الطفل والبئر

ثمّة من ينتقد تركيز الإعلام على حكاية ريان وانشغال مجتمعاتنا بها، بدعوى أنّه ليس الطفل الوحيد الذي يجدر الاهتمام به. والمسألة أنّ حادثةً من بين مليون يُكتب لها أن تكون مرئية، ويجدر بنا ألّا نرى هذه المأساة إلّا بوصفها مثلاً عن واقع يعمل كرحى تطحن الجميع.

الطفل والبئر
(قصة الطفل ريان في عمل فنّي)

ما حدث مع الطفل ريان يروي لنا الكثير ممّا يحدث في المغرب، وفي كلّ بلد عربي. هي حكاية ممّا يحدث كلّ يوم قُيّض لها أن تطفو بها وسائل الإعلام إلى سطح الرأي العام، ومن ثَمّ تتحوّل إلى مأساة جماعية. موت كلّ طفل هو بالفعل مأساة جماعية، وإدانة صارخة جارحة للمجتمع برمّته، سلطةً ومحكومين.

هناك اليوم من ينتقد تركيز وسائل الإعلام على حكاية سقوط ريان وانشغال المجتمعات العربية بها، و”كأنّه الطفل الوحيد الذي يجدر الاهتمام به”. المسألة أنّ حادثة من بين مليون هي التي يُكتب لها أن تكون مرئية، ويجدر بنا ألّا نرى مأساة طفل إلّا باعتبارها مثلاً يُضرب عن واقع يعمل مثل رحى تطحن الجميع بلا رحمة.

هناك من ينتقد الفورة العاطفية التي عاشها الناس وهم يتابعون لحظة بلحظة مآلات الطفل وعملية استخراجه من البئر، ثمّ مفارقته الحياة. لحظةً بلحظة مثل سيناريو فيلم حزين، كانت الأحداث تتوالى والإثارة تتصاعد وصولاً إلى تلك النهاية التراجيدية. ماذا كان على الناس أن يفعلوا؟ أن يذهبوا لمشاهدة مباراة من كأس أفريقيا مثلاً أو أن يتابعوا أخبار السياسيّين في بلدهم؟

باختصار، لقد وجد الناس حكايةً تُعبّر عنهم، ولذلك انخرطوا فيها. ليس الطفل وحده من وقع في البئر، يستطيع أيٌّ كان أن يتخيّل بأنّ الأمر قد يحدث لابنه، أو له هو نفسُه، لأنّ معظم طرقنا “مؤثّثة” بالحفر، لأنّ الإمكانيات اللوجستية المتاحة للإنقاذ هزيلة، لأنّنا نعرف جميعاً بأنّنا معرّضون للموت من كل صوب، مصداقاً لمقطع في قصيدة للشاعر المصري أحمد فؤاد نجم: “حدّ ضامن.. يمشي آمن.. أو مِآمن يمشي فين”. في سياقه، يأتي هذا المقطع تنديداً بالبلطجة البوليسية، ولكنّ السلطة ليست وحدها من يملك يداً طويلة في بلداننا.

حكاية ممّا يحدث كلّ يوم قُيّض لها أن تطفو بها وسائل الإعلام إلى سطح الرأي العام

الفاقة يدُها طويلة، والإهمال يده طويلة، وكذلك قلّة الحيلة وفقر الخيال وغير ذلك من أمراض هذه المنطقة. فقر البلديات وفقر الطواقم الطبية وفقر الصحافيين والمثقّفين والمسؤولين.

لم تعثر بغلة في العراق بل مات طفل في المغرب واقتحمت مأساته بيوتنا جميعاً. وحين نغطس مع الدموع والانتقادات لا، نعرف هل خرجنا بمعنى، ماذا بعد دوّامة منصّات التواصل الاجتماعي التي تتغذّى من مثل هذه الضجّات، ولعلّ خوارزمياتها الباردة هي من قرّرت أن تطفو بهذه المأساة في مثل ذلك اليوم في تلك المنطقة من العالم.

الآن، ماهي العبرة من حكاية ريان والبئر؟ هل انخراطنا في الحداد هو ما يرفع عنّا العتب، أو كوننا عشنا الصدمة وكأنّنا من أهالي شفشاون؟ هل سنطوي الحكاية (غالباً سنفعل) لتبقى مجرّد خدش في ذاكرة الأحداث اليومية، لينضاف اسم ريّان إلى أسماء أخرى هزّتنا بعنف مآسيها مثل الدرّة الفلسطيني أو البوعزيزي التونسي أو إيلان السوري أو العيّاشي الجزائري.

يُقال إنه، لكي تُصبح المدينة نظيفة، يكفي أن تنظّف كلّ امرأة أمام باب دارها. ولكي يصبح هذا العالم العربي آمنا، علينا أن نبدأ بردم كلّ جبّ عميق. أيّ معنى لأجهزة الدولة إن لم تكن ترجمان مثل هذه الإرادة الشعبية؟ وماهي إلّا الحد الأدنى ممّا تطلبه الشعوب من أنظمتها.

كاتبة من المغرب.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!

قصص رائجة

معذرة, لا يوجد محتوي لعرضه!
قصص قريبة