الهجرة السرّية… أوقفَتها آمال الحَراك وأعادتها خيباته
(مِن أحد شوارع وهران، مارس 2019 – تصوير: حمزة بوحارة)

الهجرة السرّية… أوقفَتها آمال الحَراك وأعادتها خيباته

مِثلما عكَس توقُّفُ الظاهرةِ خلال ستّة أشهر حجم الآمال التي عقدها الجزائريّون عند بدايات الحَراك الشعبي، فقد كانت عودتُها مؤشّراً إلى مدى اليأس الذي تملّك كثيراً منهُم بسبب مُضيّ النظام في تجديد نفسه.

في الجمعة الثانية من الحَراك الشعبي، التي صادفَت الأوّلَ مِن مارس/ آذار 2019، لفتَت مجموعةٌ مِن الشباب الأنظار في شوارع مدينة وهران، حين اصطحبت معها إلى المظاهرات زورقاً صغيراً أرفقَته بلافتة كُتِب عليها: “أخبار سارّة: هذا آخر بوطي”.

كانَ ذلك بمثابة وعدٍ بتوقُّف قوافل المهاجرين السريّين التي تنطلق مِن سواحل الجزائر، بعد أن أعاد الحَراكُ الأملَ إلى نفوس مواطنِيها.

وبالفعل، اختفت أخبارُ الهجرة السريّة تماماً في الأسابيع الأولى التي تلَت تلك الجمعة؛ سواء تعلّقت باعتراض حُرّاس السواحل زوارق “الحرّاقة” في عرض البحر، أو توقيف مواطنِين يتأهّبون للإبحار سرّاً، أو بنجاح أو فشلِ آخرين في الوصول إلى الضفّة الشمالية مِن المتوسّط.

وكان مِن الطبيعي أن يُربَط اختفاءُ الظاهرة المفاجِئُ بعودة الأمل إلى الشباب في رؤية جزائر تتوّفر فيها الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية، كما في البلدان التي يحلمون بالعيش فيها، ويُغامِرون بأرواحهم في سبيل الهجرة إليها.

سنوات بوتفليقة

تُمثّل موجات الهجرة السرّية إحدى مظاهر اليأس العام في الجزائر خلال حُكم عبد العزيز بوتفليقة الذي خرج الحَراك الشعبي مِن أجل إسقاطه.

ولعلَّ مِن الطريف، في هذا السياق، أنَّ الوزير الأوّل الجزائري السابق عبد المالك سلّال فسَّر، في خطابٍ له أمام نوّاب البرلمان في 2014، توجُّه الشباب إلى الهجرة برغبتهم في “التنفُّس”، في اعتراف غير مباشرٍ بالوضع الخانق الذي يعيشه الجزائريون بسبب فشل حكومته والحكومات التي سبقتها في توفير حياةٍ كريمة لهُم.

ومِن المعروف أنَّ ظاهرة الهجرة السرّية بدأت مع أولى سنوات الألفية الجديدة، بالتزامُن مع وصول بوتفليقة إلى الحُكم.

قبل ذلك، كانت “الحرقة”، بالتعبير العامّي، مرتبطةً بالهجرات الفردية عن طريق المغرب نحو إسبانيا أو عن طريق ليبيا نحو إيطاليا، أو عن طريق التسلُّل إلى الموانئ ومِن ثمَّ إلى البواخر التجارية المُبحِرة إلى أوروبا. وكثيراً ما وجد مهاجرون سرّيون أنفسهم في بلدان لم يكونوا يقصدون الذهاب إليها، بسبب تسلُّلهم إلى بواخر لا يعرفون وجهاتها.

غيرَ أنَّ موجات “الهروب” الجماعي التي بدأت مع حُكم بوتفليقة لن تنتهي بمجرّد مغادرته الحُكم؛ فقد توقَّفت الظاهرة بشكل مؤقَّت فقط، قبل أن تعود أخبار الهجرة السرّية لتملأ وسائل الإعلام ومواقع التواصُل الاجتماعي ابتداءً مِن سبتمبر/ أيلول 2019.

وفي هذا السياق، تُشير الأرقام الرسمية إلى إحباط 720 محاولةً للهجرة السرّية انطلاقاً مِن السواحِل الجزائرية خلال هذا الشهر فقط.

أوقات عصيبة

ومِثلما عكَس توقُّفُ الظاهرةِ خلال ستّة أشهر حجم الآمال التي عقدها الجزائريّون عند بدايات الحَراك الشعبي الذي طالَب برحيل جميع وجوه نظام بوتفليقة، فقد كانت عودتُها مؤشّراً إلى مدى اليأس الذي تملّك كثيراً منهُم بسبب مُضيّ النظام في تجديد نفسه مِن خلال الذهاب إلى انتخابات رئاسية بدت كلُّ المعطيات غير مواتية لتنظيمها بشكلٍ نزيه وديمقراطي.

وكان قائد أركان الجيش الوطني الشعبي الراحل، أحمد قايد صالح، دعا خلال خطابٍ له في الثاني مِن سبتمبر/ أيلول 2019، إلى استدعاء الهيئة الناخبة، قبل أن يُوقِّع رئيس الدولة آنذاك، عبد القادر بن صالح، مرسوم استدعائها في الخامس عشر من الشهر نفسه، مُحدِّداً يوم الثاني عشر من ديسمبر/ كانون الأوَّل مِن السنة نفسها تاريخاً لإجراء الانتخابات الرئاسية.

ومِن اللافت أنَّ تلك الفترة شهدت، أيضاً، ظهور سلوكاتٍ غريبة وشعاراتٍ غير التي رُفِعت في بداية الحراك؛ حيثُ برزت في مدينة وهران مجموعاتٌ معروفةٌ بقُربها مِن الأوساط الإجرامية راحت تعترض المظاهرات وتعتدي على المشارِكين فيها وهي ترفَع صُوَر قايد صالح.

وتزامَن ذلك مع تغيير الشرطة طريقة تعامُلها مع المظاهرات السلمية في وهران؛ حيث سُجِّلت خلال سبتمبر/ أيلول 2019 موجةٌ كبيرة مِن الاعتقالات في صفوف المتظاهرين.

زوارق أُخرى

بينما كان الزورق الذي يحملُ لافتةً تُبشِّر بانتهاء زمن الهجرة السرّية إلى أوروبا راسياً في وهران، كانت زوارقُ أُخرى تنطلق مِن السواحِل الجزائرية حاملةً المزيد من الباحثين عن حياة أفضل في الضفّة الأُخرى مِن المتوسّط.

بدا أنَّ الظاهرة عادت بأقوى ممّا كانت عليه في السابق؛ حيث دخلت الخدمةَ زوارقُ سريعة تقطع البحر المتوسّط في أقلّ من أربع ساعات، مقابِل أسعارٍ تصل إلى أربعة آلاف دولار أميركي.

وحسب أرقام مصالح الهجرة في إسبانيا، فقد سُجّل وصول 3559 مهاجر سرّي جزائري إلى السواحل الإسبانية في 2019، بينما سيتضاعف هذا الرقم ثلاث مرّات في 2020 ليصل إلى 10930 مهاجر سرّي.

وفي 2020 أيضاً، اعترضت بوارج حرّاس السواحل 8000 مهاجرٍ في عرض البحر، حسب إحصائيات وزارة الدفاع الجزائرية، بينما وصل 1458 مهاجر سرّي جزائري إلى سواحل إيطاليا، وفق إحصائيات مصالح الهجرة الإيطالية.

ووفق أرقام “الوكالة الأوروبية لمراقبة وحماية الحدود الخارجية”، فقد بلغ عدد المهاجرين السرّيين الجزائريّين إلى أوروبا في 2020 قرابة 13 ألف مهاجر، وهو رقمٌ يضع الجزائر في المرتبة الثانية مغاربياً في مجال الهجرة السرّية بعد المغرب (قرابة 17 ألف مهاجر سرّي).

صحافي جزائري مِن مواليد 1959 في بني ورثيلان بسطيف. خرّيج معهد العلوم السياسية والإعلامية بجامعة الجزائر سنة 1985. بدأ العمل الصحافي مِن صحيفة “الشعب” في نفس السنة. وبعد استقراره في وهران سنة 1989، انتقل إلى “المساء”، ثم “الخبر” منذ 1997.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!

قصص رائجة

معذرة, لا يوجد محتوي لعرضه!
قصص قريبة