الكاتب والأحمق (03): العودة مستحيلةٌ والمتاعب كثيرة… قال العرّاف

صمتَ للحظاتٍ ثمّ أضاف متثاقلاً ومتثائباً: "مِن أين تريدنا أن نبدأ الحوار؟"، قالها بنبرة الذي يريد أن يتخلَّص من مشكلة طارئة، ليتمتّع بقيلولة هانئة ومريحة... أجبتُ بلا تردُّد: "مِن البداية... مِن الإهداء".

الكاتب والأحمق (03): العودة مستحيلةٌ والمتاعب كثيرة… قال العرّاف
(الطاهر وطّار)

في هذه السلسلة المكوَّنة من أربع حلقات، يروي “المُواطن” علي رحالية قصّة حوارٍ أجراه مع الروائي الجزائري الراحل الطاهر وطّار (1936 – 2010)، ونُشر في صحيفة “الخبر الأسبوعي” (العدد 64، من 7 إلى 13 يونيو/ حزيران 2000).

 

كان الوحش الذي يخشاه الجميع قابِعاً في الظلّ، جاثماً أمامي ليس ببعيد، ساكناً بلا حركة فوق الأريكة القديمة. مِن على هذه المسافة القريبة، رحتُ أُفتّش عن الأنياب والمخالب التي يقولون إنّه يبقر بها بطون خصومه، يُخرج مصارينهم، يلفُّها حول عنق الواحد منهم ثم يشدّ المصران ببطء إلى أن تخرج روحه مع آخر ذرّة أوكسجين… وحين تتكوّم الجثّة على الأرض، يركله على مؤخّرته ركلات متتالية، يبزق عليه ويُخاطبه مُتقزِّزاً: “حقير مثلك يهدر على سيدو (سيّده) الطاهر وطّار!.

بعد ذلك يقوم بسلخ الجثّة… يضع الجلد في كيس بلاستيكي أسود ويلقي به في المستنقعات الراكدة! أمّا الجثّة المسلوخة، فيضعها في كيس من الخيش، ويرميها في المزابل البعيدة أو الحفر العميقة! ويقولون أيضاً بأنّه لما كان يُسأَل: “لماذا تفعل بهم كل ذلك؟ لماذا لا تكتفي بافتراسهم والسلام؟”، يُجيب نزقاً ومتعفِّفاً كأرستقراطي متكبّر ومتعجرف: “لا… لا… إنّها جثث عفنة، نتنة. وفوق ذلك… سامّة!.

تلك هي الصورة التي يُفترَض أن أشاهدها… الصورة التي رسمت ملامحَها حكاياتُ دار الصحافة ورواياتُ جلسات المقاهي، وذلك هو المشهد الذي يُتوقَّع أن أتفرّج عليه… المشهد الذي نحتت تفاصيلَه نميمة محترفي “مهنة الكتابة” في البارات والحانات المتوارية عن الأعين والبعيدة عن الآذان. لكنّ، في ذلك اليوم وفي تلك الظهيرة، كانت الصورة مغايرةً والمشهدُ مختلِفاً.

أمامي، على بُعد نصف متر أو أقلّ، فوق الأريكة البنّية لصالون قديم، كان ثمّةَ وحشٌ مختلِف… كان رجلُاً متوسِّط الطول يرقد على جنبه الأيسر، رِجْلُه اليمنى ملتصقهٌ باليسرى في خطّ مستقيم، وجهه مدوَّر، آثار النعمة مرسومة على الخدود والرقبة، عينان لم أستطع تحديد لونهما، تتواريان خلف زجاج نظّارة طبيّة بإطار بلاستيكي بنّي ممزوج بالأسود… حاجبان بحجم وشكل جناحَي نسر مَلَكي، شاربٌ كثّ يشبه ذيل سمكة، رمز للرجولة ودليل على الفحولة، سروالٌ قطنيٌّ رمادي، قميص أزرق بلون السماء، أزراره مفتوحة حتى منتصف البطن، يكشف عن “تريكو دبو” (فانلة) أبيض، يحتجز كرشاً بحجم “دلّاعة” متوسّطة ترقد هي أيضاً مثل صاحبها فوق الأريكة، بعيداً عن الضوضاء والضوء والرطوبة.

بدا لي الكاتب والروائيُّ الكبير، في تلك الوضعية، أشبه بالفقمة، لكن المشكلة في الرأس. عندما تأمّلتُ المشهد بعمق، بدا لي أنّني أمام الفقمة لكن برأس كلب البحر!

كان وحشاً مختلِفاً عن الذي رسمت ملامحَه حكاياتُ دار الصحافة ورواياتُ جلسات المقاهي

وفيما كنت أُركّب رأس كلب البحر على جسد الفقمة، لاحظتُ ذراع الكاتب والروائيّ الكبير يرتفع في الهواء، ثُمَّ رأيتُه وهو يُنزِل أصابعه الثلاثة معاً… الإبهام… السبّابة… الوسطى…  ويحطّها ببطء على الدلّاعة النائمة أمامه، فوق موضع معدته. نظر إليَّ بعينَين نصف مغلقتَين، وقال لي، شبه متألَِّم، أوّلَ كلمة منذ أن دفعت باب الجمعية ودخلت: “حموضة!، ثم رسم بشفتيه ابتسامةً ساخرة ومستهزئة كابتسامة الجوكر.

صمتَ للحظاتٍ ثم أضاف متثاقلاً ومتثائباً: “مِن أين تريدنا أن نبدأ الحوار؟”، قالها بنبرة الذي يريد أن يتخلَّص من مشكلة طارئة، ليتمتّع بقيلولة هانئة ومريحة. قلتُ بلا تردُّد: “مِن البداية”. نظر إليَّ مستغرِباً وقال: “ماذا تقصد بـ مِن البداية؟”.. قلت: “أن نبدأ من الإهداء… مِن كلمة الإهداء… مِن أوّل ثلاث أو أربع جُمَل في أوّل صفحة من الرواية”.

تراقَصَت علامات التعجُّب والاستفهام فوق رأس الكاتب والروائي الكبير، وسألني وهو يرفع حاجبَيه إلى أعلى ويفتح عينَيه، مِن وراء زجاج نظّارته، على اتساعهما: “ولماذا تريدنا أن نبدأ من كلمة الإهداء؟”، فأجبته وأنا أُحدِّق في عينيه الفزعتَين: “لأنّ سرَّ الرواية كلَّه موجودٌ هنا… في كلمة الإهداء”.

وأنا أفتح الرواية على صفحة الإهداء، أضفتُ مُوضِّحاً: “اسمع جيّداً ماذا كتبت… (إلى عملاقَي الفكر العربي المعاصر… المرحوم الدكتور حسين مروة، والدكتور محمود أمين العالم أطال الله في عمره. قد نتحايَل على النهر فنحصر ماءه وإنْ في بركة ونستحمُّ فيه مرّتَين، ولكن لن نستطيع الاستضاءة بنور نفس الشمعة الواحدة مرّتَين). مِن الواضح أنّك وصديقَيك، حسين مروة وأمين العالم، كنتُم متّفقِين على فكرة أشبه بالسرّ، أمّا اليوم فيبدو أنّ الأمر لم يعد كذلك، على الأقل بالنسبة إليك… فهل يُمكن أن نعرف هذه الفكرة وتكشف عن سرّ اختلافك الآن مع حسين وأمين؟”.

فجأةً، طارت ابتسامة الجوكر الساخرة والمستهزئة، وغاب مشهد “الوحش” الذي يخنق خصومه بمصارينهم، وانمحت صورة حيوان الفقمة برأس كلب البحر، واختفَت متاعب “الحموضة”، واندفَع مِن وجه الطاهر وطّار شيءٌ مِن الضوء وشيءٌ من النور، شيءٌ فيه سعادة ورضىً وراحة بال، وقال لي مبتهِجاً ومُتعجّباً، وربما متعجّباً ومبتهجاً، لا أعرف بالضبط أيَّ الإحساسين كان يسبق الآخر: “لأوّل مرّة أُسأل هذا السؤال! وأنا أشكرك عليه”.

أتساءل عن إمكانية العودة… هل يُمكن أن نعود إلى اشتراكية الاتحاد السوفييتي مثلاً؟

قالها بنبرة الممتنّ غايةَ الامتنان، وكأنّني فتحتُ له باب مغلَقاً منذ سنين أو سقيته ماءً في صحراء قاحلة، ثم قرَّب وجهه نحوي، ونجوم الرضى تتراقص في عينيه، وأضاف مسترسلاً: “يبدو أنك فكّكتَ الرواية! الإهداءُ، إلى جانب العناوين الفرعية في الرواية، هي تقريباً تأليفٌ ثانٍ، وأنا قصدتُ به وضع حجر ثقل حتى يكون هناك توازن بين ما في النص الروائي وما يمكن أن يُفهمَ من الرواية؛ فالإهداء مفتاح، لأنَّ هذه الرواية تقوم كلُّها على مقدّمة منطقية، وهي مثل شعبي يقول: “اللي ولّى على الجرّة اتعَب” (الذي يعود على أثره يتعب).

كان همّي هو إبراز متاعب العودة، ثمّ في المرحلة الثانية إبراز إمكانية العودة… هل يُمكن أن نعود إلى اشتراكية الاتحاد السوفييتي مثلاً؟ أو إلى نظام الخلافة؟ هنا استحضرتُ فلسفتَين: الأولى يونانيةٌ تقول: “لا يُمكِن أن نستحمَّ بماء النهر الواحد مرّتَين”، وبالتالي فالحياة تتقدَّم، فقلتُ: يمكن أن نتحايل ونُقيم سدّاً ونستحم فيه عشرات المرّات. ولكن هناك في الفلسفة الهندية رأيٌ آخر يقول: “لا يمكن أن نستضيئ بنور الشمعة الواحدة مرّتَين”. فكّرتُ في التحايل على ذلك، لكنّني قلت لا، فعندما تذوب الشمعة تذوب… وبالتالي أردتُ أن أُعطي مفتاحاً للقارئ؛ لأنَّ هذه الرواية هي نصٌّ عن إمكانية العودة كما يطرحها الإسلاميون، وكما يطرحها الشيوعيون، وكما يطرحها المنتظرون لعودة المهدي… هل يمكن أن نعود إلى البداية؟

هذا الأمر وهذه القضية طرحتُهما مِن قبل أيضا في “الشهداء يعودون هذا الأسبوع”، فوجدتُ أنَّ هناك استحالة للعودة إلى نفس الوضع. ولكن ثمّة حنين، وثمّة تطلُّع، وثمّة شوقٌ سيظلُّ مشتعلاً في نفوسنا، وسيظلُّ وضعنا كوضع سيزيف، يرفع الصخرة في الصباح لتسقط عليه في المساء، وبالتالي فإنَّ الشعور بالرغبة في العودة ضروريٌّ وطبيعيّ. ولكن العودة مستحيلة والمتاعب كثيرة”.

خرجَت الأحرفُ والكلمات من فم الطاهر وطّار سلسةً، متّصلةً، متماسكةً ومرتَّبةً كأنه يحفظها على ظهر قلب. كان يتحدّث بطلاقة ونبرة الفيلسوف الحكيم الذي يريد أن يُلخِّص “سرّ الحياة” في جملة واحدة. والمدهش والغريب أنه قال كل ذلك بإحساس وصفاء الذي سـ”يُودِّع الدنيا”، وهو يُملي آخر وصاياه ويُسدي آخر نصائحه الى أحفاده وأبنائه وعشيرته وإلى… الناس أجمعين!

للقصّة بقية…

كاتبٌ وصحافي جزائري من مواليد 1970، خرّيج كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية في الجزائر العاصمة، مهتمٌّ بالشأنَين السياسي والتاريخي، كتبَ في عددٍ من الصحف الجزائرية. صدر له كتابان: “اليوم الأخير”  (2000)، و”مواطن لا ابن كلب.. في انتظار الخراب” (2011).

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة