“بؤرة الزلزال”… كوبا هي اليوتوبيا!
(لقطة مِن الفيلم)

“بؤرة الزلزال”… كوبا هي اليوتوبيا!

بمزيج مركَّب مِن مواد أرشيفية ولقاءات مع السكّان المحليّين، يروي وثائقيُّ المخرِج النمساوي، هوبرت ساوبر، أكثر مِن قصّة عن كوبا. غير أنّ الفيلم ليس عن "جزيرة كاسترو" وحسب، إنّما أيضاً عن اختلاق الخطاب السينمائي الأميركي عن الولايات المتّحدة "منقِذة العالَم".

الكاميرا تُصوِّرُ أطفالاً وُصفوا بأنبياء كوبا الصِّغار. أنبياء مُسيَّسون، يتحدَّثون بطلاقةٍ عن الاستعمار والبروباغندا والثورة والمستقبَل. وخلفَ الكاميرا يقفُ صانع الأفلام الوثائقية، النمساوي هوبرت ساوبر (1966)، الذي يوثِّقُ بفيلمه “Epicentro” أو “بؤرة الزلزال”* كنوزَ هافانا المنسية، مستحضِراً ذاكرةً مليئةً بالأحداث التاريخية، بالأساطير، كما بالأكاذيب التي تُروى عن “جزيرة كاسترو”.

نحنُ هنا في كوبا. و”بؤرةُ الزلزال” (2020) وثائقيٌّ يروي أكثر من قصَّةٍ واحدة عنها، بمزيجٍ مُركَّب من مواد أرشيفية، ولقاءات يمكن أنْ توصفَ بالمُتواطئة مع السكّان المحليِّين؛ في مواجهةِ الإمبريالية الأميركية، وسردية “The American Dream” المُهيْمِنة سينمائيّاً والمُتَلاعِبة بالأحداث تاريخيّاً.

 

يوتوبيا…

قد يكون سؤالُ البداية: “ماذا تعني يوتوبيا؟” مدخلاً مُهِمّاً لخطِّ الإخراج الذي انتهجهُ ساوبر في صناعةِ فيلمه الوثائقي، الذي تبدأ بؤرته مِن انفجار وغرق البارجة الأميركية “يو أس أس مين” (USS Maine)، في ميناء هافانا، أثناء حرب استقلال كوبا، يوم 15 فبراير/ شباط 1898، وإلقاء المسؤولية على الإسبان، ممَّا أدَّى لاحقاً إلى اندلاع الحرب الأميركية الإسبانية.

لكنَّ كلّ هذا التَّاريخ، بما فيه من تلفيقٍ وادّعاء، لا يعود إلَّا في شكلِ مادَّة أرشيفية، تجعلُ من غموضِ الأسباب التي أدَّت إلى غرق البارجة، وحماس الصحافة الأميركية التي تَبَنَّت شعار “تَذكَّر البارجة مِين، فلتذهب إسبانيا إلى الجحيم!”؛ باباً غير مواربٍ لطرحِ أسئلة مشروعة حولَ دخول أميركا في حربها تلك، والسيطرة بعدها، وإنْ بطريقةٍ غير مُباشرة، على الجزيرة الساحرة: كوبا.

كوبا هي اليوتوبيا! هكذا يُجيبُ ممثّل مسرحيٌّ في بداية الفيلم عن سؤال “ما هي كوبا؟”، ليكون التوظيف الأميركي لثنائية الخير والشر، أقرب إلى الأسطورة، في توصيف علاقةِ شعبٍ، أرهقته الحروب، بوطنِه.

 

كابوس كوبا

صاحبُ الفيلم المثير للجدل “كابوس داروين” (المرشح لجائزة الأوسكار في فئة الأفلام الوثائقية الطويلة، 2006)، لم يتردَّد في تصوير مسرحَة جديدةٍ للحدَث، تمّت استعادتها بطريقة بدائية، لم تخلُ من تعليقات أبطالِ الفيلم العفوية (خاصة لمّا يُرفع العَلمُ الأميركي على أساس أنه راية الحرية، ويصرخ الأطفال: لا)، هذه التعليقات التقطتها الكاميرا لتوثِّق معارضةً راسخةً لمقولةِ أنَّ الحادثة المُلفَّقة كانت سبباً لإنهاء الحُكم الإسباني في كوبا.

يتّكئ الفيلم على التاريخ والأرشيف لينغمس بصورةٍ شعرية في واقع كوبا اليوم، استناداً إلى المقابلات، والتي لم تكن لتحافظ على مسافةٍ حياديةٍ ما بين عدسة المخرج وأبطاله. ربَّما اعتمادُ ما يُسمَّى “سينما الارتباط” هو ما جعلَ المشاعر تتحوَّل إلى “طريقة عمل” تعتمد على انتقال الكاميرا بين الأحياء الفقيرة والوجوه والأعمال اليومية والمباني والشخصيات التاريخية التي رسمت ملامح هذا البلد، ولترتكز التجربة الوثائقية هذه، على اللِّقاء مع الطبقات الكادحة مِن سكّان هافانا، لا سيما، بطلة العمل الطفلة يونيليس وأختها أنيليس ومن حولهما.

لا يغيبُ الدرسُ التاريخي في انتقاد “قوَّة الصورة”، السلاح الذي فتحَ أمام أميركا الباب لأحلامٍ شاسعة بالهيمنة على كوبا. السينما هنا ليست سوى أداةٍ دعائية فقدت غايتها الفنية وأُسيء استعمالُها بشكلٍ مبالغٍ فيه؛ فإعادة بناء حادثة الميناء انطلاقاً من البطولة الأميركية المُطلَقة، في مساعدةِ شعبٍ حتّى يتحرَّر، وضعها المخرجُ، والكوبيُّون أنفُسَهم، موضعَ تساؤل بصفتها “أداةً للتَّلاعب” لا أكثر.

 

ديستوبيا

حركةُ الكاميرا تُظهرُ نوعاً مِن عدم التوازُن، تمريناً صعباً على الوقوف وراء الشاشة وأمامها، مِن دون إغفال أدنى التفاصيل، بدءاً مِن المشهد الذي تغمر فيه أضواءُ أميركا الساطعة كوبا لتُحوِّلها إلى مكانٍ معتمٍ، كما تبدو من الفضاء، وصولاً إلى الأمواج المتلاطمة التي تضربُ ساحلَ المدينة الحجري والمباني القريبةِ منه، بخلفيةٍ غنائيةٍ وموسيقية تنتصرُ للشعب المُكافح على مدار قرنٍ من الزمن، مروراً بالأحياء الفقيرة في الجزيرة التي تجعل هوبرت ساوبر يجدِّدُ سؤاله باستمرار: “بين أفريقيا وفي منطقة البحر الكاريبي، ماذا أفعل هنا؟“.

إنه سؤال لا مناص منه لمن يريدُ إزاحةَ فكرة الإيحاء بأيّ نوع من الاستغلال، أو التعامُل مع المادّة الفيلمية كتكريسٍ لنظرة السائح الأجنبي. نظرةُ استغراب وتعالٍ لا تخلو في الكثير من الأحيان من تهكّمٍ مُبطّن يتقصّد المخرج، على خلفيتها، تصويرَ سائحٍ يتجوّل في أحد الأحياء الفقيرة ويلتقط صوَراً للبؤس مُجسَّداً في طفلٍ ينفّذ الوضعيات التي يطلبُها منه السائح ليأخذ له أكثر من صورة، ثمّ يُهديه في الأخير قلماً رخيصاً، مُذكِّراً إياه أنه “صناعة أميركية”. مشهدٌ آخر، لمعلّم هواة التانغو الذي لا ينفكّ يكرّر إعجابه بالدعارة المحلّية، وأنّها أحد أسباب بقائه، منفّذاً وهو في سنّ متقدّمة رقصةً مع تلميذاتهِ السابقات ومعلّمهن الشاب.

 

شكّلَ الزمن، الذي يمتدُّ قرناً كاملاً في مرحلة ما بعد الكولونيالية، عمرَ كوبا في الفيلم، كونها الجزيرة التي لا تُقدَّم بعناصرها الجغرافية والتاريخية المحضة، إنّما تبدو كصورة خيالية، قاربها ساوبر بعبقريةِ المونتاج والتصوير وتحويل المادَّة الأرشيفية إلى لقطاتٍ ترصدُ الواقع بكلّ مآسيه وأحلامه. واقعُ بلدٍ مرّ بثلاث مراحل ديستوبية هي: تجارة الرّق، الاستعمار، وعولمة السلطة، كما يُصرّح الراوي منذ البداية، منحازاً، في الوقت ذاته، إلى تاريخ كوبا الرومانسي، بعيداً عن التوجُّه الأكاديمي في تحليل الأحداث.

هكذا إذن، بين العبودية والوصاية والمثالية المُفرطة في رسم أبطالٍ أسطوريِّين ليس آخرهم فيديل كاسترو، تشكّلت الملامحُ الكبرى لهذه الجزيرة. كلُّ ذلك يظهرُ عبر الكلمات “الكبيرة” التي تنطق بها البنتان، لا سيما يونيليس (تقول إنه بسبب فيديل كاسترو أليخاندرو روز أصبح لديهم مستشفيات ومدارس ووظائف)، أو حتى من خلال التعبيرات الجسدية بالرقص أو التمثيل، فحلمُ الطفلةِ هو أن تصبح مستقبَلاً مُمثِّلة. تنخرطُ الطفلة في مشهدٍ تمثيلي مع أونا (حفيدة شارلي تشابلن) يبدو حقيقيّاً أكثر منه مشهداً مسرحيّاً – صفعة قوية من أونا ليونيليس رغم أنه لقاؤهما الأوّل – لتكشف الأخيرةُ، عن موهبتها في التمثيل، ولتشرع لاحقاً في تعلُّم الموسيقى على يد أونا. أونا التي يواجهُ حضورُها في الفيلم، كحفيدة “الممثّل الصامت الكبير”، ثلاثية: الديستوبيا التاريخية والكوميديا والسينما.

 

أنبياء كوبا الصغار

هوبرت ساوبر لا يميل إلى توصيف عمله بالفيلم الوثائقي، بقدر ما يعتبره سينما واقعية، وهو ما كشف عنه في أحد حواراته الصحافية، مشيراً إلى أنَّ أرضيته الأولى هي “الواقع”، دون زيفٍ أو غشّ، وخاصة أثناء التعامُل مع أُناس بسطاء، لا يُفكّرون مرّتيْن حين يتحدَّثون، معتبِراً ذلك قوَّة حقيقية وأصالة استثنائية في مقاربة أيّ موضوعٍ أو فكرة مهما كانت بسيطة وواضحة، أو حتّى معقّدة وغامضة.

وفيلمه “إبيسانترو” هو، مِن هذا المنظور، ليس عن كوبا وحسب، إنّما عن اختراع الخطاب الأميركي السينمائي عن أميركا “منقذة العالم”. فالحدث المُتمثّل في انفجار البارجة، يتزامن فعليّاً مع انطلاق السينما، كأداةٍ بصرية جديدة انخرطت، في هذا السياق، مع خطاب “المركز المُهيْمِن”.

هوبرت ساوبر

(هوبرت ساوبر، تصوير: نيكولاس هافيل)

تتّضح بشكلٍ لافت المعايير الفنّية التي يعتمد عليها ساوبر في إنجاز فيلمه. أوَّلاً باعتماد مقاطع مكتوبةٍ بعنايةٍ لتؤدّي وظيفة السرد، والرَّبط بين المَشاهد الطويلة وتلك الخاطفة، استناداً إلى سيناريو مُحكم، يستفيدُ المخرج لكتابته من سفرهِ الدائم واحتكاكه بنماذج متعدِّدة من الناس في كلِّ قارّات العالم، ومن حساسيته العالية تجاه طبيعة الأنظمة، كما هو الحال في فيلمه هذا، وكيف رصد تأثير الخطاب السياسي للنظام الكوبي على الأطفال وتصوُّراتهم تجاه وطنهم، حين يتحدّثون بما غُرس في وجدانهم عن قصّة كوبا، مثلما تتحدّث الطفلة يونيليس عن الثورة في مواجهة الإمبريالية والتدخُّل الأجنبي والعولمة، بشكلٍ صريح، ولكن ببراعةٍ لا تُصدَّق بأنها تخرجُ من أفواه أطفال لم يتجاوزوا سنّ العاشرة.

لا يقع الفيلم في مجرّد الوصف، إنَّما يسعى إلى أن يخلق سرديةً متفرِّدة تعكسُ ملامحَ الصراع الدائم بين المركز والهامش. وهو ما يظهر مِن خلال مقاطع طويلة صامتة، من دون كلام. فقط هناك كاميرا صغيرة تستسلمُ، في تنقُّلاتها، للموسيقى التصويرية التي ألّفتها أونا تشابلن، ولأصوات الشارع، وتلاطُم الأمواج على كورنيش مدينة هافانا. خلفيةٌ لا تخلو أيضاً من الضحكات والصرخات والنقاشات الحادَّة لمن يقفون أمام الكاميرا.

يُبرز الفيلم كذلك بأنّ السياحةَ اليوم هي طريقةٌ جديدةٌ للهيمنة، أمام الأعداد الهائلة للسيّاح الأميركيِّين، الذين يظهرون في كلّ مكان، ما يُحوِّل البلاد إلى موطنٍ عقيمٍ، يُختزل في البغاء، وفي مشاهد الفقر المنتشر عبر الأحياء، والكليشيهات الجاهزة عن بلدٍ لم يتحرَّر بعد.

 

عدسة كاميرا بلا شوائب

لا يمكن تناوُل كلّ تفاصيل الفيلم (108 د)، فالمَشاهد المُركَّبة والانتقالات الحاسمة والشخصيات الثانوية الكثيرة التي تمرّ كوجوهٍ مجازية عن كوبا، تؤكّد على صفة اليوتوبيا. هناك مشهدٌ لشيخٍ يُكابد كي يمدّ خُطاه عبر طريقٍ تُرابي وَعِر، وهو يمرُّ بما تبقّى من أطلال معمل كان يصنع السكّر لشركة “كوكاكولا”. نبيّ صغيرٌ من أنبياء كوبا يحلق شَعْرَه في محلّ متواضعٍ، قليلِ الضوء، وفي الركن صورة أثيرة لتشي غيفارا.

مِن المَشاهد المؤثّرة أيضاً في آخر الفيلم عندما يأخذ هوبرت ساوبر الطفلتيْن إلى أكثر المناطق رفاهيةً في هافانا، للاستمتاع بالسباحة في مسبحِ فندقٍ فخمٍ، والتجوّل في المدينة على متن سيارة مفتوحة، والصراخ باسم كوبا بأعلى صوت.

هناك انتصارٌ كبيرٌ للجوانب الإنسانية في هذا العمل الذي حقّق الاستثناء مِن خلالِ رؤيةٍ أصيلة، انتقدت الداخل كما الخارج، في جزيرةٍ ساحرة، ليسَ لها أن تُنسبُ إلى أحد، غَمَرتها كاميرا جادَّة وشاعرية بأحلام الطفولةِ التي لا تشوبها شائبة، وهي تُصوِّبُ عدستها إلى قلب كوبا وشعبها وتاريخها.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* عُرضَ الفيلم للمرَّة الأولى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال “مهرجان الشارقة للأفلام” عبر المنصات الإلكترونية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، وعلى الجمهور في إمارة الشارقة عبر بعض قاعات السينما. حصل العملُ على الجائزة الكبرى للجنة التحكيم في “مهرجان صاندانس السينمائي” سنة 2020، ورُشِّح لعدّة جوائز في عدد مِن المهرجانات السينمائية.

شاعر وصحافي جزائري، من مواليد 1979. بالإضافة إلى الكتابة الصحافية والمتابعات الأدبية والفنّية عبر عدد من الجرائد والمجلّات الثقافية الجزائرية والعربية، يشتغل بين الإذاعة والنشر والتحرير منذ 2007. صدرت له أربع مجموعات شعرية، تُرجمت آخرها إلى الإيطالية.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة