم يأخذ الشعب الأوكراني الرهانات الجيوسياسية حول بلاده على محمل الجد. كانت المسألة مجرّد بحث عن الحريات، ودفع للوصاية الروسية الثقيلة، ولم يطرح الأمر باعتباره إمكانية نقل البلاد من وصاية إلى أخرى.
بتنا نعرف مآلات الحيرة الأوكرانية بين روسيا وأوروبا. ففي فبراير الماضي، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن بدء عملية عسكرية في أوكرانيا. إنها الحرب التي بدأت في الحقيقة منذ أعوام. بدأت ربما مع نهاية فصل سابق من الصراع، بضم شبه جزيرة القرم إلى الفيدرالية الروسية (2014)، لينفتح مسرح جديد للصراع منذ ذلك الوقت هو الشرق الأوكراني.
لقرابة عقد من الزمن، تعفّن الجرح الأوكراني حتى تمخّض عن حرب جديدة. يرى البعض أنها نتيجة الأطماع الروسية في أوكرانيا، ويرى البعض الآخر أنها فصل جديد من فصول الحرب الباردة، وإنشاب جديد للأظافر الأمريكية في لحم الدب الروسي المترهّل. كل ذلك صائب إلى حد ما، والأسباب متشابكة أيضاً، ولكن يحدث أيضاً أن تدعو الشعوب غزاتها، وذلك ما سميّته بـ”الحيرة الأوكرانية”.
لم تعرف أوكرانيا، بحكم روابط الجغرافيا واللغة (وتقريباً كل شيء)، كيف تخرج عن المدار الروسي، هي التي كانت قطعة أساسية في جلد الاتحاد السوفييتي، وكانت من أوائل البلاد التي انتهزت فرصة تداعيه للسقوط كي تبدأ في ترتيب استقلالها.
هربت أوكرانيا من خيوط لعبة الدمى الروسية فإذا بها أصبحت دمية في يد الغرب.
منذ ذلك الحين، بدأت أوكرانيا في البحث عن تقارب مع الغرب، ربما ليحيمها من الجار الروسي إذا شفي من جراحه واستعاد شهيته التوسعية. لكن شروط استقلال أوكرانيا كانت هي أول حجر في جدار التضييق على هذا التوجّه، ولم تكن روسيا لتسمح بتمدد الاتحاد الأوروبي حتى حدودها المباشرة، ولا أن تدخل أوكرانيا الناتو فيصبح ترابها محرّماً دون أي تدخّل محتمل. لكن تلك السيناريوهات الكابوسية لمنظري الأمن القومي الروسي هي ذاتُ ما يفكّر فيه قادة الحلف الأطلسي.
على الأرض، لم يأخذ الشعب الأوكراني الرهانات الجيوسياسية حول بلاده على محمل الجد. كانت المسألة مجرّد بحث عن الحريات، ودفع للوصاية الروسية الثقيلة، ولم يطرح الأمر باعتباره إمكانية نقل البلاد من وصاية إلى أخرى. من الواضح أن شريحة واسعة من الأجيال الجديدة في أوكرانيا لم تر الأمر سوى بمنظور مبسّط، ولعلها اعتقدت أن ذهاب أوكرانيا غرباً – حيث الحريات الشخصية والجماعية أوسع – يشبه النموذج الشرق ألماني، لكن هيهات أن يتكرر سيناريو نهاية القرن العشرين.. سواء كمهزلة أو كمأساة، والمفارقة أن حاضر أوكرانيا هو في ذات الوقت مهزلة ومأساة.
مهزلة من زاوية أن من سيمثّل هذا الطموح الشعبي للتحرر من الوصاية الروسية هو ممثل كوميدي سبق وأن جسّد دور مدرّس تاريخ يصبح فجأة رئيساً للجمهورية. أما وجه المأساة فهو ما نراه من مشاهد لجوء الأوكرانيين إلى بلدان الجوار وكيف يشاهدون تدمير مدنهم واحدة تلو الأخرى يومياً.
لم تكن الرغبات المتناقضة بين توجّه مبالغ لتنفيذ السيناريوهات الغربية، وبين عقلانية تحوّل ممثلوها إلى دمى في يد روسيا، لتؤدّي إلى مكان آخر غير ذلك الذي وصلت إليه أوكرانيا: حالة من التمزّق الشعبي لا يمكن بعدها أن يكون للدولة عقل تفكّر به، أو روح تجمع بها مواطنيها، أو يد تضرب بها المعتدين. لم يبق من أوكرانيا سوى تلك التغذية الغربية المضادة للهجوم الروسي. هربت من خيوط لعبة الدمى الروسية فإذا بها أصبحت دمية في يد الغرب.
لكن، هل كان من الممكن وقف المصير الأوكراني؟ حين تسكن الحيرة الشعوب، كيف يمكنها أن توقف عملية السير الجماعي نحو الهاوية؟ أسئلة تنهض فتشير إلى مجتمعات عربية كثيرة مخترقة بشروخ طائفية وأيديولوجية عميقة.ولكن ألسنا منذ عقود طويلة نعيش السيناريو الأوكراني؟ ألم يكن قيام إسرائيل منذ نهاية أربعينيات القرن الماضي نتيجة للتمزّق العربي؟ وماذا عن قيام الجماعات المتطرفة التي أمعنت في تقتيل الناس منذ عقود؟ وماذا عن أنظمة لا تسير إلا عكس إرادة شعوبها؟ أليس كل ذلك من علامات الحيرة العربية؟ ها نحن نعرف جيداً أن الحيرة مدعاة لتدمير الأوطان…
أستاذ متقاعد. يهتم بالتاريخ والعلوم الجيوسياسية خصوصاً، وينفتح على جميع المعارف والأشكال التعبيرية لتغذية كتابة تستطيع أن تواجه العالم بالفهم المناسب.