الكاتب والأحمق (02): الشيطان ذو العينين الخضراوين يكتشف مغارة الحشيش

ونحنُ جاثيَين عند حافة الخزانة، قلت لعبد الكامل: "يا ربّك... هاذ الكمية تكفينا لمدّة سنة وربما أكثر!". لم يُعلِّق، اكتفى بمراقبة دهشتي وفرحتي بعينَيه الخضراوَين اللتَين كانتا تلمعان كعينَي قط برّي.

الكاتب والأحمق (02): الشيطان ذو العينين الخضراوين يكتشف مغارة الحشيش
(الراحل عبد الكامل مرّاح - مِن الأرشيف الشخصي للكاتب)

يُواصِل علي رحالية سرد قصّة حوارٍ أجراه مع الروائي الجزائري الراحل الطاهر وطّار. لكنَّ النصَّ، الذي يكتبه هنا، ليسَ فقط عن حوارٍ بين كاتب “شهير” وصحافي “مغمور”، بل هو أكثر مِن ذلك. في الجزء الثاني من سلسلة “الكاتب والأحمق”، يعود بنا “المُواطِن” إلى أيام الثانوية الداخلية حيثُ دلّه صديقٌ له على كنزٍ سرّي.

 

كانت الحسرة والخيبة مرسومتَين كنقش فرعوني على وجهه الممتلئ والمدوَّر، بل محفورتَين كطعنات خنجر حادّ وَسامّ؛ فهذا الواقف عند رأسه، لم يكن صحافياً معروفاً تسبقه عناوين مقالاته وحواراته، ولا ناقداً “مُحترَماً” تسبقه جدية وموضوعية دراساته، ولا كاتباً متميّزاً تسبقه شهرة قصصه ورواياته، ولا شاعراً مبدِعاً تسبقه روائع قصائده… لم يكُن، أيضاً، “قارئة” حسناء يسبقها عبير عطرها وهي تدفع باب الجمعية برقّة وبحنان، وعذوبةُ صوتها وهي تسأل عنه في الاستقبال، وطقطقةُ حذائها وهي تخطو في اتّجاهه، حاملةً بين يدَيها باقة ورد، وقد أشرق وجهُها وهي ترسم في دلال وحياء ابتسامةً فيها كلُّ الجمال الذي خلقه الله.

بينما كان الكاتب والروائيُّ الكبير غارقاً في حسرته وخيبته يسبُّ ويلعن الجميع في سرّه، كنتُ واقفاً في مكاني فوق رأسه، كنخلة يابسة بلا ظل… كلعنةٍ نازلة كالنيزك من السماء. كنتُ أتأمّل هذا الجسد الممدَّد على الأريكة مُحاولاً لملمة جزيئات ذلك المشهد في ذاكرتي، لأستعيد تلك التفاصيل التراجيدية أثناء كتابتي مقدّمةً للحوار.

وفيما كنتُ أرسم على جدران ذاكرتي الخطوط الأولى لكتلة اللحم المكوَّرة أمامي فوق أريكة الصالون البنّية، سمعتُ نحنحةً تأتي من تحت. نظرت، فإذا بالكاتب والروائيّ الكبير يدعوني بحركة بطيئة برأسه، وربما بأنفه، إلى الجلوس على الكرسيّ المقابِل له.

■ ■ ■

إلى غاية السنة الثانية ثانوي، لم يكُن اسمُ الطاهر وطّار يعني لي شيئاً على الإطلاق. كنتُ، وقتَها، في السابعة عشرة، وكان هو في الواحدة والخمسين. في خريف تلك السنة الدراسية، لاحظتُ بأنَّ صديقي وزميلي في القسم، عبد الكامل مرّاح، الجالسَ أمامي مباشرةً، كان يقوم بحركة غريبة؛ فبينما كان أستاذ التاريخ والجغرافيا يشرح تضاريس إحدى الدول، وبينما كنّا نتابع شرحه بالنظر إلى خرائط في كُتُب الجغرافيا المفتوحة أمامنا فوق الطاولة، كان عبد الكامل يغرس رأسَه بين كتفيه… يغيب لزمن، ثم يعود ويرفع رأسه لينظُر في اتجاه الأستاذ البعيد عنّا.

يجلس عبد الكامل في الطاولة ما قبل الأخيرة، وأجلسُ خلفه مباشرةً شبه ملتصقٍ بجدار القسم. كان يتحسّس الأستاذَ بعينَيه الخضراوين المرعبتَين لثوانٍ، ليتأكّد بأنه خارج مجال رؤيته، ثمّ يغرس رأسه مِن جديد.

ظلَّ يقوم بهذه الحركة الغريبة طوال مدّة الحصة. كان مثل الحوت الضخم الذي يغطس في قلب المحيط ثم يعود ويُخرج رأسه الكبيرة ليلتهم أطناناً من الأوكسجين، ثمّ يغطس مُجدَّداً تحت الماء. هذا الغطس المتكرِّر زرَع في قلبي كلّ أنواع الشك. كانت شكوكاً سيّئة بالطبع… بل في غاية السوء.

بمجرَّد أن استدار الأستاذ ناحية السبّورة ليكتب شيئاً، انتهزتُ الفرصة وحاولتُ إلقاء نظرة خاطفة مِن فوق كتف عبد الكامل، عسى أن أكتشف أين كان يسبح، وإلى أيّ أعماق كان ينزل. أردتُ أن أعرف أين كان يمرح ويتجوّل بينما نحن غارقون في تضاريس خريطة دولة بعيدة.

كانت محاولةً فاشلةً؛ إذ سرعان ما استدار الأستاذ وهو يقول: “أمّا إنتاج الحبوب فيتمُّ هنا”، وأشار بالمسطرة التي في يده إلى مكانٍ ما فوق الخريطة المعلَّقة على السبّورة.

ما أثار انتباهي، إضافةً إلى عملية الغطس تلك، هو أنَّ عبد الكامل كان يُحرّك مرفقه الأيمن بين الحين والآخر. يقوم بهذه الحركة عندما يُخرج رأسه من تحت الماء… أقصد حين يرفع رأسه وينظر في اتّجاه الأستاذ الواقف أمامنا فوق المسطبة.

في تلك اللحظة تحديداً، وهو ينظر إلى الأستاذ، يقوم عبد الكامل – بسريّة تامّة وبحركةٍ بطيئة وكأنّه لا يُريد أن يُحدث صوتاً – بتحريك مرفقه الأيمن حركة نصف دائرية من اليسار إلى اليمين، تماماً كما نقوم بنقل عقرب الساعة مِن التاسعة صباحاً إلى الثالثة مساءً.

 لم يكُن اسمُ الطاهر وطّار، إلى غاية السنة الثانية ثانوي، يعني لي شيئاً على الإطلاق

مرَّ الكثير من الوقت مِن دون أن أتمكّن من معرفة ماذا يحدث أمامي… طال صبري – وكان الله مع الصابرين – وفجأةً حدثت المعجزة: أحدَثَ شعاع الشمس ثغرةً في الجدار، فتسرّبت مِن تحت ذراع عبد الكامل الأيسر حزمةُ ضوء أنارت لي دهاليز النفق الذي أمامي، وكان عليَّ أن أنتهز الفرصة لأُلقي نظرةً متلصّصة وخاطفة… لأمسحَ بعينيَّ المتلهّفتَين تفاصيل ما يحدث فوق طاولة الشيطان ذي العينَين الخضراوَين.

لم أر فوق طاولة عبد الكامل زرقةَ المسطّحات المائية، ولا خضرة السهول، ولا بُنيَّ الهضاب، ولا صفارَ الصحاري التي تُزيّن الخريطة الممدّدةَ أمامنا في كتاب الجغرافيا وعلى السبّورة. ما رأيتُه كان صفوفاً أُفقية مِن النمل الأسود… صفٌّ وراء صف… الواحد وراء الآخر، أو الواحد فوق الآخر. وكان الشيطانُ ذو العينَين الخضراوَين يلتهم تلك الصفوف، ثمّ يقلب الصفحة ويلتهم صفوفاً أُخرى وأُخرى. كان يلتهم صفوف النمل تلك بتلذُّذ وسعادة وشهوانية.

عندما رنَّ الجرس مُعلِناً نهاية الدرس، وقبل أن ينهض من مكانه، نزلتُ عليه بيدي وأمسكته مِن قفاه وكأنّني أمسك بلصّ تسلَّل إلى منزِلٍ والناس نيام. استدار نحوي نصف دائرة وقال منرفَزاً: “واش تسحق؟”، فاقتربتُ مِنه وصببتُ الكلام في أذنه كما يُصبُّ الماء: “واش كنت تقرى يا خبيث؟”.

رسَمَ ابتسامةً ماكرة على شفتَيه. وبحركة سريعة، وضع الكتاب الذي كان يقرأ منه سرّاً فوق طاولتي. كان اسمُ المؤلِّف مكتوباً بالخطّ الأسود العريض: الطاهر وطّار، وليس بعيدٍ تحتَه عنوان الكتاب: “الحوات والقصر”. سألتُ عبد الكامل: “واش؟ امْليحة القصة؟”. ألقى نظرةً خاطفةً عن يمينه وعن شماله ليتأكّد بألّا أحد يسمعه، ثمّ قرّب وجهه من وجهي حتّى كادت أرنبة أنفه تلامس أرنبة أنفي… اتّسعَت عيناه الخضروان وقال وهو يرسم ابتسامة غريبة: “امْليحة… امْليحة بزّاف… بزّاااف”.

قالها وكأنه يتحدّث عن “صنف” ممتاز من الحشيش، وهو الذي لم يُدخِّن سيجارةَ تبغ في حياته.

سألتُه مُندهشاً: “أنت عثرت عليها؟”، فأجاب وهو يحشر “الحوّات” و”القصر” في محفظته بين كراريسه: “في المكتبة… في قاعة المطالعة”. قلتُ له مستغرباً: “في مكتبة الثانوية؟ لا أذكر أنّني رأيتُ هذا الكتاب هناك”. نظَرَ إليَّ وهو يرسم نفس الابتسامة الغريبة على شفتَيه وقال: “الليلة سآخذ معي إلى المغارة”.

■ ■ ■

كنتُ وعبد الكامل مجرَّد تلميذَين فقيرَين… سجينَين في مدرسة داخلية تعيسة مُحاطة بجدار إسمنتي بارتفاع مترَين، يقضيان وقتهما في حلّ الكلمات المتقاطعة في جريدتَي “النصر” و”الشعب” وقراءة أيّ ورق يقع بين أيديهما… المهمُّ أن يكون ورقاً مُلطَّخاً بالحبر الأسود، في انتظار الخميس؛ يومِ إطلاق سراحهما لمدّة ثمان وأربعين ساعةً يعودهان بعدها إلى السجن.

في ظلمة تلك الليلة، وبعد العشاء، تسلَّلنا بين الأشجار كلصوص البساتين، متّجهَين شرقاً إلى مكتبة الثانوية التي تقع خلف بناية الإدارة. اختار عبد الكامل نافذةً بعينها… اقترَب منها ودفعها بحذرٍ فانفتحَت مِن دون أن تُحدث صوتاً. تسلَّل إلى الداخل ثم تبعتُه. طلَب منّي أن أُغلق النافذة ورائي ففعلت، ثمّ أدخَلَ يده في جيب معطفه وأخرج بطّاريّتَين متوسّطتَي الحجم حشرهما في مصباح يدوي وضغط على زرّه، فارتسمت دائرةُ ضوء صغيرة على بلاط القاعة. وبخُطىً قصيرة مرتعشة مشينا، نتبع دائرة الضوء التي كانت تسبق خطانا كأنها كلب صيد، إلى أن توقّفَت عند إحدى زوايا القاعة حيث تقف خزانةٌ حديدية شبه منسية.

سجينان صغيران يقضيان وقتهما في حلّ الكلمات المتقاطعة وقراءة أيّ ورق يقع بين أيديهما

طلب منّي أن أُمسك المصباح اليدوي، ثمُّ أَدخَل يده في جيبه وهو يقول بلهجة الآمر: “أضرب الضو… هنا”، فوجَّهتُ ضوء المصباح نحو كومة المفاتيح التي كانت في يده، ومِنها أخرَجَ مفتاحاً بحجم وشكل حبّة الفول المسوَّسة، ثم أمرَني مرّةً ثانية: “أضرب الضو… ألهيك”، فوجَّهتُ الضوء نحو قفل الخزانة. أدار المفتاح الصغير في قلب القفل فانفتح بلا مقاومة، مُحدِثاً تكتكةً خافتة. قام عبد الكامل بنزع القفل، وبحركة بطيئة سحب باب الخزانة نحوه وهو يأمرُني للمرّة الثالثة: “أضرب الضو… ألتحت”، فوجّهتُ المصباح الى الأسفل… هناك في قاع الخزانة، كان “الحشيش” مكوَّماً بعضُه فوق بعض، بعيداً عن الأضواء والعيون.

جثَونا على رُكَبنا عند حافّة الخزانة والمصباحُ معلَّق فوق رأسَينا كالبدر المنوّر يضيئ لنا قلب التابوت. قلت لعبد الكامل وأنا غير مصدِّق: “يا ربّك… هاذ الكمية تكفينا لمدّة سنة وربما أكثر!. لم يُعلِّق، بل اكتفى بمراقبة دهشتي وفرحتي بعينَيه الخضراوَين اللتَين كانتا تلمعان كعينَي قط برّي.

هناك، في قلب التابوت… في قاع الخزانة المنسية في مكتبة الثانوية، كانت أكوام الكتب فوق بعضها البعض: نسخةٌ أُخرى من “الحوّات والقصر” للطاهر وطار، وتحتها كتاب آخر له بعنوان غريب “عرس بغل”! وثالث بعنوان غريب أيضاً “العشق والموت في الزمن الحرّاشي”! وآخر بعنوان “اللاز”! وخامس بعنوان أكثرَ غرابةً “الشهداء يعودون هذا الأسبوع”! وسادس بعنوان “دخان مِن قلبي”! وسابع بعنوان “الزلزال”، وثامن بعنوان “الطعنات”…

عثرنا، أيضاً، على “الجازية والدراويش”! و”ريح الجنوب” لـ”واحد” اسمه عبد الحميد بن هدوقة، و”طومبيزا”! و”النهر المحوَّل” لرشيد ميموني، و”الحلزون العنيد”! و”التفكُّك” و”التطليق” و”الإنكار” و”العسس” و”الإراثة” و”ضربة جزاء” و”ليليات امرأة آرق”! لكاتب اسمه رشيد بوجدرة.

كانت هناك أيضاً “وقائع من أوجاع رجل غامر صوب البحر” و”طوق الياسمين” و”نوّار اللوز” وما تبقّى من سيرة الأخضر حمروش” لكاتبٍ لم نستطع أن نعرف اسمه من لقبه. اسمُه، كما هو مدوَّن على أغلفة مؤلَّفاته، واسيني الأعرج!

في ظلمة تلك الليلة وظلمة مكتبة الثانوية، اتّفقتُ أنا وعبد الكامل على أن نبدأ بـ”التهام” كتُب المدعو الطاهر وطّار، فوافَق مِن دون أن يبدي أيّ اعتراض ولم تكُن تلك عادته.

هل أعجبتنا قصص وطّار؟ بالتأكيد؛ لأنها بالنسبة إلينا كانت مجرَّد قصص؛ قصص قصيرة… قصص طويلة… لا يهم. المهمّ أنها قصص.

لم نكن نعرف بأنها أكثر من ذلك. لم نكن نعرف بأنَّ تلك الصفحات الملطَّخة بالأحرف والنقاط والفواصل كانت ساحات معارك وأراضي ألغام.

كيف لتلميذين مسجونَين في ثانوية داخلية على بعد مئات الكيلومترات من دزاير، يعانيان من سطوة الفراغ وعذاب الهرمونات، أن يكتشفا كلّ تلك المعارك والألغام وهُما لا يعرفان ماذا تعني السياسة والصراع على السلطة! وأكثر مِن ذلك ما هي الأيديولوجيا واليوتوبيا والثورة والثورة المضادّة و”الإبداع” والسرد والنص والرمز والتخييل والثابت والمتحوّل والأنا والنرجسية والجنون…

كيف لهما أن يعرفا كلّ ذلك وهما لا يعرفان حتّى الفرق بين الرواية والقصّة!

للقصّة بقية…

كاتبٌ وصحافي جزائري من مواليد 1970، خرّيج كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية في الجزائر العاصمة، مهتمٌّ بالشأنَين السياسي والتاريخي، كتبَ في عددٍ من الصحف الجزائرية. صدر له كتابان: “اليوم الأخير”  (2000)، و”مواطن لا ابن كلب.. في انتظار الخراب” (2011).

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة