النسخة الأم للموت
البياضُ مجددًا. امرأةٌ مُسجّاة على السرير/ جسدٌ متعبٌ من حملي، وحملِ كلِّ من جاء بعدي وقبلي. بلا لغة، أردتُ أن أقول: أمّي. لكنّها أقدم من فمي، ومن الكلمات.
أنفضُ عن صدريَ الموت،
وقبل أنْ أنهضَ من قبري؛
أُعيدُ للديدانِ أسماءها.
باسمي المستعاد، أمضي إلى حنينٍ قديم
يقودني من يدي إلى قيامةٍ جديدة.
كلما ابتعدتُ عن المقبرة،
سقط من عمري الطويل عامٌ.
في رأسي تنبتُ وجوهٌ،
وأسماءٌ،
وها أنا ذا في البياض،
ولستُ بين من أريد.
“جدّي”
” أبي”
“زوجي”
التفتُّ لنداءاتٍ طارئة، وشككتُ حتى في أنني المقصود.
صغُرتُ حتى اسودَّ شيبي،
وسقط وجهي،
أصدقائي،
مفاتيحي،
لغتي؛
لكنَّني، للوراء، أتلمسُ وعورةَ الخُطى الأولى.
وفي طريقي إلى شيءٍ أقدم من الذّاكرة،
أصغُرُ أكثر…
البياضُ مجددًا.
امرأةٌ مُسجّاة على السرير
جسدٌ متعبٌ من حملي،
وحملِ كلِّ من جاء بعدي وقبلي.
بلا لغة، أردتُ أن أقول: أمّي.
لكنّها أقدم من فمي،
ومن الكلمات.
ها هي تمدُّ ذراعها.
ها أنا أتكئُ،
أصغُرُ
حتّى تسعني راحتها
وتُطوى عليَّ
كما تطوي الأرض نفسها على بذرةٍ.
وفي الدفء الذي لم يكن حين نشأتُ،
ولا في النداءات الأولى،
وجدتُ قبري؛
لأستلقي
أخيرًا
هناك
عاريًا،
في الجنّة التي خرجتُ منها إلى العالم،
حيث لا أسماء،
ولا وجوه،
ولا خوف،
حيث كلُّ شيءٍ
يشبه الموت اللذيذ.
شاعر وكاتب روائي من المملكة العربية السعوديّة. صدرت له رواية بعنوان “ترف الانكفاء” (دار الآداب، 2025).