المُلاكم

بدايةً من الغد، ستجد في قاعة تدريباتك ثلاثة ممثّلين هم بصدد الإعداد لمشروع مسرحية كتبتُها. لا أودّ أن يتفرّجوا عليك فحسب، أتمنّى لو تتيح لهم الاندماج أكثر في عالم الملاكمة. أن يلامسوا الحلبة وخيوطها، ويرتدوا القفّازات الكبيرة، وأن يَضرِبوا ويُضرَبوا.

المُلاكم
من عمل للفنان البلجيكي بريشت إيفانس

23 فبراير 1924

السيّد سمسون – كرونر، مرحباً

أنا برتولد بريشت، كاتب مسرحي. أقيم منذ أشهر في برلين. حضرتُ أمس مباراتك. انتصارُك كان باهراً. سأصارحك بأنّني لستُ من متابعي رياضة الملاكمة، غير أن مُلصقاً ذكياً كان على حائط في “ساحة ألكسندر بلاتز” نجح في استدراجي إلى سهرة لم أكن أتوقّعها.

لن أطيل عليك، لديّ رجاء ربما سيبدو لك غريباً للغاية: أُريد أن أُرسل إليك بعض الممثّلين. طريقتك في اللعب جافّة ورشيقة، وهو ما أطلبُه طوال الوقت من الممثّلين، لكنّني أفشل في أداء شيء قريب مما أتخيّله. أمس، اكتشفتُ أنك تجسّد على الحلبة كلّ ما أودّ إنجازه على الخشبة. إذا لم يكن لديك مانعٌ فأخبرني لعلّك تساعد المسرحيّين على أن يشدّوا انتباه الجمهور كما تفعل.

تحياتي

برتولد

12 أبريل 1924

العزيز برتولد بريشت،

أرجو أوّلاً ألّا تكون انزعجتَ من تأخّري في الردّ على رسالتك. الكتابة ليست من عاداتي، تصلني الكثير من الرسائل من المعجبات والمعجبين. لا أملك الوقت، وربما القدرة، للرد عليها. لكنّني، ومن باب الفضول، أُخصّص أمسية في نهاية كل شهر لقراءة الرسائل، أو المرور عليها بعين عابرة. لم يحدث أن أجبتُ على إحداها. في الحقيقة، كلّها رسائل لا تستدعي ردّاً. من حسن حظّك أن رسالتك مقتضبة، ومثيرة، وتستدعي منّي إجابة بشكل صريح، وليس هناك داعٍ كي أحرمك منه.

بخصوص تأخُّري في الرد، أستطيع أن أُرجعه إلى غرابة طلبك، ولعلّك اعتقدتَ أنّني بسبب هذه الغرابة لم أُجبك، أو أنّني وجدتُ الأمر تافهاً. لا، كلُّ ما في الأمر هو أنَّ الكتابة تمرين عسير. حتى كتابة بضعة سطور. جلستُ ذات أمسية للردّ على رسالتك، وبقيتُ أكتب ثمّ ألقي بالورقة بعد أن أقبض عليها بعنف، هكذا خمس مرّات. كان إهداري لكل ذلك الوقت سبباً في جعلي أحسم أمري وأكتب.

لنعُد إلى طلبك: أُعلمك بأنّ حضور تدريباتي مفتوحٌ منذ سنتَين. بالتالي يمكنك إرسال من تشاء ضمن مواعيد التدريب؛ كلّ يوم من التاسعة صباحاً إلى منتصف النهار.

أحببتُ الطريقة التي شاهدتَ بها مباراة الملاكمة، وهذا سببٌ إضافي يجعلني أجتهد قدر المستطاع لتلبية طلبك. أخبِرني فقط ما الذي تودّ مني أن أُبرزه للممثِّلين؛ تقنيات اللعبة أم تكتيكاتها؟

بطل ألمانيا، باول

14 أبريل 1924

العزيز باول سمسون – كرونر،

كم أنا سعيد بردّك. بداية من الغد ستجد في قاعة تدريباتك ثلاثة ممثّلين هم بصدد الإعداد لمشروع مسرحية كتبتُها. لا أودّ أن يتفرّجوا عليك فحسب، أتمنّى لو تُتيح لهم الاندماج أكثر في عالَم الملاكمة. أن يلامسوا الحلبة وخيوطها، ويرتدوا القفّازات الكبيرة، وأن يَضرِبوا ويُضرَبوا. هذا جزء من عملهم، وتهيئة للأدوار التي سيلعبونها بعد شهرين. حين ألتقيهم بعد بضعة أسابيع، أريد أن أرى ملاكمين لا ممثّلين.

أرجو أن يتّسع صدرك لمثل هذه الطلبات.

تحياتي القلبية

برتولد

20 مايو 1924

العزيز برتولد،

من المؤكَّد أنك تتابع تطوُّر الرجال الثلاثة الذين أرسلتَهم. واحدٌ فقط بينهم عَرَف كيف يطوّر مؤهّلاته في الملاكمة، إنه يورغن. أمّا فيليب وبيتر فلا أعتقد أنهما تعلّما شيئاً. كل ما يفعلانه أنهما يُصرّان على التدرّب بشكل ثنائي ليصبح المران تمثيلية بينهما.

ما نجحتُ فيه إلى اليوم هو أنَّ يورغن بات يصعد إلى الحلبة، وقد استوعب أنه يمكن أن يتعرّض إلى بعض الأذى من قوّة ضربات منافسيه على وجهه أو بطنه. مِن دون استيعاب هذه الفكرة لا يمكن ممارسة الملاكمة. علّمتُه الكثير من الحركات، حتى أن متفرّجاً لا يعرفه قد يوحي له بأنه ملاكم محترف. لكن لا تعوِّل عليه في مباراة حقيقية، لم أره بعد يُوجِّه لكمة، إنه يكتفي  بمحاولة الصمود أمام منافسه، والاختباء خلف القفازات.

هذا تقرير عمّا وَصَلَته الأمور. لا أدري هل لبّيتُ طلبك على الوجه الأحسن. يهمني كثيراً أن أسمع رأيك.

باول

23 مايو 1924

العزيز باول

أنا شاكر لك جهودك. على المستوى المسرحي، أنَّ كلّاً من يورغن وفيليب وبيتر قد استفادوا. عرفوا بيئة الملاكمة، وكيف يتحدّث الملاكمون، وماذا يفعلون. لكنهم بعيدون جداً أن يكونوا ملاكمين، بعيدون جداً أن يمنحوني نفس تلك الأحاسيس التي أشعر بها وأنا أشاهدك تتصارع على الحلبة مع ملاكم آخر.

صحيح أنهم جميعاً قد نجحوا في تقليد حركاتك، لكن لا أحد منهم كان يتصبّب عرقاً أو تلمع عيناه حين يكتشف ثغرة تركها له الخصم. هم يجتهدون كي يثبتوا لي أنهم تمكّنوا من كل مفردات الملاكمة، وأنهم لو جسّدوا شخصية ملاكِم فسيؤدّونها على أكمل وجه.

سأُخبرك بما لم أقُله لهم إلى اليوم. ليس لديَّ في المسرحية القادمة شخصية ملاكِم. أنا فقط في حاجة إلى من ينقل روح المعارك في أدائه، لا فرق بين معارك الحلبة ومعارك الحياة. كما أنّني أستلهم من الملاكمة فكرة أُخرى مهمّة للمسرح، وهو أنَّ الملاكم لا يبحث عن إقناع الجمهور بشيء ما. إنه يؤدّي دوره على الحلبة، وكفى. على الممثل أن يؤدّي دوره على الخشبة بنفس الروح. هذا كلّ ما في الأمر.

برتولد

 

27 مايو 1924

عزيزي برتولد

أطربني حديثُك عن الملاكمة والمسرح في رسالتك الأخيرة. ولولا أنّك أخبرتني بعدم وجود شخصية ملاكم لاقترحتُ عليك أن أؤدّي أنا الدورَ في حال لم ترضَ عن تدريبي للممثّلين الثلاثة.

بالمناسبة، صرتُ أتابع ما يُكتب عنك في الجرائد. يقوون إنّك كاتبٌ مسرحي لامع تقترح أفكاراً جديدة على جمهور المسرح. اسمح لي أن أقول لك إنّ الملاكمة تفيد المسرح، لكن المسرح لا يفيد الملاكمة. في مباراتي الأخيرة، تذكّرتك وأنا فوق الحلبة. تساءلتُ انطلاقاً من ملاحظاتك: أيَّ متعة أُقدّمها كملاكم لهؤلاء الحاضرين؟ في تلك اللحظة وصلَتني تسديدة الخصم وأسقطَتني أرضاً.

بعد يومين، راجعتُ كلّ ما حدث في ذهني، وبتُّ أعتقد بأن على الممثّل، هو الآخر، ألّا تكون في ذهنه أفكار كبيرة وهو يؤدّي دوره على الخشبة. عليه ألّا ينتبه إلى الجمهور، ربما عليه ألا يفكّر. لا أدري.

بعد هذه الهزيمة، بدأتُ أفكّر في نهايات مشواري الرياضية. ليس الأمر متعلّقاً بالهزيمة في حدّ ذاتها فهي واردة، بل لأنّني دخلتُ مرحلة من العمر ينبغي أن أفكّر فيها في مستقبلي ما بعد نهاية الأمجاد والأضواء.

بحسب ما أقرأ في الجرائد، لديك مستقبلٌ مفتوح على أمجاد فنية كُبرى، لستُ أمزح حين أقول لك: ربما تجد لي أدواراً في مسرحياتك مستقبَلاً كي أستمر تحت الأضواء.

باول

1 يونيو 1924

الصديق الغالي باول

لامَسَت كلماتُ رسالتك الأخيرة قلبي، ربما كما لامسها أداؤك في أوّل مباراة شاهدتُها لك. تؤسفني هزيمتك الأخيرة، لكنّني لا أودّ أن تُحوّلها إلى تراجيديا. أنت ملاكم بارع.

حين أعود بالذاكرة إلى ذلك اليوم الذي رأيتك فيه على الحلبة، أستحضر أنّني قلتُ لنفسي: أي حضور ذهنيّ يحتاجه الملاكمون؟ أيُّ سهو أو خطأ في التقدير يقود إلى هزيمة. على التحفّز والانتباه أن يظلّا في أعلى الدرجات وإلّا انهار كل شيء. هذه هي الأفكار التي كانت تدور في ذهني، وها أنها تقفز مجدَّداً وأنت تشرح لي ما دار في رأسك خلال آخر مباراة.

أجد في كلامك بعض اللوم على نزعتي التنظيرية التي قد تُفسد أداء الممثّلين، وأنا أشاطرك بعض هذا الرأي. لكنّني أرغب في تحويل المسرح إلى لعبة أكثر عمقاً. لا أودّ أن يصعد الممثّل إلى الخشبة كي يقلّد ويحاكي، بل أريده أن يلعب مباراة ملاكمة. هل فوّضك أحد كي تمتّع الناس؟ نفس الشيء، لا أحد يفوّض رجال المسرح كي يُقنعوا الناس بفكرة أو أن يدخلوهم في حالة شعورية. أودّ من الممثّل أن ينتقل بالمتفرج إلى حالات شعورية لم يختبرها. وجدتُ أنك تفعل ذلك. حين كنتُ جالساً داخل ضجيج أنصارك، شعرتُ بالمتعة وأنت تحسم فوزك بأقل جهد. لكنّني لم أشعر بأنّني بطل مثلك.

لا تعتقد أنّني أريد أن أكتب مسرحاً جافّاً يعيد رمي الواقع في وجوه الناس. بالعكس، أودّ لو أوقظهم من الواقع.

أنتظرك في المسرح متى شئت الحضور. لعلّك ممثّل بارع. لاحِظ أنّني لا أستطيع أن أقطع الطريق في الاتجاه المعاكس. لا يمكن أن يكون بريشت ملاكماً. أمّا السيد سمسون – كرونر، فلا شيء يقف في طريقه. ربما، علينا فقط أن نفكّر كيف سنمحو من أذهان الناس أنك ملاكم بارع.

تصوّر إجابات عن هذا السؤال وأنت في طريقك إلى عالمنا.

بيرتي

كاتب صحافي وباحث من مواليد تونس عام 1983، مقيم في فرنسا. يعمل محرّراً في القسم الثقافي لصحيفة “العربي الجديد”. يُعدّ حالياً أطروحةً في “جامعة لورين” حول تقاطعات الصحافة بالكتابة الإبداعية من خلال منهجيات السيميولوجيا ونظرية الأجناس.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!

قصص رائجة

معذرة, لا يوجد محتوي لعرضه!
قصص قريبة