الشرايين المفتوحة للعالم العربي
(تونس العاصمة في مشهد من طائرة مُقلعة من "مطار قرطاج الدولي")

الشرايين المفتوحة للعالم العربي

ألم يقل غاليانو إنّ "التقسيم العالمي للعمل يتلخّص في أنّ بعض الدول تختصّ بالفوز وأُخرى تختص بالخسارة"؟ أحد وجوه هذا التقسيم أنّ بلداناً تفوز بالذكاء والموهبة، وأُخرى لا يبقى لها غير الاعتباطية وقلّة الكفاءة، وبذلك تؤبّد موقعها في الجزء الخاسر من الكوكب.

منذ أن تعرّفتُ إلى كتاب “الشرايين المفتوحة في أمريكا اللاتينية” لإدواردو غاليانو (صدر أوّل مرّة عام 1971)، والعنوانُ يَرد في خاطري بصيغة أُخرى: “الشرايين المفتوحة للعالم العربي”.

كيف لم يُكتب هذا النصّ في ثقافتنا بالذات؟ ونحنُ فضاء النهب الأقرب من المركزية الرأسمالية، منذ القرن التاسع عشر، لا فقط نهبَ الثروات الطبيعية والأثرية في مختلف البلدان العربية، فذلك هو الجانب المرئي من الحكاية، بل التفريط في الإنسان أيضاً… في اللحم الحيّ للشعوب.

لا نزال نذكر مشهد آلاف السوريّين الذين يقطعون الأميال فوق الخارطة الأوروبية على أقدامهم، ونذكر أيضاً مشهد قاطعي البحر المتوسّط في قوارب تنطلق من تونس وليبيا والجزائر والمغرب. ليس عن هذه المشاهد المؤلمة سأتحدّث، بل عن الشكل الناعم من المغادرة؛ آلاف تذاكر السفر تُقطع سنوياً في اتجاه واحد؛ مهندسون، أطباّء، كُتّاب، باحثون في العلوم الإنسانية…. إنه الشكل القانوني للهجرة، الأقلّ حدّة وقسوة، لكنّه الشريان الأكثر تدفّقاً نحو الخارج.

تدفُّقٌ يُخبرنا بأنّ المنطقة العربية باتت بيئة طاردة بامتياز. لا يحتاج الأمر إلى عدسة مكبّرة كي يكون مرئياً أو نتبيّن ضخامته، لكن المفارقة أنّ هذا الشكل بالذات مسكوت عنه، ابتداءً من الخطاب السياسي إلى التعبيرات الفنية. ذلك أنّ الاعتراف بأنّ بلداً يمثّل بيئة طاردة لأبنائه يعني أنّ كلّ المنطق الذي بُني عليه فاسدٌ.

وماهو مسكوت عنه عربياً ليس كذلك في الغرب. ها أننا نلتقط من أحداث الحملات الرئاسية الفرنسية شيئاً من ذلك، ونحن نسمَع المرشّح اليميني إيريك زمور يُعلن رفضه لاستقدام مزيد من الأطباء الأجانب (أكثر من ألفٍ جرى قبولهم مؤخراً)، خصوصاً من الجزائر، ومن ثمّ أطلق وعداً بأن يقطع هذا التدفّق في حال وصل للحكم. ينبع هذا الطرح من منظور عنصريّ، لكن زيمور يبرّره بـ”حقيقةٍ” تتمثّل في أن “الجزائر تحتاج أطباءها أكثر من فرنسا”.

هكذا فالمسألة التي تثار “هناك” تظل “هنا” أقرب إلى مقولة مكبوتة أو إنكار، يمكن أن يُقرأ بوصفه “مباركةً” من الأنظمة العربية لهذا الوضع حيثُ تجد فيه منافع لا تتطابق بالتأكيد مع منافع مجتمعاتها، أو هو فشل من النخب الحاكمة في الوعي بخطورة المسألة، ومن منظور أشمل هو فشل تواصليّ عميق مع الشعوب.

ليس من الصعب أن نرى الدولَ العربية أجهزةً تواصليّة فاشلة، بمعنى أنها لم تعد قادرة على تحريك البشر. لم تعد كلُّ تلك الأنظمة قادرة على بناء سردية جديدة، حكاية جميلة ترويها للناس كي يحلموا ويُقبلوا على العمل. وداخل الفجوة التي يُحدثها هذا العجز – وأسبابه ضاربة في كلّ شيء من الحوكمة الفاشلة إلى هشاشة القانون – يبقى للناس أن يحلموا بمفردهم، بمكان آخر، وربما بهوية أُخرى تماماً.

المغادرون هُم في الغالب شبابٌ، في منتصف العشرينات من العمر غالباً، تتحوّل مؤهّلاتهم العلمية أو الفنّية إلى تأشيرات دخول نحو أوروبا وشمال أميركا. كي نتبّين الأمر، لنخترع شخصية نموذجية: شاب حصّل شهادته الجامعية بعد تفان، ثم سرعان ما تضيق البلاد – منذ تخرّجه – بطموحاته، المادية منها والمعنوية. وحين يصل إلى برلين أو باريس، سيبدأ مباشرةً في ترتيب إقامة نهائية، بل سيسدّ عليه أقرب الناسُ إليه طريقَ العودة، فهُم يعرفون بأنّ مكانه لم يعد في البلد الأم.

الاعتراف بأنّ بلداً يمثّل بيئة طاردة لأبنائه يعني أنّ كلّ المنطق الذي بُني عليه فاسد

ليس نادراً أن يكون هذا الشاب هو الأوّل في دفعته في قسم الرياضيات أو التاريخ أو المحاسبة. تلك الكفاءة المتوقّعة التي رعتها المدرسة العمومية لسنوات، والمجتمع بأسره، تُقدَّم هدية مجّانية إلى بلدان أُخرى، وبالتدريج تتحوّل إلى وقود ذهني لتحريك آلة اقتصاديات أُخرى، فيها تُواصِل آلة الاقتصاد الوطني في التراجُع أو الدوران من دون عقل.

لعلّها صورة مأساوية، لكن أيّ بديل لهذه القسمة؟ البديل أقسى وأمر، وهو أن يُدفع بنفس الشاب إلى معاندة النسق الروتيني للماكينات المحلّية فتذوّبه في حامض معدتها بلا رحمة.

مثل هذه المصائر باتت حاضرةً في الأذهان بشكل مبكّر، والتصدّي للتحصيل كثيراً ما يكون من منطلق توفير فرص “النجاة من الوطن”. باتت الهجرة أقرب إلى هروب من “الإخصاء”، فقد تحوّل الشمال إلى أرض الممكنات، في اللاوعي الجمعي، وأصبحت المنطقة العربية أرض المستحيلات، فهل من المنطقي التخيير بين هذا وذاك؟

هذا الميكانيزم بات يعمل بمفرده، تُحرّكه طاقةٌ نفسية داخل الأفراد، وفّر لها سوءُ إدارة الحياة في البلدان العربية كلَّ الظروف كي تشتغل بأعلى نسق. ثمّ إن الجميع يعلم أنّ هذه الدول معتادة على ثقافة التبديد والإهدار (الوقت، الموارد الطبيعية، الكفاءات…)، ولن يعنيها عدم الاستفادة من كفاءة أو موهبة.

ألم يقل غاليانو إنّ “التقسيم العالمي للعمل يتلخّص في أنّ بعض الدول تختصّ بالفوز وأُخرى تختص بالخسارة”؟ ما نتناوله هو أحد وجوه هذا التقسيم، هناك بلدان تفوز بالذكاء والموهبة، وأُخرى لا يبقى لها غير الاعتباطية وقلّة الكفاءة، وبذلك تؤبّد موقعها في الجزء الخاسر من الكوكب.

ربّما يحاول البعض معاندة هذا التقسيم، فيُقرّر أحدُهم – أحد الذين تتوفّر فيهم كلّ شروط النجاح في الغرب – أن يواصل المغامرة في تونس أو مصر أو المغرب. في معظم الأحيان، لن يتمكّن هذا الشاب من إعداد بحث على الوجه المطلوب، بمكتبات مفقّرة وبيئة بحثية محكومة بالنميمة. لا يمكن للباحث الشاب أن يتقدّم وهو يهاب الوصول إلى بعض النتائج التي قد لا يحبّ أحدٌ سماعها، أو تؤذي نرجسية التراتبية الأكاديمية، ناهيك عن عدم حمايته من سرقة جهوده العلمية.

لا رغبة في الإفادة من الكفاءات المهاجرة، لأنّها تعني تثوير كل البُنية الإدارية والاجتماعية

بهذا الوضع، يكون هذا الباحث قد وضع نفسه فوق مسار التقهقر، وهو يُهدر معظم طاقته في مغالبة الظروف، في حين أنّ زميله – الذي غادر – قد وضع نفس الجهد في مغالبة إشكالية معرفية.

إصلاحُ هذا الواقع في معظم البلدان العربية لا يبدو ممكن التحقيق قريباً؛ إذ يحتاج تطويرُ المكتبة التي يزورها ذلك الباحث تأهيلَ بلدٍ برمّته، يحتاج دولةً يثق فيها الناس وفي من يشرفون عليها، أيْ حُكماً رشيداً قائماً على احترام المؤسّسات والقانون، ذلك ما يمنح الدول الأريحية لكي تجعلَ الحريات متاحة، وتلك هي التربة التي يمكن أن تُزرع فيها لاحقاً معارف وعلوم ذات جدوى.

كيف تُبنى الأوطان بعد الدخول في دورة الخسارة هذه؟ كيف تُبنى بشرايين مفتوحة؟ ربما ينبغي التفكير في بناء علاقات جديدة مع حلم المغادرة. هناك ضوء يلمع باستمرار، فهذه البلدان لا تزال تنتج الذكاءَ، وإهدارُه لا ينزع منها القدرة على الولادة والخصوبة.

يبدأ تطوير تفكير باتجاه الحلول بالتعرّف على الواقع، وعلى موقعنا من المنظومة الكبرى. لعلنا اليوم قد تحوّلنا إلى مزرعة للكائنات القابلة للاستثمار في مكان آخر. ما العيب في ذلك؟ هل عابنا أن نكون مزرعة للزياتين والتمور من قبل؟

الاستثمار في الأحلام بالمغادرة خير من الاستثمار في الروتين. لعلّه موطئ قدم لدخول دورة الفائدة، دورة الرابحين بشكل ما أو الأقل خسارةً. السؤال الآن: كيف نستطيع أن نستفيد من أبنائنا الذين يطوّرون مؤهّلاتهم ومواهبهم في الجامعات والشركات الأوروبية والأميركية، كما في تجارب الفن والسياسة والفكر؟ سؤال هو الآخر متروك في الظل، لأنّ الاستفادة من هؤلاء تعني تثوير كل البُنية الإدارية والاجتماعية… يالها من دائرة مفتوحة!

كي تعمل دورةٌ دموية بالشكل المطلوب ينبغي أن تكون مغلقة، هذا ما ينبغي التفكير فيه، وإلّا ستظل شرايين البلدان العربية مفتوحة… على مستقبل يُطرد منه من يُفترض أن يقوموا ببنائه.

كاتب صحافي وباحث من تونس، مقيم في فرنسا حالياً. يعمل منذ 2015 محرّراً في صحيفة “العربي الجديد”.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!

قصص رائجة

معذرة, لا يوجد محتوي لعرضه!
قصص قريبة