المسلمون والغرب: أثرٌ مِن ابن رشد وابن طفيل
(جزءٌ مِن رسم متخيَّل لابن طُفيل، مِن "متحف الفنون الجميلة" في بوسطن الأميركية)

المسلمون والغرب: أثرٌ مِن ابن رشد وابن طفيل

أثار ابن طفيل إعجاب فلاسفة عصر التنوير الذين كانوا يُحاولون تعزيز الشعور بالكرامة الإنسانية في عالَم مسيحي عانى طويلاً مِن الحروب الدينية، بينما أعادت أعمالُ ابن رشد اكتشاف الإغريق في أوروبا.

في عصرٍ يطبعه القلق والغضب والخلافات بين الغرب والعالَم الإسلامي، غالباً ما يجري نسيان العديد مِن القصص التي تُشكِّل حقبةً للتبادُلات الفكرية بين ثقافاتنا.

مثالٌ قويٌّ يأتي من الأدب؛ فقد قرأ الملايين مِن المسيحيّين واليهود والمسلمين في جميع أنحاء العالم تلك الحكاية الشهيرة للرجل الذي تقطّعَت به السبل بمفرده على جزيرة “روبنسون كروزو” (1719) بقلم دانيال ديفو؛ الكاتبِ والناشط السياسي البريطاني مِن القرن الثامن عشر. قلّةٌ فقط تعرف أنّه في عام 1708، أي قبل أحد عشر عاماً من تأليف ديفو روايته الشهيرة، قام سايمون أوكلي، الباحثُ والمستشرق في “جامعة كامبريدج”، بترجمة ونشر قصّة عربية مِن القرن الثاني عشر بعنوان “حيّ بن يقظان” لأبي بكر محمد بن طفيل، المفكِّر العربي الأندلسي. وكان مارتن وينرايت، المحرِّرُ السابق في صحيفة “الغارديان”، قد أشار في مقالٍ له، إلى وجود بصمةٍ لابن طفيل في تلك الرواية الكلاسيكية العظيمة.

تدور فصول قصّة ابن طفيل حول فتىً ينشأ وحيداً في جزيرة مهجورة مع الحيوانات. وحين يكبر، يستخدم حواسه وعقله لفهم طريقة عمل العالَم الطبيعي. يستكشف حيّ قوانين الطبيعة، ويبتكر لاهوتاً عقلانياً، ويطرح نظريات حول أصل الكون. يتمكّن بطلُ الحكاية مِن تطوير حسٍّ أخلاقي؛ فبِدافع الرفق بالحيوانات، يُصبح نباتياً… وبِدافع الاهتمام بالنباتات، يُحافِظ على بذورها.

يغادر حيّ جزيرته ويزور مجتمَعاً دينياً، ليكتشف أن تعاليم العقل والدين متوافقةٌ ومتكاملة. ومع ذلك، يُلاحظ أنَّ بعض المتديِّنين قد يكونون فظِّين، بل وحتى منافقين. في النهاية يعود حيّ إلى جزيرته، حيث وجد اللهَ وطوَّر مفاهيمه عن الحقيقة والأخلاق مِن خلال الاعتماد على الملاحَظة والتفكير.

كانت رسالةُ ابن طفيل واضحةً وجريئة: يمكن للناس أن يكونوا فاضلين مِن دون دين

كانت رسالةُ ابن طفيل (110 – 1185م) واضحةً وجريئةً جدّاً في زمانها: كان الدينُ طريقاً إلى الحقيقة، لكنّه لم يكُن الطريق الوحيدة؛ فقد أُنعم على الإنسان بالوحي الإلهي، وبالعقل والضمير مِن الداخل، ويمكن للناس أن يكونوا حكماءَ وفاضلين مِن دون دين، أو ينتمون إلى دينٍ آخر.

بيعت ترجمةُ “حيّ بن يقظان” على نطاقٍ واسع في أوائل سنوات أوروبا الحديثة: بقلم إدوارد بوكوك جونيور باللاتينية عام 1671، وجورج كيث بالإنكليزية عام 1674، وسيمون أوكلي بالإنكليزية كذلك عام 1708. وكانَ من بين المعجَبين بعمل ابن طفيل عددٌ مِن فلاسفة عصر التنوير الذين كانوا يُحاولون تعزيز الشعور بالكرامة الإنسانية في العالَم المسيحي الذي عانى مِن الحروب الدينية والاضطهاد الطائفي لفترةٍ طويلة. مِن بين هؤلاء: الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا (1632 – 1677)، والفيلسوف والعالِم الألماني غوتفريد لايبنتس (1646 – 1716)، والفيلسوف والمفكِّر السياسي البريطاني جون لوك (1632 – 1804).

من بين المعجبين كذلك طائفةٌ بروتستانتية تُدعى “الكويكرز”. فبَعد ترجمة القصّة إلى اللغة الإنكليزية مِن قبل جورج كيث، أسهَم وزير “كويكر” بارز في نشرها في دوائر المثقَّفين الأوروبيّين. لقد أُعجب بالقصّة؛ لأنها تقاطعَت مع عقيدة طائفته القائلة بأنَّ لكلِّ إنسانٍ “نور داخلي”، بغضِّ النظر عن عقيدته أو جنسه أو عرقه. ستكون لهذا اللاهوت الإنساني نتائجُ سياسيةٌ عميقة، ما يجعل “الكويكرز”، في غضون بضعة قرون، قادةً لحملات تغيير العالم: إلغاء العبودية، وتحرير المرأة، وغير ذلك مِن القضايا الجديرة بالاهتمام.

حي بن يقظان

(“حي بن يقظان” بترجمة سايمون أوكلي)

ولقد تألّقَت رُؤى ابنِ طفيل، التي ألهمت “الكويكرز” (1)، في أعمال أبي الوليد محمد ابن رشد (1126 – 1198م). كان ابنُ طفيل، الذي شغل منصب وزيرٍ في بلاط ثاني خلفاء الدولة الموحدية (2)، قد كلَّفَ ابنَ رشد بكتابة تعليقات على الفلسفة اليونانية القديمة، وهي النصوص التي ستُصبِح المصدرَ الرئيسي لإعادة اكتشاف الإغريق في أوروبا، ما أكسبه مكانةً كبيرةً في التاريخ الفكري الغربي.

ومِن غير المعروف أنَّ ابن رشد سعى أيضاً إلى موافقة أفكاره الفلسفية مع الشريعة الإسلامية. وقد كانت رؤيةُ قصة ابن طفيل الفلسفية في صميم اجتهاداته: الدين والعقل كلاهما مصدران مستقلّان للحكمة. للدين قوانينُه المكتوبة، بينما تتجسَّد قوانين العقل غيرُ المكتوبة في المبادئ العالمية للعدالة والرحمة والعرفان. يرى ابنُ رشد أنه، عند وجود تعارُض بين هذين المصدرَين، وجب إعادة تفسير قوانين الدين المكتوبة، لأنها مرتبطة حتماً بسياقاتها.

رأى ابن رشد أنَّ للمرأة الحقُّ في أنْ تُصبِح قاضية وأن ترفض الحجاب وتعدُّد الزوجات

وأسقط ابنُ رشد هذه الرؤية على الجدل حول الجهاد، منتقِداً دعوة المسلمين في عصره إلى الجهاد “حتى يقتلعوا ويُهلِكوا تماماً مَن يختلف معهم”، ورأى أنَّ هذا الموقف يعكس “جهلًاً مِن جانبهم بغاية المشرِّع”، أي الله، الذي لا يُمكِن أن تكون لديه إرادةٌ معقولة بـ”الضرر الكبير” للحرب.

استخدم ابن رشدٍ، أيضاً، المنظور نفسَه لنقد إضعاف المرأة في المجتمع الإسلامي في عصره، والذي كان نتيجةَ إنكارٍ لقُدرتها الفكرية. لقد بذل قصارى جهده لتعزيز وجهات النظر الأكثر ملاءمةً للمرأة في الفقه الإسلامي: للمرأة الحقُّ في رفض تعدُّد الزوجات، والحجاب، وفي التمتُّعِ بحق متساوٍ في الطلاق، وفي أنْ تُصبِح قاضية.

كانت المساهمةُ الرئيسية الأُخرى لابن رشد في أوروبا الحديثة هي دعوتُه إلى النقاش المفتوح وتقبُّل الرأي المختلِف؛ حيث يجري التعبير عن الآراء بحرية وقياسها بعقلانية. كتب: “يجب عليك دائماً، عند تقديم حجّة فلسفية، الاستشهاد بآراء خصومك“، و”عدمُ القيام بذلك هو اعترافٌ ضمني بضعف قضيّتك“.

وقد أضاء الحاخام جوناثان ساكس، المفكِّرُ البريطاني البارز الذي فقدناه العام الماضي، على مدى إلهام رؤية ابن رشد للحاخام يهوذا بن لو بتسلئيل مِن براغ في القرن السابع عشر، والشاعر الإنكليزي جون ميلتون (1608 – 1674)، والفيلسوف والمفكّر الاقتصادي البريطاني جون ستيوارت ميل (1806 – 1873).

تمثال لابن رشد في قرطبة

(تمثال لابن رشد في قرطبة )

مع ذلك، كرِه المحافظون في الأندلُس انغماس ابن رشد في الفلسفة، واتّهموه بالشرك بعد أن استشهد بفيلسوفٍ يوناني كان من عابِدي كوكب الزُّهرة؛ فتعرَّض للإذلال والنفي وأُجبر على الحبس المنزلي. أُحرقت كتبُه في الفلسفة ونجت منها الترجمات العبرية أو اللاتينية في أوروبا. لكنَّ معظم النسخ الأصلية، المكتوبة بالعربية، تعرَّضت للضياع.

كانت لهذه الخسارة عواقبُ وخيمةٌ على المسلمين؛ فالأرثوذكسية القوية في العالَم الإسلامي – على الرغم من انتشار ضيق الأفق والتعصّبِ الأعمى في المجتمعات الأُخرى أيضاً – لا تزال تُنكِر القيَم المستخلَصة مِن “القوانين غير المكتوبة” للإنسانية: حقوقُ الإنسان، أو الحرية الدينية، أو المساواة بين الجنسَين، وتولي طاعةً عمياء للأحكام القديمة، مِن دون أن تسأل: لماذا؟ وكيف؟، ومِن دون استخدام العقل والضمير. والنتيجةُ تديُّنٌ مُقلِقٌ يعتمد على الإكراه بدلاً من الحرية، ويُولِّد المثُُل الأخلاقية بدلاً مِن الأخلاق.

لعلَّ المضيَّ قُدُماً، بالنسبة إلى العالَم الإسلامي، يكمُن في التوفيق بين الإيمان والعقل. وستكون الخطوة الأولى الجيّدةُ هي إعادة النظر في ما كان ابنُ طفيلٍ، في “حيّ بن يقظان”، وابن رشدٍ، في مجمل أعماله، يُحاولان أن يُخبرانا به.

■ ■ ■

نُشر المقال في صحيفة “نيويورك تايمز” بتاريخ الخامس مِن أبريل/ نيسان 2021 تحت عنوان “المُسلِمون الذين ألهموا سبينوزا ولوك وديفو“، وهو مقتَطفٌ من كتاب مصطفى أكيول، “إعادة فتح عقول المسلمين: عودة إلى العقل والحرية والتسامح“، الصادر حديثاً.

ترجمة عن الإنكليزية: سهام بوعباش

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامِش المترجِم

(1) مجموعةٌ مِن المسيحيّين البروتستانت أسّسها رجُل اللاهوت الإنكليزي جورج فوكس (1624 – 1691)، تقوم عقيدتُها على أنَّ المؤمنين يتلقَّون التوجيهات الإلهية من “ضوء الداخل” مِن دون الحاجة إلى وسطاء أو مساعدة خارجية أو طقوس.

(2) المقصود هنا هو أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن (1139 – 1184م) الذي حكَمَ بلاد المغرب والأندلس بين 1163 و1184م.

صحافيٌّ وكاتب وأكاديمي تركي مِن مواليد 1972. يعملُ باحثاً في “معهد كاتو” بواشنطن، ويكتب في صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية منذ 2013. مِن إصداراته: “سلامُ مِن دون متطرِّفين: قضية مسلم مِن أجل الحرية” (2011).

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!

قصص رائجة

معذرة, لا يوجد محتوي لعرضه!
قصص قريبة