باتريس لومومبا… التصفية المبكّرة للأحلام الأفريقية
(باتريس لومومبا في ليوبولدفيل، كينشاسا حالياً، سبتمبر 1960)

باتريس لومومبا… التصفية المبكّرة للأحلام الأفريقية

ستّون عاماً مرّت على تصفية الزعيم الكونغولي وإخفاء جثّته. لعلَّ العودة إلى ما حفّ هذه الجريمة مِن ملابسات تُتيح فهم الكثير من واقع أفريقيا اليوم؛ فقد كانت هناك بنادق مصوَّبة إلى كل أمل شعبي في الحرية والتنمية.

تختزل منصّة واحدة تاريخ أفريقيا السياسي. الخميس، 30 يونيو/ حزيران 1960. حفل الإعلان عن استقلال الكونغو من الاستعمار البلجيكي. نسمع ثلاث خطب: يتحدّث بودوين الأول، ملك بلجيكا، عن أنَّ الاستقلال مِنّة مَلكية للشعب الكونغولي، يليه خطابٌ مقتضَب لرئيس الجمهورية الوليدة، جوزيف كازافوبو، خصّصه لشكر الملك وبلجيكا على ثقتهما في الشعب الكونغولي، ثم، يأتي الدور على رئيس الحكومة باتريس لومومبا.

هل سيشارك في حفلة التزييف تلك؟ لم يرتبك الرجل أمام الهيبة الملكية، وقال بأنّ استقلال الكونغو لا معنى له مِن دون ندية مع المستعمِر السابق، مؤكّداً بأنَّ الاتفاق بين البلدَين ليس منحةً من الملك، بل هو نتيجة لنضال الشعب الكونغولي.

أغضبت كلمات لومومبا الملك بودوين، وأحرجت الرئيس كازافوبو. كان لومومبا يتحدّث عن المعنى العميق للاستقلال في حفلٍ أُريد أن يكون ديكور تمثيلية تُفضي إلى استقلال سطحيّ وخفيف، يقوم على تسليم المناصب السياسية العليا للكونغوليّين، فيما تظلّ الإدارة والجيش ومفاتيح الاقتصاد في أيدي البلجيكيين. بشكل حازم، وقف لومومبا ضدَّ هذا الطرح خلال فترة تولّيه رئاسة الحكومة، والتي لم تستمرّ غير شهرَين. كان يعلم أن قبول استقلال كهذا يعني أن مستقبل بلاده سيكون مثل ماضيها تماماً. لذلك، كان يُسابق الوقت لقلب الطاولة على البلجيكيّين.

لم تكن تلك أوّل معركة يُواجه فيها باتريس لومومبا (1925 – 1961) ألاعيب المستعمِرين، فقد سبق وأن خاض مفاوضات الاستقلال عام 1959، والتي انطلَقَت على أساس فرضية مفادها أن بلجيكا راغبة في استقلال الكونغو ضمن وعي بما يدور في العالَم، ومن هنا أتى مقترحُها بأن تعهد ببعض المهماّت الإدارية للكونغوليّين كتمرين يُفضي إلى استقلال تدريجي. مشروعٌ كان سيستمرّ ثلاثين عاماً، غير أنَّ لومومبا ورفاقه – مدعومين بضغط شعبي على الأرض – رفضوا هذا المقترح، فقدّمت بلجيكا عرضاً مختلفاً تماماً: إعلان استقلال الكونغو في ظرف ستّة أشهر.

كانت مناورةً جديدةً سيعرف الزعيم الكونغولي خطورتها حين تَسلَّم مقاليد إدارة بلاده في منتصف 1960، ليجد نفسه أمام فراغ هائل من الكوادر الوطنية، ومُكرَهاً بالتالي على التعامُل مع المستعمِر السابق في كلّ كبيرة وصغيرة، فلم يجد لا الأدوات ولا الوقت لكي يُمسِك بمقاليد البلاد ويقودها إلى حيث تطلُّعات الشعب. وإضافةً إلى كلّ ذلك، أجهزَت عليه المؤامرات والخيانات، فقد سرت نزعة انفصالية في عدّة أقاليم كان مضطراً لمقاومتها، وتواترت الإضرابات، وانفلت العنف في الشوارع.

بدا أنَّ المعركة الحقيقية مع الاستعمار بدأت بعد الإعلان الرسمي عن الاستقلال

بدا أن المعركة الحقيقية مع المستعمِر قد بدأت للتو، أي بعد الإعلان الرسمي للاستقلال، وكلُّ ما كان قبل ذلك ليس سوى مناوشاتٍ خفيفة. مِن بين جميع طموحاته في بناء سيادة وطنية، نجح لومومبا في أمر وحيد، وهو انتزاع القوّات المسلَّحة من يد البلجيكيّين بشكل قاطع. نظر من حوله فاختار ضابطاً شابّاً كقائد لأركان جيش الدولة الجديدة؛ جوزيف ديزيريه موبوتو. لم يعلم أنَّ ما اعتبره أهمّ قرار سياديّ كان بمثابة حفر لقبره بيده.

بعد أسابيع معدودة، سيُحرِّك موبوتو القوّات التي تحت إمرته ويستولي على الحكم تحت ذريعة إعادة النظام إلى الكونغو التي سيظلّ يحكمها (وقد غيّر في الأثناء اسمها إلى زائير) حتى عام 1997. ومع سقوطه، سنعرف أنَّ الطعنة التي وجّهها إلى “أبيه الروحي” كانت بدعم مباشر مِن جهاز المخابرات الأميركية، ناهيك عن إيعازات الحكومة البلجيكية، وهذه الأخيرة كانت قد حرصت على توريط أميركا – وهي في قلب الحرب الباردة – في معركة الكونغو، من خلال التأكيد على ميولات لومومبا الشيوعية.

لعلّنا، عبر هذا الترابُط، نرى بعض البناء المعقَّد للماكينة العالمية الضخمة التي تقف وراء تصفية لومومبا. كان الزعيم الكونغولي يملك مؤهّلات كثيرة تُثير مخاوف كلّ هؤلاء: شرعية سياسية، ومهاراتٌ في التفاوض، وتاريخ نضالي، وكاريزما، ومصارَحة الشعب وقدرة على التأثير فيه، إلى جانب توجّهاته السيادية، وأفقه الواسع ضمن المحيط الأفريقي، وفهمُه لتناقضات المشهد العالمي… وجميعُها عناصر لا تتلاءم مع المواصفات التي يريدها الغرب لحاكِم في بلد أفريقي.

لا يُحبّ النظام العالمي أن يقود زعيمٌ بلداً مثل الكونغو. إنه يحتاج إلى “وكيل” يسهّر على مصالحه، يُؤمِّن حلقةً ما في سلسلة معقَّدة تصل عبرها المواد الأولية مَن جنوب العالَم إلى شماله. لقد توفّر ذلك في موبوتو وأمّن هذا الدور لأكثر من ثلاثة عقود. أمّا خصال لومومبا فهي لا تتلاءم مع مشاريع القوى الاستعمارية في مواصلة نهب ثورات أفريقيا حتى بعد استقلال بلدانها. مِن هنا، كان اغتياله جريمةً ضرورية للمنظومة الرأسمالية.

لا يغيب عن أذهاننا عن أيّ بلد نتحدّث. الكونغو بمساحته الضخمة، وكثافته السكّانية المعتدِلة، وأيضاً بموقعه الاستراتيجي في قلب القارّة؛ بحيث تُلامِس حدود تسع دول أُخرى تصغرها على مستوى الإمكانيات والتأثير.

راهَنَ على المعنى العميق للاستقلال لا على الاتفاقيات المبرَمة مع المستعمِر السابق

ولهذا الموقع حكاية؛ فخلال “مؤتمر برلين” (1878) الذي عقدته الدول الاستعمارية لتقسيم أفريقيا، كانت القوى البحرية مثل فرنسا وبريطانيا قد انتزعت منذ النصف الأوَّل من القرن التاسع معظم الأراضي الساحلية، فجرى الاتّفاق على أن تكون القطعة الوسطى من القارة ملكاً شخصياً لِليوبولد الثاني، ملك بلجيكا، وحين رحل في 1909، ورّث “قطعة الأرض الكبيرة” التي حازها إلى الدولة البلجيكية، ليبدأ فقط حينها نظام الاستعمار بالمعنى المتعارَف عليه.

سرعان ما انتبه البلجيكيون إلى “الكنز المطمور” الذي “ورثوه”؛ فأرض البلد تحتوي على ثروات باطنية هائلة من أثمن المعادن (الماس والذهب…)، إضافةً إلى مُقوِّمات أُخرى مثل توفُّر المياه والطاقة، وعلى مساحات زراعية هائلة. هكذا تملك الكونغو – على الورق – مقوّمات دولة عظمى، لذا لا يمكن التفريط فيها بتركها لزعيم مثل لومومبا يمكن أن يجعل منها قاطرةً لتحرُّر الشعوب المقهورة وقلب موازين القوى في العالم بأسره.

بعد بضع سنوات من قتل لومومبا، كان إرنستو تشي غيفارا – بعد نهاية دوره في الثورة الكوبية – يبحث عن أرض جديدة يواجه فيها الإمبريالية. حين قرأ خارطة العالم، وجد أن الكونغو هي الموقع الأنسب لهذه الحرب، وقد توجّه إليها بالفعل عام 1965 مع مجموعة مِن مقاتليه. لكن مرّةً أُخرى، تنشّطت الماكينة العالمية كي تضمن بقاء الكونغو تحت الأغلال. راهنت قوى الغرب جميعها على موبوتو مجدّداً، وأصبح هذا الرهان لعبة طويلة من الفساد والبذخ والدموية.

في فيلم بعنوان “لومومبا” (2000)، يستعمل المخرج الهايتي راؤول بيك إمكانيات الفن السينمائي ليشير إلى ذلك الارتباط – غير الواضح على مستوى الوقائع – بين تصفية لومومبا وقيام ديكتاتورية موبوتو. نتابع في آخر الفيلم اعتقال لومومبا خطوةً بخطوة، ثمّ اقتياده إلى المكان الذي ستجري تصفيته فيه. ومع استعداد الجنود لإطلاق الرصاص، يقطع بيك اللقطة لنشاهد الاحتفالات بتنصيب موبوتو.

لنا أن نفهم إذن: لم تكن صدفة أن تُبتلى معظم البلدان الخارجة من الاستعمار في نفس تلك الفترة بحكّام فاسدين ومستبدّين، ومجانين أحياناً. لقد سارعت القوى الاستعمارية لقتل إمكانية تبلوُر زعامة وطنية تُحرّك الشعب نحو أهدافٍ نبيلة، ولا مجال حتى للتجربة. إمّا نموذج الحاكم المطواع مثل كازافوبو، أو نموذج الطاغية مثل موبوتو. أما نموذج لومومبا فغير مسموح به. لا بُدّ مِن قتل الحلم وهو في المهد.

كاتب صحافي وباحث من مواليد تونس عام 1983، مقيم في فرنسا. يعمل محرّراً في القسم الثقافي لصحيفة “العربي الجديد”. يُعدّ حالياً أطروحةً في “جامعة لورين” حول تقاطعات الصحافة بالكتابة الإبداعية من خلال منهجيات السيميولوجيا ونظرية الأجناس.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
  • كمال محمود علي اليماني
    09 فبراير 2021 | 11:48

    مقال جميل ونافع جدا بصّرني بما جرى هنا وهناك ، ولعل أقرب سيناريو مطابق هو ماحدث مع الشهيد الرئيس الشرعي محمد مرسي والقائد العسكري الذي اختاره عبدالفتاح السيسي الذي انقلب عليه بدعم من قوى إقليمية ودولية .

قصص قريبة