القُبلة الفرنسية

شيئاً فشيئاً، اندمَجت السائحة الفرنسيةُ مع الشاب الذي راح يلعب دور المُرشِد السياحي. وبدا أنَّ الدنيا تضحك لصاحبنا مع كل ابتسامة تُفرِج عنها، ومع كل لحظة إعجاب تُظهِرها حين يُحدّثها عن مآثر منطقته التاريخية... ضحكةٌ فابتسامةٌ فسلامٌ... فموعد للرحيل.

القُبلة الفرنسية
("حديقة هلين"، عادل عبد الصمد - الجزائر)

بطلُ هذه القصّة كاتبٌ جزائري ساخر ورجلٌ شديد النبل والطيبة. لكن يبدو أنَّ الأمور لم تكُن تسير معه على ما يرام دوماً.

كان حينها في مطالع شبابه، فتىً مثقّفاً يعيش في منطقته بولاية المدية. ويبدو أنَّ ميله إلى القراءة والكتابة قد أثمر شيئاً مُفيداً، وأثبت لأهل المنطقة أنَّ العلم قد يكون نافعاً أحياناً؛ إذ امتُحنت القريةُ ذات يوم بزائرة غير متوقَّعة، سائحة… شابة فرنسية تبحث عن التجوُّل في الأنحاء، وتُريد اكتشاف المكان والتعرُّف إلى معالمه التاريخية والطبيعية.

لم يكُن في القرية من يصمد أمامها دقيقتَين في أيّ نقاش من أيّ نوع… وليس ذلك لقلّة اطلاع أبناء القرية، ولكن لافتقادهم، كغالب الجزائريّين حينها، لأيّ اتصال باللغة الفرنسية.

ما الحل؟ لقد جيء بصديقنا كي يكون الوسيط بين تاريخ المكان وجغرافيته وبين هذه الحسناء. وكذلك كان الأمر؛ فقد راح يلعب دور المُرشِد السياحي بأمانة شديدة، ويُعرِّف القادمة مِن بعيد على كل تفصيل يخصّ المنطقة… ثم اكتشف أنَّ الشابة قد أرهقها التنقُّل بين القرى منتعلةً قدمَيها، فما كان منه إلّا أن جعل في خدمتها حماراً يقوم على نقلها من مكان إلى آخر.

شيئاً فشيئاً، اندمَجت الفتاة مع الشاب، وبدا أنَّ الدنيا تضحك لصاحبنا مع كل ابتسامة تُفرِج عنها الفرنسية، ومع كل لحظة إعجاب تُظهِرها حين يُحدّثها عن مآثر منطقته التاريخية… ضحكةٌ فابتسامةٌ فسلامٌ… فموعد للرحيل.

نعم، لقد حان موعد رحيل السائحة العجيبة بعد أن أنارت المكان بحضورها المضيء طيلة أسبوعَين. فكَّر صاحبنا في أنْ يُطلعها على إعجابه بها، لكنه لم يجد الجرأة الكافية لذلك، فما كان منه إلّا أنْ طلب عنوانها عازماً أن يقول بالقلم ما لم يطاوعه اللسان على قوله.

بعد أسبوعَين… أرسلت الفرنسيةُ رسالةً مليئة بالمحبّة والإعجاب لكلّ ركن في القرية… راحت عينا صديقنا تُلاحق الحروف بحثاً عن كلمة… عن إشارة… عن تلميح يَفهم منه أنها تُكِنّ له ما يُكنّ لها. لكنَّ الرسالة كانت عن الطبيعية وحدها… التَهَمَ صفحتها الأولى مراراً مِن دون فائدة، ثم قلب الصفحة، فإذا أوّل كلمةٍ منها: قبلاتي!

لم يُكمل القراءة… كانت تلك كلمةً أكبر من كل خيالاته… طار فرَحاً وارتسمت الدنيا أمامه ربيعاً رائق الألوان، وبني في خياله قصوراً من السعادة سيدخلها رفقة حسنائه، وارتفع صوتُه بأغاني الحياة السعيدة.

واصل القراءة، فإذا العبارة تقول: قبلاتي… للحمار!

صحافي جزائري مقيم في قطر، عَمِل في صحيفتَي “الشروق” و”المحقِّق” بالجزائر، و”الشرق الأوسط” اللندنية و”العرب” القطرية. يعملُ حالياً في قناة “بي إن سبورتس” بالدوحة.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!

قصص رائجة

معذرة, لا يوجد محتوي لعرضه!
قصص قريبة