انقلاب 1965 في الجزائر… بين الثورة والأممية المواقفية
(الرئيس أحمد بن بلّة يتحدّث إلى الكولونيل هواري بومدين في ملعب بالجزائر العاصمة، 10 سبتمبر 1962 - تصوير: فرناند باريزو)

انقلاب 1965 في الجزائر… بين الثورة والأممية المواقفية

تحت عنوان "دعوة إلى ثوّار الجزائر وكلِّ دول العالم"، وزّعت حركة "الأُممية المواقفية" منشوراً في الجزائر العاصمة بُعَيد انقلاب بومدين على بن بلّة. تُتيح الأرشيفات تعقُّب تاريخ كتابة وتوزيع هذا المنشور.

في التاسع عشر مِن يونيو/ حزيران 1965، أطاح هوّاري بومدين بالرئيس الجزائري أحمد بن بلّة وشنّ موجة قمع على اليسار. يومذاك كانت “الأممية المواقفية” على وشك نشر نقد لاذع للنظام من خلال “دعوة لثوّار الجزائر وكل الدّول”. تكشف الأرشيفات قصّة هذا المنشور الشهير وكيف جرى توزيعه بشكل سرّي في ظل سياق مضطرب.

 

للوهلة الأولى، لا تبدو جليّةً تلك العلاقة بين “الأممية المواقفية” وانقلاب الكولونيل هوّاري بومدين على الرئيس أحمد بن بلّة في التاسع عشر من يونيو/ حزيران 1965. متأثّرِين بالسريالية وبحركة دادا، أسّس المواقفيّون، نهاية الخمسينيات مِن القرن الماضي، نظريةً ثوريةً سعَت لأن تكون عالمية. بالموازاة مع إدانتها “مجتمع الاستعراض”1 في الدول الرأسمالية، حملت هذه النظرية أيضاً نقداً للدول الشيوعية ودول العالم الثالث.

في فرنسا، احتكّ المواقفيّون بالعمّال والطلبة المهاجرين مِن شمال أفريقيا، ووقفوا إلى جانب النضال ضدّ الاستعمار، مع انتقادهم البعدَ القومي لهذا النضال2. تواصَل التزام المواقفيّين المناهِضُ للاستعمار حتى بعد الاستقلال، وذلك مِن خلال نصوص تنادي إلى تحقيق ثورة اشتراكية داخل البلدان التي تخلّصَت لتوّها من الاحتلال.

ولا شكَّ في أنّ “دعوة إلى ثوّار الجزائر وكلِّ دول العالم” هو أبرز نصوصهم. في أدبيات حركة الأُممية المواقفية، غالباً ما تجري الإشارة إلى هذا المنشور الذي وُزِّع في الجزائر العاصمة خلال الأسابيع التي أعقبت انقلاب بومدين. لكنّنا لا نملك إلاّ النزر القليل حول مدى تأثيره في الجزائر. يَسمح الاطّلاع على أرشيف المواقفي التونسي مصطفى الخياطي – المحفوظ في “مكتبة بيانكي” بـ”جامعة ييل – والرسائلِ غير المنشورة لطالب جزائري، بتعقُّب تاريخ كتابة وتوزيع هذا المنشور.

 

“تكفي مشاهدة البرجوازيّين وهُم يستمتعون”

«رجعي!»، يجيب بعصبية طالبٌ عاصمي عن سؤال صحافي التلفزيون الفرنسي. صوتُه متوتِّر وها هو يعضّ شفتيه. يواصل كلامه بانفعال: «طريقة [الانقلاب] فاشية محضة، وتبعاتُه ستأتي لا محالة. يكفي مشاهدة البرجوازيين وهم يستمتعون». شجاعةٌ لا تُصدَّق لهذا الشاب الذي لن يُعرَف مصيره. لكنّه ترك لنا أرشيفاً مذهلاً. لقد عبّر صراحةً عن معارضته الانقلاب، متوجِّها بكلامه إلى صحافي أجنبي. كلُّ هذا مِن دون أن يلمّع أفكاره، ومستعملاً مفردات ماركسية.

تصريحاته هذه تتعارض مع الاعتقاد السائد حول حقبة “الأفلان” (حزب جبهة التحرير الوطني). يقيناً، كان هنالك “الحزب الشيوعي الجزائري” و”الحركة الوطنية الجزائرية” (MNA) المحظوران، التيارات المنشقَّة التي أسّسها حسين آيت أحمد ومحمد بوضياف، لكن كان هنالك خاصّةً تنوُّع داخل حزب “جبهة التحرير الوطني” نفسه. فمنذ 1962 وإلى غاية 1965، كان “الأفلان” يتشكّل مِن جناح يساري يُمثّله على وجه الخصوص محمد حربي وحسين زهوان.

كان لبن بلّة أيضاً مستشارون ينتمون إلى اليسار المتطرّف؛ على غرار التروتسكي اليوناني ميشال رابتيس (Michel Raptis) المدعو “بابلو”، وهو مِن مؤسِّسي الأممية الرابعة، وأيضاً التروتسكي المصري لطف الله سليمان. ومِن دون المبالغة حول مدى انتشارها، يُمكننا الافتراض بأنّ الأفكار اليسارية شملت المجتمع أيضاً، وبخاصّة بين الطلّاب المنتمِين إلى “الاتحاد الوطني للطلبة الجزائريين” (UNEA) المرتبط بـ”الحزب الشيوعي الجزائري”.

بعد 132 سنة من الاحتلال، كان ثمانون بالمئة من الجزائريّين أميّين، وجزءٌ كبير من السكّان يعيش في فقر مدقع. كان لزاماً إعادة بناء كلّ شيء في ظلّ تصارُع نماذج عليا مختلفة. وهذا مثالٌ عن حالة الغليان السياسي التي عاشتها العاصمة آنذاك: في 8 مارس/ آذار 1965، حوّلَت عاصمياتٌ استعراضاً رسمياً إلى مظاهرة مطالِبة بالمساواة في الحقوق. وتحت ضغط هؤلاء المتظاهِرات، التزم بن بلّة بهذا المطلب خلال خطابٍ له في “قاعة الماجستيك” بباب الواد3.

قبلها، وفي ديسمبر/ كانون الأوّل 1964، أعرَب الفلّاحون صراحةً عن امتعاضهم خلال مؤتمر فدرالية عمّال الأراضي. قال مندوب ولاية سعيدة: «منذ شهرَين، لم تتلقّ ثلاثة وستّون مزرعة مستحقاتها. هناك عمّال يبيتون في العراء، في حين أنَّ بعض الإطارات تمتلك عشرة منازل (…). لقد طلبَت منّي ثلاثة وستّون لجنة إدارية بأن أقول بأنّنا لا نزال مستعمَرين من طرف البرجوازيّين»4.

طيلة السنوات الأُولى من الاستقلال، كان اليسار حاضراً في الصحافة مِن خلال الجريدة الأسبوعية الناطقة بالعربية، “المجاهد”، لصاحبها لمنور مرّوش، ويومية “آلجي سو سوار” الناطقة بالفرنسية لمحمد بودية، و”ريفوليسيو آفريكان” التي كان مديرها محمد حربي.

كان اليسار في عهد بن بلّة يُشكّل أقلية قبل أن يجري قمعه مع وصول بومدين إلى السلطة

على موجات الراديو، هذه الوسيلة الإعلامية الجماهيرية بامتياز، كان بإمكان الجزائريّين الاستماع إلى الشاعر جان سناك، صاحبِ البيت الشعري الشهير “جميلة مثل لجنة تسيير”، وإلى المداخلات الهزلية لميشال بابتيس (منظّر التسيير الذاتي)، وإلى برامج فضيلة مرابط وموريس طارق ماشينو حول وضعية المرأة. بتعبير آخر، كان الجمهور على تواصُل مباشر، وعلى نطاق واسع، مع الأفكار الثورية. ومع ذلك، كانت هنالك وجهتا نظر تجاه الاشتراكية تتصارعان داخل بيت الأفلان: مِن جهة، التيار اليساري الأُممي، ومِن جهة أُخرى الجيش والمحافظون الذين كانوا ينظرون بعين الريبة إلى هذه “العالمية” (cosmopolitisme)، وكانوا ينادون إلى اشتراكية تحترم “القيم التقليدية” الجزائرية. رفضوا الفكرة الماركسية عن صراع الطبقات لصالح فكرة شعب موحَّد بتاريخه وبهويته. كان اليسار في عهد بن بلّة يُشكّل الأقلية قبل أن يجري قمعه علانيةً مع وصول بومدين إلى السلطة.

في أطروحته (التي ستُنشَر)، كتب ياسين تملالي: «في ظلّ التعايُش الصعب بين الجيش وأحمد بن بلّة، كانت مخفيةً تلك الانتقادات الموجَّهة لعالمية الاشتراكية البن بلّية واتهامها بعدم الأصالة، قبل أن يتم الإفصاح عنها بوحشية بمجرَّد الإطاحة به. هكذا، وفي خطاب ألقاه هواري بومدين بتاريخ 30 يونيو/ حزيران 1965، سينتقد بشدّة اللجوء إلى مستشارين غير جزائريّين وصفهم بـ”المغامرين”، مؤكّداً على أنَّ الجزائر “لم تكن بحاجة إلى مرشِدين أجانب يعطونها دروساً حول كيفية بناء الاشتراكية“»5.

في مذكّراته المصوَّرة، يتكلَّم المؤرّخ محمد حربي6 عن الأشهر التالية لانقلاب 19 يونيو/ حزيران بوصفها مرحلةَ نضال نشِط. دفع انقلاب بومدين بمختلف توجُّهات اليسار الجزائري، وبالتحديد الشيوعيّين وما كان يُسمى بـ”يسار الأفالان”، للعمل معاً في السرية ضمن “منظمة المقاومة الشعبية” والمعروفة اختصاراً باسم (ORP).

نقرأ في أحد منشورات المنظمة، فوق إمضاء حسين زهوان: «أيها الشعب الجزائري! متوهِّمٌ هو مَن ينتظر من نظام عسكري تأسَّس على السيف ودم أولاد الشعب، حياةً سياسية ديمقراطية (…) هذا النظام المقطوع عن شعب العمّال، والحذر تجاهه بشكل جذري، لا يستطيع أن يحكم سوى بالكذب والديماغوجية والقمع».

قُمِعت المظاهرات التي نظمّها الطلبة ضدّ الانقلاب، ثم تلت ذلك موجةُ اعتقالات واسعة وتعذيب لمناضلي اليسار. وفي هذا السياق المتفجِّر وُزّعت نُسخ من “نداء إلى ثوّار الجزائر وكلّ العالم”.

 

“سيُبنى كلُّ شيء من جديد”

قبل أن يُنشَر في نشرة المواقفية الأممية، وُزِّع هذا النصُّ مجهولُ الإمضاء في الجزائر العاصمة وفي عدّة عواصم أوروبية عام 1965. تُظهِر المراسلات بين مصطفى الخيّاطي أنّه كتبَ النصَّ بين ستراسبورغ -حيث كان يدرس- وباريس، بالتعاون مع غي ديبور. كان المواقفيون يمارسون “شيوعية أدبية” تُترجَم بتحرير جماعي للنصوص غير المُمضاة. وتُظهر المراسلات أن المواقفيّين عوّلوا كثيراً على هذا النص7. ستُترجَم “الدعوة” إلى عدّة لغات (الإنكليزية والألمانية والإسبانية العربية)، حتى تكون “مقروءة في كلّ الكوكب”، حسب تعبير ديبور الذي كان مهتمّاً جدّاً باستراتيجية الاتصال لدى جماعته.

لم يكُن اختيار نشر النص في الجزائر شهرَ يونيو/ حزيران 1965 اعتباطياً. فالمدينة كانت تتحضَّر لاستقبال “المهرجان الدولي للشباب” تحت شعار “تضامناً مع الشبيبة والشعب الجزائري المناضل مِن أجل تشييد اشتراكية الجمهورية الديمقراطية الشعبية الجزائرية”. لكنَّ إلغاء هذا الحدث لم يمنع توزيع المنشور في الفورة السياسية التي تلت انقلاب بومدين.

دعوة إلى ثوّار الجزائر

(غلاف كتاب “الأممية المواقفية: دعوة لثوّار الجزائر”)

“ثوّار الجزائر” في العنوان هم المناضلون والفاعلون السياسيّون الذين يساندون ثورةً اشتراكية. ويجب، هنا، توضيح نقطة مهمّة، وهي أن النقد المواقفي لـ”القناع الثوري” للدولة الجزائرية كان موجَّهاً في البداية ضدّ حكومة بن بلّة؛ حيث أنَّ قراراته لم تكن دائماً تتبع توجيهات مستشاريه اليساريّين، زِد على هذا أنَّ قطاع التسيير الذاتي كان في أزمة. كان المواقفيّون، إذاً، ينتقدون المثقّفين الذين كانوا يؤمنون بتحقيق التسيير الذاتي في إطار دولاتي.

“سيُبنى كل شيء من جديد” كان العنوان الرئيسي للمنشور. ولكن غي ديبور اقترح “دعوة إلى ثوّار الجزائر وبقية بلدان العالم” كعنوان فرعي. غير أنَّ تطوُّر مسوّدة المنشور يذهب في ناحية طرح عالمي للمحتوى. حيث سيُقاطع كتبة المنشور بين عدّة محاولات ثورية في العالَم “حركة تحرير السود” في الولايات المتّحدة، الطلبة اليابانيون، القمع في سانت دومينغو، اغتيال باتريس لومومبا في الكونغو، النضال ضد فرانثيسكو فرانكو في إسبانيا…

يُظهِر المنشور، في كلّ هذه الأمثلة، شُحّ تضامُن الدول التي تُسمّي نفسها اشتراكية. الثورة، مثلما يؤكّد المنشور، لا يمكن لها أن تتمّ سوى على المستوى العالمي وخارج الإطار الدولاتي. «ثوّار في كل مكان، ولكن لا وجود للثورة»، يكتبُ المواقفيون بفنِّ الصياغة/ الصدمة الذي يتقنونه. الاشتراكية، يؤكّدون مَرّةً أُخرى، «لا توجد لا في روسيا ولا في الصين ولا في أي مكان آخر».

بشكل أوسع، يتضمَّن البيان نقداً للحزب الشيوعي، ولكن أيضاً للتروتسكيّين الذين يرون أنَّ الاتحاد السوفييتي كان “دولة عمّالية مُحوَّرة”، في الوقت الذي يُصنّفه المواقفيون في صفّ “رأسمالية الدولة”، تماماً مثل الصين ودول العالم الثالث.

 

“النقاش معهم محبِط”

«في مقابل الاحتجاجات الثورية المتقطعة والمتفرّقة، هناك قمع عالمي مُنظَّم». النفي جذريٌّ والمنشور لم يأتِ سوى لتأكيد “هزيمة المشروع الثوري” على المستوى العالمي، ويطمح إلى “نظرية ثورية جديدة”8. فيغامر على أراض أكثر تجريبية، مُشيراً إلى “تحرير الحياة اليومية” أو مثلاً إلى “المحتوى المُحرِّر” لعلم النفس التحليلي.

أمّا مسألة استعادة “الواقع”، فقد عُبِّر عنها بالألفاظ التي طوَّرها ديبور في مجتمع الاستعراض. الاستعراض هو استعراض الاستهلاك في البلدان الرأسمالية، ولكن أيضاً “الاستعراض المركَّز” والذي يُجسّده “الزعيم الأوحد” في البلدان النامية.

وأضاف المواقفيّون فقرتَين لشرح هذه المصطلحات في النُّسَخ المنشورة في الأممية الاشتراكية، مُرفقاً بصورتَين، الأولى لـ”قائد الشعب” الأندونيسي أحمد سوكارنو في بزّة “نجم سينمائي مُغوٍ”، والثانية صورة من مجلّة “LUI” تُظهِر مجموعةً من الأدوات التي تُمثّل رجل الأعمال.

بعد انقلاب 19 يونيو/ حزيران 1965، لم يتراجع المواقفيّون عن رأيهم: سقوط بن بلّة يؤكِّد، حسبهم، النقد الذي وجّهوه للقناع الثوري في بلدان العالم الثالث. وهذا ما تشير إليه الفقرة التي أضافوها في عُجالة الأحداث الأخيرة. كاميرات العالَم كلِّه موجَّهةٌ إلى العاصمة الجزائر خلال الأشهر التي تلت الانقلاب. ممّا يجعل منها “أكثر مدينة مناسِبة لتوزيع المنشور”، كما عبّر ديبور، في إحدى رسائله للخياطي، بحماس.

أُرسِل المنشور إلى نصري بوشمال، وهو طالب جزائري في ستراسبورغ، ليوزّعه في الجزائر. كما تمّ الاحتياط حتى لا يقع المنشور في يد الشرطة في لحظةٍ تفجَّر فيها القمع.

أُخفي المنشور وسط أوراق دروس المحاضرات؟ تمنحنا رسالة مِن نصري إلى الخياطي، بتاريخ 8 يوليو/ تمّوز 1965، شهادةً ثمينة عن الجوّ في العاصمة. يقول: «الشيوعيّون يساندون بن بلّة، ولكن يُعوّلون على التناقضات الداخلية للمجلس الوطني للثورة وعلى حدث جسيم مُرتقَب يُشعل النار في البارود. النقاش معهم مُحبِطْ: لا تخرُج منهم بشيء».

تُواصِل الرسالة بنفس النبرة المُحبَطة، مؤكّدةً بأنَّ أولئك الذين لا يتحسّرون على بن بلّة يؤكّدون بأنَّ «مَن جاء لن يكون أسوأ ممّن راح”. رغم أن القمع ملموس: “أعضاء اللجنة التنفيذية والاتحاد الوطني للطلّاب الجزائريّين يقبعون في السجون أو في المستشفيات (بسبب التعذيب) أو دخلوا السرية“، يكتب نصري، قبل أن يختم: “الوضع ضبابي: أظنّ أنَّ الأمور قد استتبّت للسلطة الجديدة. دوريات الجيش لا تظهر سوى مع حلول الليل».

 

“ثوريتهم مُحافِظة”

من جهته، تابع ديبور توزيع المنشور والأصداءَ الإعلامية… شبهَ المُنعدمة. حيث قرأ، بالكاد، الإشارة إلى “نص غير مُحدّد” في صحيفة “لوموند” الفرنسية. رغم التغطية الصحافية الضعيفة، تساءل ديبور عمّ إذا كان محمد حربي قد أوقِفَ بسبب شكوك حول كونه كاتب المنشور.

حربي، المنخرط في السرية مع “المنظّمة الثورية الشعبية”، كانت له أسبابه الخاصة التي أدّت إلى توقيفه. أمّا نصري بوشمال فقد واصل في رسائله إلى الخيّاطي وصف القمع الذي مورِس على اليسار ومناضليه. في أكتوبر/ تشرين الأوّل 1966، يكتب بوشمال عن أزمة ثقة وعدم اهتمام من طرف السكّان تُجاه السياسة: «أكثر جملة تتردّد هي “كلُّهم متشابهون؛ كل واحد يعمّر جيوبه ويذهب. متى سيكون دور بومدين أو الوزير الفلاني أو العلاني”».

كما تُورِد الرسالة أصداء المنشور في أوساط الطلبة: «ربما يهتمُّ بعض الطلبة بالموضوع، ولكن تغيب القاعدة: الأوساط الأكثر تقدّماً تعيش وسط الأيديولوجيا وتنقصهم الجرأة الثورية، حيث أنهم يفتقدون لرؤية بلد دون حكومة قوية: “وإلّا ستكون الفوضى. ثوريتهم محافظة جدّاً (…) إذا ما أردنا أن تُطوّر من جمهورها، علينا أن نكون على الأرض: حتى أكثرهم سالينية (أي أكثرهم انغلاقاً) لا يُمكنهم مقاومة مراجعة لثورة أكتوبر وكلّ الأيديولوجيا الستالينية شبه-التروتسكية (كلمات محذوفة) يمكن أن تُكنَس. المخاطرة هو ألّا يصير هذا التوضيح النظري أيديولوجيا صرفة بدوره».

انتهى اللقاء بين الأممية المواقفية واليسار الجزائري بملاحظة مريرة، حيث فرّق عدم الفهم بين جماعة المنظّرين الثوريّين المستقلّين ومناضلي اليسار الجزائريّين الذين كانوا يتمنّون تحويل دفّة تأسيس الدولة نحو الاشتراكية.

ستوجَد لاحقاً بعض التقاطعات، كما يوضّحه الكتاب الممتاز “الأممية المواقفية: دعوة لثوّار الجزائر” والذي قدّم له نجيب سيدي موسى. إلاّ أنّ توزيع ذلك المنشور ستبقى أهم حركة مواقفية في الجزائر. والعودة إلى تفاصيلها تُمكّننا من استيضاح الجو السياسي للعاصمة الجزائر في جوان 1965. وكما توضّح المؤرّخة مليكة رحّال: «في العموم، لا نمرّ من الاستعمار لأنظمة سلطوية تقوم على الحزب الواحد. عادة هناك تحوُّل مع مرحلة انفتاح سياسي».

إذا كانت كل السرديات التي تناولت سنوات الاستقلال الأولى للبلاد وصوّرَتها كأرض استقبال لثوّار العالَم أجمع، علينا ألاّ ننسى الطاقة الثورية للثوّار الجزائريّين أنفسهم رغم الحدود المفروضة مِن النظام والحزب الواحد. مراحل تطوُّر هذا النضال، من الانشقاق إلى المشاركة عبورا بـ”الدعم النقدي”، يعود ليطفو اليوم كتاريخ شعبي ضروري يسمح بوضع التطوُّرات السياسية الحالية في منظورها الصحيح.

المصدر: orientxxi.info

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش

1- Internationale situationiste, Adresse aux révolutionnaires d’Algérie et de tous les pays (et autres textes), Libertalia 2019, Textes rassemblés et présentés par Nedjib Sidi Moussa

2- Nedjib Sidi Mousa, Sophie Dolto, « The Situationist : A Critical Handbook . Alastair Hemmens, Gabriel Zacarias (éd). Pluto Press, London, 2020.

3- Catherine Lévy « la journée du 8 mars 1965 à Alger ».

4- « Révolution Prolétarienne, mai 1965 », in Daniel Guérin, L’Algérie caporalisée ?, CES, 1965 ; P. 66.

5- Pour une autre histoire des rapports de l’Etat central à la Kabylie dans l’Algérie algérienne : 1962-1965. Loyalisme et dissidences, arabisation et affirmation berbère (kabyle) , thése de doctorat soutenue à Aix-Marseille Université, 29 mars 2021.

6- نُشرت مذكرات المؤرخ محمد حربي على يوتيوب.

7- في مذكّرات مصطفى الخياطي، نجد 45 رسالة لـ غي ديبور في سنة 1965. وحتى نعِي أهمية هذه السنة، فمثلاً هناك ثلاث رسائل لسنة 1964، و 25 لسنة 1966. يُمكن قراءة كلّ هذه الرسائل في الأجزاء السبعة لمراسلات غي ديبور المنشورة بالفرنسية لدى دار “فايار” بباريس.

8- يستلهم منشور الدعوة نصّاً سابقاً لديبور بعنوان “المواقفيون والطُرق الجديدة للنشاط في السياسة أو الفن”، باريس، منشورات Mille et une nuits، سلسلة “La petite collection”، 2006.

باحث وصحافي جزائري مهتمٌّ بالتحوُّلات الثقافية ما بعد الاستعمار. درَس الأدب الجزائري الفرنكفوني في “جامعة بوزريعة” بالجزائر العاصمة، وعمل في الصحافة الثقافية بالجزائر. يُعدّ، حالياً، أطروحة دكتوراه في قسم الدراسات الفرنكفونية بـ”جامعة ييل” في الولايات المتّحدة.

قاصّ ومترجم من القبائلية والفرنسية والإنكليزية إلى العربية، من مواليد 1986. يعملُ أستاذاً في جامعة سطيف. تصدر له قريباً مجموعة قصصية، وترجمة مشتركة من الفرنسية لكتاب “من الإنسان إلى الربّ: رحلة في قلب الفلسفة والأدب”.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!

قصص رائجة

معذرة, لا يوجد محتوي لعرضه!
قصص قريبة