الكاتب والأحمق (04): لا أحد يستطيع اغتيال الطاهر وطّار

كان يُتابع كلامي بعينيه المفتوحتَين على اتّساعهما. تردَّدتُ قليلاً ثم "طعَنتُه": بطلُ روايتك يُشبهك تماماً؛ فأنت خلال سنوات الدم لم يصدُر عنك موقف أو استنكار. لقد فضّلتَ الصمت، فهل "الوليُّ الطاهر" هو أنت؟

الكاتب والأحمق (04): لا أحد يستطيع اغتيال الطاهر وطّار
(مِن فيلم "آخر الكلام" لمحمّد الزاوي، 2014)

في هذه السلسلة المكوَّنة من أربع حلقات، يروي “المُواطن” علي رحالية قصّة حوارٍ أجراه مع الروائي الجزائري الراحل الطاهر وطّار (1936 – 2010)، ونُشر في صحيفة “الخبر الأسبوعي” (العدد 64، من 7 إلى 13 يونيو/ حزيران 2000).

 

أَطلَق الكاتبُ الكبير صرخته و”وصيّته”، ثُمّ مال على جنبه الأيمن… رفع رقبته إلى الأعلى قليلاً ثمُّ نصفه العلوي مستعيناً بمرفقَيه وسَحَبه بهدوء إلى الخلف، ثم وضع قفاه ببطء على حافّة الأريكة البنّية القديمة وكأنه يضعه فوق وسادة طرية وناعمة… مدّ ساقَيه الممتلئتَين، المتلاصقتَين المتوازيتَين على طولهما… رفع يده اليسرى وبسطها فوق صدره بِرفقٍ وحنان ثُمّ رفع راحة اليد اليمنى ووضعها فوق ظهر اليسرى بنفس الرفق والحنان.

الآن أصبح مُستلقياً على ظهره كما يجب أن يكون الاستلقاء. أغمضَ عينيه… وغاب.

ساد المكانَ صمتٌ جنائزي؛ إذ لم يكُن يُسمع إلّا حفيفُ الهواء وهو يتسلّل بصعوبة إلى فم الكاتب الكبير، وكأنه يتسلّل من ثُقب رملي، ليخرُج مندفعاً بعد لحظات، كمياه النهر، مِن منخَرَيه الواسعَين.

عندما تأمّلتُ المشهدَ بتفاصيله، بدا وكأنّني أمام مريضٍ مُستلقٍ فوق سرير مريح، في عيادة طبيب نفسي، بعيدة عن الضوضاء. استهوتني الفكرة، فقُلت لنفسي: “لما لا؟ ها هي الفرصة تأتي إليك مِن حيث لا تدري… ساعة الحظّ التي لا تُعوَّض تنزل عليك من السماء، لكي ترى بعينَيك وتسمع بأُذنيك وتتحسّس بنفسك، وعن قرب، هذا الكائن الغريب الذي يُسمّونه الكاتب والروائي. لن تجد أفضل من هذا “الصيد” المستلقي أمامَك على الأريكة لـ”تُجرِّب” فيه كلّ الأسئلة التي دارت وتدور في ذهنك منذ سنين، عن سرّ الكتابة ومعنى أن تكون كاتباً”.

وأنا غارق في “النوايا السيّئة”، سمعتُ الكاتب الكبير يقول وهو في وضعيته الغريبة تلك، بعَينَين مغمضتَين ومِن دون أن يلتف إليّ: “يا الله… هات سؤالك الثاني”، فقُلت له: “أعتقد أنَّ الحوار قد انتهى. إجابتُك كانت كافية، مقنعة، واضحة وبسيطة… لكن هل سيوافقك الدكتور محمود أمين العالم على فكرتك الجديدة التي حشرتَها في الإهداء أم لا؟”.

أخذ شهيقاً عميقاً ثم استدار برأسه ناحيتي، وقال: “صحيح… الحوارُ عملياً انتهى. لكنَّ المشكلة ليست في الإجابة وإنما في السؤال. أنتَ مَن أنهى الحوار بالضربة القاضية مِن أوّل سؤال… يبدو أنّك كنت مستعجلاً أكثر من اللازم؟”.

ثُمَّ رفع حاجبَيه إلى أعلى بما معناه “إنّه خطأُك”، فقلتُ له مازحاً: “ما رأيكَ في أن نعود إلى البداية؟”. لم يتركني أُكمل جملتي وقاطعَني مازحاً هو الآخر: “العودة إلى البداية؟ البداية مرّةً أُخرى؟ قلت لك… العودة مستحيلةٌ والمتاعب كثيرة”.

اللهجة والأسلوب اللذان تحدّثَ بهما الطاهر وطّار، إضافةً إلى وضعية “المريض النفسي” المستلقي أمامي على ظهره فوق الأريكة البنّية القديمة، شجّعاني كثيراً على أن ألعب دور المُحلِّل النفسي على الطريقة الأميركية. سحبتُ نظّارتي إلى أرنبة أنفي الطويل… وضعتُ ساقي الأيمن فوق الأيسر ورحتُ أُأرجح قدمي وأنا أفتّش في حنجرتي عن أفضل “نحنحة” طبّية، ثمّ رحتُ أنبش في ذاكرتي عن أفضل سؤالٍ “نفسيٍّ” يمكن أن أنفذ مِن خلاله إلى “لا وعي” الكاتب الكبير.

تنحنحتُ من أجل إثارة انتباه “المريض” الممدَّد أمامي، ثمّ قلت: “إذا لم تخُنّي الذاكرة، أعتقد أن صديقك الكاتب المصري جمال الغيطاني عندما سُئل: لماذا تكتب؟ ردّ: أكتب لأنّني أشعر أنَّ الكتابة إحدى غرائزي. أمّا المرحوم جبرا إبراهيم جبرا فقال بأنه يكتب من أجل نفسه. يوسف إدريس قال: أكتب بدافع الموهبة. نجيب محفوظ أجاب عن السؤال نفسه قائلاً: بعد هذا العمر الطويل يمكنني القول إنَّ رغبتي في الكتابة تعود إلى رغبتي في التغيير… وأنت لماذا تكتب؟”.

أطلقَ “آهاً” طويلةً وقال وهو ينظر إلى السقف، رجلاه ممدودتان أمامه كسكّة القطار ويداه فوق صدره: “إنه سؤال وجيه”.

صمت للحظات… “آه” طويلة ثانية، ثم أضاف وهو يُحرّك رأسه ببطء إلى الخلف والأمام وكأنه يَعدّ السنين: “سؤالٌ وجيه… خصوصاً حين يأتي بعد خمسين سنة من الكتابة. في الواقع هذا السؤال لا يُطرح في الكتابة فقط، بل في عدّة مجالات وأشياء… لماذا نعزف؟ لماذا نُغنّي؟ لماذا نطرب؟ أعتقد أنَّ الكتابة تعبيرٌ عن الحياة”. صمت قليلاً ثمّ أضاف: “هي نوعٌ مِن التعبير عن الحياة”… قالها بنبرة الواثق الذي عثر على الإجابة الصحيحة والمفردات الملائمة، ثُمّ راح يشرح: “هي ليست غريزة بالمعنى العلمي، لأنّها لا توجد لدى جميع الناس… بعضُهم يُعبّر بالموسيقى وآخرون بالغناء، وآخرون بالرقص، وهناك مَن يُعبّر بالرسم أو بالكتابة”.

صمت من جديد ثم قال مُلخِّصاً ومتفلسفاً: “الكتابة نوعٌ من الابتلاء… الابتلاء الذي يُساعدنا على الانسجام مع الحياة”.

قلتُ له بخبثٍ وأنا أُأرجح قدمِي: “وماذا عن الشهرة؟ المال؟ النساء؟ ألم تكُن تحلم بأن تصبح مشهوراً وغنيّاً؟”. استدار نحوي، حدّقَ فيَّ للحظات ففهمتُ أنَّ هناك خطأ أو سوء فهم. ولكَي يُوضِّح لي ذلك قال: “نحن نتحدّث عن الكتابة الإبداعية الهاوية”. حرّكَ رأسه إلى الأمام ثمّ إلى الخلف وكأنه يقول لي: “فهمتَ الآن عن أيّ نوع من الكتابة أتحدّث يا حمار؟”. ثم واصل مُسترسِلاً: “الكتابة الإبداعية الهاوية وليس الاحتراف.. كعازف البيانو أو الغيتار المحترف في فرقة موسيقية مأجورة. شخصياً، لديَّ قوانيني الخاصّة، إن صحّ التعبير، مع نفسي… قوانين صارمة جدّاً؛ بحيث أَبتعدُ قدر الإمكان عن التعاملات المالية في ما يخصُّ الكتابة، الأمر الذي جعلني لا أكتب في الصحافة اليومية ولا أكتب في الصحافة البترودولارية.. أنا أحتفظ بالكتابة كإبداع، كوسيلة للترفيه عن نفسي”.

– والتاريخ؟ ماذا عن التاريخ… عن دخول التاريخ… دخول التاريخ الذي أصاب الكثيرين بالجنون وضيّع وقتل الكثيرين؟

كثيراً ما يحدث عندما أُعيد قراءة ما كتبتُ أن أقول: لا، هذا العمل لم يصدُر عنّي

قال وهو يرفع حاجبَيه كعادته: “لا”. زمَّ شفتَيه للحظات ثم أضاف: “أتذكَّر نفسي وأنا في سنّ السادسة عشرة تقريباً، في فترة مراهقة متأخِّرة قليلاً، كنتُ أُحاول أن أُعبِّر عن نفسي ولم يكُن يخطر ببالي أيُّ شيء على الإطلاق، لا التاريخ ولا الخلود ولا الشهرة ولا المال… كانت هناك دوافع داخلية”.

صمت لبرهة ثم أضاف وكأنه يكشف لي عن سر: “لقد حاولتُ نظْم الشعر، كما حاولتُ إعادة أغاني عيسى الجرموني مع أنَّ صوتي مُقرف… حاولت أنُ أعبِّر فوجدتُ في الكتابة النثرية الإبداعية الانسجامَ مع ذاتي ومع الكون”.

لاحظَ الطاهر وطّار انتباهي الشديد إلى كلّ ما كان يقوله، ووضعيةَ الساق على الساق، بالإضافة إلى حركة قدمي التي كنتُ أُأرجِحها وأنا أطرح عليه أسئلتي. رسم ابتسامةً على شفتَيه فتمدَّد شاربُه الذي يُشبه ذيل سمكة.

– هل تعتقدون بأنَّ مساركم كان معروفاً منذ البداية؟ بمعنىً آخر، هل كنت تشعر بأنك لن تكون إلّا كاتباً ولا شيء غير ذلك، أم أنَّ الصدفة والقدر هما من ساقاك في هذه الطريق؟

ردَّ الكاتب الكبير وقد شعر بلسعة السؤال المسموم: “لا… لا… ليس القدرُ ولا الصدفة… لقد خُلقتُ لأكون كاتباً. وحالما اكتشفتُ في نفسي هذه الموهبة وهذه القدرة، رحتُ أَصنع نفسي. أذكُر أنّني، عندما دخلتُ معهد ابن باديس، لم أكُن أعرف ما معنى… الإنشاء (التعبير الكتابي). لقد أعانني أحدُ الأصدقاء على كتابة الموضوع الأوّل، وقد حصلتُ على علامة اثنين مِن عشرين على ما أذكر، ولكنّني فهمتُ سرّ الإنشاء وسرّ الكتابة، فكتبتُ الموضوع الثاني لوحدي وحصلتُ على ثمانيةٍ مِن عشرين، وهو ما أثار دهشةَ صديقي”.

“آه”… قلتُ وأضفتُ متعجِّلاً ولاهثاً مثل الكلب الذي يسيل لعابه: “وما هو سرُّ الإنشاء وسرُّ الكتابة الذي اكتشفتَه؟”.

ردَّ بعفوية: “كما قلتُ لك من قبل… هناك استعداد، هناك خصوصية لدى كلّ كائن، فالإنسان إمّا أن يكون عازفاً أو مُغّنياً أو راقصاً أو رسّاماً أو شاعراً أو كاتباً… الكتابةُ نوعٌ مِن التعبير عن الأحاسيس والذات”.

سكتْ. نظرَ إلى عينيَّ من وراء زجاج نظارته العريضة لأفهم جيّداً عمّ كان يتحدّث وماذا كان يقصد بالضبط، وأضاف مُؤكِّداً بحركةٍ مِن رأسه: “طبعاً أنا أتحدّثُ عن كتابةٍ هاوية… عن كتابة صادقة ولا صنعة فيها”.

لم يُعجبني ردُّه. ربما لم أفهمه، وربما لأنّني شعرتُ بأنّه لم يكن يريد أن يُطلِعني على “سرّ الإنشاء والكتابة”، فقلتُ له منزعجاً: “وماذا عن الوعي واللاوعي؟ ما حجم الوعي واللاوعي في ما كتب وطّار؟ وأيّهما أفضل للكاتب: أن يكتب وهو في كامل قواه العقلية، أم وهو في كامل طيشه وعربدته ومجونه وجنونه؟”.

ردَّ بهدوء: “هناك علاقةٌ داخلية إذا صحَّ التعبير – لا أُريد أن أستعمل كلمة جدلية، لأن العلاقة هنا ليست كذلك -. بالنسبة إليّ، حالةُ الوعي تأتيني في الزمن أو الفترة أو السنوات التي أقضيها في التفكير في الموضوع، في القراءة عنه، في ربط العلاقات مع الناس مِن أجله، في كُلِّ ما له صلةٌ بالموضوع الذي أُريد أن أكتُب فيه… أربع أو خمس سنوات يلعب فيها الوعي دورَه في التثقُّف السياسي وفي مراجعة ورسكلة النفس كلَّ يوم حسب الأوضاع التي تجدُّ. ولكن، عندما أجلس للكتابة، هناك ميكانيزم آخر ينهض في رأسي هو اللاوعي. أحياناً أشعر أنّ هناك شخصاً ثانياً إلى جانبي هو الذي يكتب، وأحياناً أشعر أنَّ هناك وحياً نزل عليّ… هناك خزّان رهيب ينفتح في ذهن الكاتب يمتدُّ إلى مخزوناته وإلى الكون كلّه؛ بحيث ترتبط علاقةٌ سرية خفية بين الكاتب في لحظة الإبداع وبين الكون”.

أضاف: “كما قلت، أجلس للكتابة واعياً، ثم أجدُني في حالةٍ لا واعية. وكثيراً ما يحدث، عندما أُعيد قراءة ما كتبتُ، “الحوّات والقصر” مثلاً، أن أقول: لا، هذا العمل لم يصدُر عنّي… هذا العمل كتبه مجنون. هناك شيءٌ أساسيٌّ في علاقة الكاتب بالحياة؛ فالكاتبُ ينبغي عليه أن يعيش الحياة في عمقها، ينبغي عليه أن يجلس مع الناس وأن يتخاصم معهم، أن يكون إنساناً عادياً جدّاً، ما عدا في لحظة الكتابة… في تلك اللحظة، عليه أن يرتفع إلى مقام آخر، مقام الأولياء، مقام الأنبياء ومقام الملائكة. أمّا إذا عزل نفسه عن الناس وعن الحياة، فتأتي كتاباته نحتاً من الصخر واستجداءً لما قرأه. إنَّ الحياة أكثر زخماً مِن كلِّ ما يُمكن أن يخطر على بال أحد”.

قال جمله الأخيرة بنبرةٍ فيها حسُّ شيخ طريقة صوفية. بدا لي وكأنّني أسمع موسيقى في الخلفية… أنين ناي… ضرباً خفيفاً على الدفوف وآهاتٍ معذَّبة.

ولأنّه لم يُرِد أن يُطلعني على “سرّ الإنشاء والكتابة” الذي اكتشفَه في “معهد بن باديس”، قرّرتُ أن أُفسد عليه هدوءه وأُخرّب خلوته الصوفية. سألتُه ورائحة خُبث مفضوحٍ تفوح من السؤال: “في روايتك الأخيرة، توقّفتُ مطوّلاً عند هذه الفقرة: “رأيتُني ممزَّقاً بين أنا وبين آخر غيري… نصفي ممتلئ بالقرآن الكريم والحديث الشريف وبابن عربي والمتنبّي والجاحظ… ونصفي الآخر ممتلئ بماركس وإنغلز ولينين وسارتر وغوركي”. هذا التمزُّق، أليس هو تمزُّق الطاهر وطّار الحائرِ بين الباديسية والزيتونية والماركسية؟”.

اهتزّ في مكانه وقال مِن دون تفكير: “لا”… لا جافّة، حادّة وقاطعة. ابتلع أنفاسه وأضاف: “هذا تمزُّق المجتمع الإسلامي الذي لم يهضم ما يُسمّى التنوير أو ما سُمّي النهضة الحديثة، والتي تتناقض في جوانب منها مع مكوّناته الفكرية والحضارية. وقد قلتُ في تصريح سابق إنّني أعتبرُ قتل المثقَّفين انتحاراً، هو قتلٌ للذات لأنّنا كمجتمع لم ننسجم مع العصر والزمن. أمّا النخبة المثقَّفة فقد انفصلَت عن هذا المجتمع وشكّلَت مجتمعاً ثانياً موازياً للشعب وأغلقَت الباب. هي تسبح وتبتعد عن مدار الجماهير الشعبية، وقد أثبت التاريخ أن لكلِّ أمّة قوانين تحكمها وتُسيّرها… الشعوب كالأنهار لها مساراتها وتحكمه قوانين عديدة، والنخبة، لسوء حظّها أو لحسن حظها، لا أدري بالضبط، تتلقّى النور والتنوير بسرعة خارقة للعادة، سواء بإرادتها أو خارج إرادتها؛ فهي بين باريس وغيرها مِن العواصم الأوروبية وبين عواصمها، وهي أمام شاشات الكمبيوتر والإنترنت وأمام ملايين الكتب التي تصدر كلّ يوم… وبالتالي تتحوّل إلى نخبة نظرية، إلى كائن نظري بعيد عن المجتمع. وأنا هنا أدعو إلى رسكلة المثقّف لنفسه باستمرار، بالنزول إلى المجتمع الحقيقي”.

ليست السلطةُ راضيةً عنّي؛ فهي تعتبر أنَّ تصريحاً لصالحها أهمّ من تعليم عشرين شابّاً

ما أنْ وقعت كلمة “نخبة” في أُذني حتى قرّرت أن أقرصه بها، فقلتُ له وأنا أرسم ابتسامةً عريضة وبائسة: “على ذكر النخبة، وأنا قادمٌ إليك فكّرتُ في عنوانٍ لهذا الحوار… الطاهر وطّار، الكاتب والأديب الذي خان طبقته. ما رأيك في هذا العنوان؟”.

صمت للحظاتٍ دوَّرَ خلالها السؤال في ذهنه وعيناه ملتصقتان بالسقف، ثم استدار نحوي وقال بشجاعة الجاني الذي يعترف بجريمته: “العنوان صحيح”.

صمت من جديد، ثم أضاف مُفسِّراً ومُبرِّراً: “العنوان صحيحٌ إلى حدّ ما، على الرغم من أنه ليس لي طبقةٌ محدَّدة. أنتمي إلى بورجوازية صغيرة، وهي ليست طبقةً بل فئة أو شريحة. لستُ غنيّاً… أنا رجُلٌ فقير… يمكن أن تضيف إلى العنوان الذي دار في رأسك عبارة: “الطاهر وطّار الذي يُبعد دائماً السلطة عن نفسه… الذي يضع حاجزاً بينه وبين السلطة ليتفرّغ للعمل الثقافي ومشاكله الفلسفية والفكرية”.

بدا لي بأنه بدأ يتعب، فقرَّرتُ أن أنتهز الفرصة وأُجهز عليه… حانت “ساعة النحر”.

– بصراحة، شخصيةُ الوليِّ الطاهر في روايتك سلبيةٌ، حتى لا أقول عدمية؛ فبالرغم مِن بشاعة الجرائم التي يُشاهدها ويعيشها، فإنه لا يهتزُّ ولا يستنكر.

كان يُتابع كلامي بعينيه المفتوحتَين على اتّساعهما. تردَّدتُ قليلاً ثم “طعَنتُه”: “بطلُ روايتك يُشبهك تماماً؛ فأنت خلال سنوات القتل والحرق والدم لم يصدُر عنك موقف أو استنكار. لقد فضّلتَ الصمت، فهل الوليُّ الطاهر هو الطاهر وطار؟”.

فجأةً نزل على المكان صقيعٌ مدبَّب ومؤذٍ مثل رؤوس المسامير. تَجمَّدَ الروائيُّ الكبير فوق الأريكة البنّية وغاب في ملكوت الله.

لا أعرف أين غاب، ولا المكان الذي عاد منه، لكنه عاد شخصاً مختلِفاً… عاد الطاهر وطّار حاملاً تاريخه ونضاله كلّه فوق كتفَيه. عاد وفي يده اليمنى سيفٌ وفي اليسرى “كلاشنكوف”، وفي فمه كمّية من “التفاف” تكفي لتملئ وجهي كلّه، وقال لي بلهجة مُن يخاطب أشخاصاً آخرين يختفون ورائي، أشخاصاً أرسلوني في مهمّة للإساءة الى ماضيه ومكانته:

“القول بأنَّ الطاهر وطّار شخصيةٌ سلبية خطأ… اتّخذتُ موقفاً مِن انتخابات 1992، وقلتُ إنَّ إلغاءها باطل، حتّى وإن كان في إلغائها حقٌّ، فهو حقّ أُريد به باطل. إلغاؤها كان خطأً استراتيجياً، وقد قلت هذا الكلام في حينه، وما أزال أتمسّك بهذا الرأي وأُحمِّل المسؤولية لمن أوقفوا المسار الانتخابي وتسبَّبوا في هذه الأزمة. وبالتالي لا أستطيع أن أجد نفسي في موقف واحد مع هؤلاء، لأنّني أعرف نواياهم، وقد عاشَرتُهم منذ كنتُ صبيّاً، وأعرف الكثير عنهم.

ثانياً، أنا رجُلٌ عمليّ يعرف معنى الحركة الثورية ويُؤمن بالفعل الثوري، والذي قد يكون بإبرة؛ لهذا وضعتُ نفسي في موقف هجوميّ لا في موقف دفاعي… دفاعٌ بالكلام والإدانة في القنوات الفرنسية ثمّ يتبعه هروبٌ إلى المناطق الأمنية في سيدي فرج ونادي الصنوبر. لستُ مع السلطة ولست في السلطة، ولا حماية لي، ولا أحد يسأل إن كنتُ في خطر أم لا.

منذ التسعينيات وإلى الآن، طبعتُ ما يزيد عن مائة كتاب، وعلّمتُ ما يزيد عن ألف شاب العزف على البيانو والغيتار، وأَستقبلُ كلَّ يوم عشرات الكتّاب والشعراء، وأُنظِّم كلَّ أسبوع محاضرة أو أمسية شعرية.

غير أنَّ السلطة غير راضية؛ لأنها تعتبرُ أنَّ تصريحاً لصالحها يُفيدُها أكثر من تعليم عشرين شابّاً. ولهذا أعتقد أنَّ أكثر المثقّفين إيجابيةً في العالَم العربي والإسلامي هو أنا؛ لأنّني من المثقَّفين الذين لم يحملوا السلاح مع أصحاب الرأي الآخر، وأنا مسرورٌ بهذا، ومسرورٌ لأنني لم أنزع “البيري” لكي أتمكّن من المشي والتجوُّل في شوارع العاصمة… مسرورٌ لأنّني أكتب الرواية في جبل شنوة في عز الأزمة وعز الصيف.. وأعتبر نفسي واحداً مِن هذا الشعب ومصيري مشترك معه، وأؤمن بأنه إذا كان لدى الشعب ذرّةٌ من الوعي فلن يقتُل الطاهر وطّار”.

■ ■ ■

ومات الطاهر وطّار مِن دون أن يُفكِّر “المجاهدون” مِن أجل عودة الخلافة في ضرب عنقه أو تفجير رأسه بطلقةِ “محشوشة”… مات مِن دون أن تُخطِّط “المخابرات” لإسكاته بطلقة تخرج من فوهة مسدَّس كاتم للصوت، أو بوضع قطرات من السمّ في شرابه المفضَّل.

رحل وطّار مُكرَّماً ومُعزَّزاً مِن الشعب والسلطة ووحوشهما، بعد معاناة مع المرض فوق فراشه الدافئ. رحل وهو يرسم ابتسامةً ماكرة وهازئة كابتسامة الجوكر… ابتسامة تقول: “لقد ضحكتُ عليكم جميعاً… حشيتهالكم كلّكم يا أولاد.. “.

■ ■ ■

تركتُ الكاتب الكبير و”الجاحظية” ورائي، متوجِّهاً إلى محطّة الكادحين وأنا شبه متأكِّدٍ بأنَّ “الصدام” بيننا واقعٌ لا محالة، لأنّنا كنا نَدين بدينَين مختلفَتين: كان “عمّي الطاهر” من عَبَدة “الأيديولوجيا” وكنتُ مِن معتنقي “الحقيقة”.

وبعد أن تركتُ الصحافة بخمس سنوات واختفيت من ذاكرة وطّار، اندلعَت الحرب… وتلك قصّة أُخرى.

انتهى

كاتبٌ وصحافي جزائري من مواليد 1970، خرّيج كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية في الجزائر العاصمة، مهتمٌّ بالشأنَين السياسي والتاريخي، كتبَ في عددٍ من الصحف الجزائرية. صدر له كتابان: “اليوم الأخير”  (2000)، و”مواطن لا ابن كلب.. في انتظار الخراب” (2011).

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!

قصص رائجة

معذرة, لا يوجد محتوي لعرضه!
قصص قريبة