بلاحة بن زيان… قلبُه الكبير لم يتحمَّل
(بلاحة بن زيان في بورتريه لسعد بن خليف/ رحبة)

بلاحة بن زيان… قلبُه الكبير لم يتحمَّل

إلى جانب المسرح والتلفزيون، عكف الفنّانُ الجزائريُّ، الذي رحل أمس الأحد، على جمع وتدوين المئات مِن القصائد الشعبية التراثية التي كان يحفظ الكثير منها ويبرع في إلقائها، كما نظمَ العديد من القصائد؛ أبرزها قصيدة "وهران" التي يتغنّى فيها بتاريخ المدينة.

لم يُقاوِم قلبُ الفنّان الجزائري بلاحة بن زيان (1953 – 2021) أكثرَ مِن أربعة أيام بعد خضوعه لعمليةٍ جراحية في المستشفى العسكري بمدينة وهران غربَ الجزائر، فتوقَّف عن النبض مساءَ أمس الأحد، بينما سيستمرُّ نبضُه طويلاً في المشهد الثقافيِّ الجزائري، وهو الذي لا يزالُ يُطلِّ على المُشاهدين بِدور “النُّوري”؛ إحدى الشخصيات البارزةِ في سلسلة “عاشور العاشر” التي يبثُّها التلفزيون الحكومي.

أخذَت صحّةُ بن زيان تتدهور في الأيام الأولى مِن شهر رمضان، فنُقِل إلى “مستشفى 1 نوفمبر الجامعي” بوهران، حيثُ شخَّص الأطباء أنّه مصاب بانسدادٍ في شرايين القلب، وتقرَّر نقلُه إلى المستشفى العسكري؛ حيثُ ستُجرى له، الأربعاء الماضي، عمليةُ وضع صمّاماتٍ للقلب.

سريعاً استعادَ وعيه، وراح يستقبل أفراد عائلته وأصدقائه ومحبّيه الذين زاروه في المستشفى، ولم يبخل عليهم، كما يفعل دائماً، بابتساماته ونُكته. غير أنَّ قلبَه لن يتحمَّل طويلاً، ليرحلَ تاركاً ثلاثة أبناء (ولدان وبنت)، سمّى البكر عبد القادر، وفاءً لصديقه المسرحيَّ الراحل عبد القادر علّولة (1939 – 1994).

وبِرحيل بن زيان، تُطوى صفحةٌ أُخرى مِن صفحات الحركة المسرحية في الغرب الجزائري، والتي كان أحدَ أبرز وجوهِها علّولة الذي رحل هو الآخر في شهر رمضان، بعد أربعة أيام مِن إطلاق جماعةٍ إرهابيةٍ النار عليه في شارع مستغانم بوهران في العاشر مِن مارس/ آذار 1994، بينما كان متَّجِهاً إلى قصر الثقافة لتقديم ندوة حول الفنِّ الرابع الذي جمع الرجُلَين طيلة قرابة ربع قرن.

غيرَ أنَّ المسرحَ لم يكُن وحدَه ما جمع بين الفنّانَين الراحلَين، بل الصداقةُ أيضاً. كانا يتجوّلان في شوارع مدينة وهران وأزقّتها، يتناولان الغداء معاً في مطاعمها الشعبية، يختاران ملابِسهما مِن سوق الكسوة المستعمَلة في “المْدينة الجديدة”، ويتحلَّقان مع الجمهور حول “المدّاح” في “الوعادي”.

كانَ كلٌّ منهما ينهل مِن الآخر؛ فبن زيان كان يتميّزُ بثقافةٍ موسوعية في مجال الشعر الشعبي، وهو الذي عكف طيلة سنوات على جمع وتدوين مئات القصائد الشعبية التراثية في كرّاسات يحتفظ بها في خزانته بمسقطِ رأسه في مدينة سيق بمعسكر، وكان يحفظ الكثير منها عن ظَهر قلب ويبرع في إلقائها على مسامع الناس، كما نظم العديد من القصائد؛ أبرزها قصيدة “وهران” التي يتغنّى فيها ببطولات رجالات المدينة ونسائها ويصف فيها شوارعها ومعالمها وأحداثها التاريخية. أمّا علّولة فاستندَ إلى الموروث الشعبيِّ في تطوير تقاليد فنّية راقية وثورية.

عمل الفنّانان معاً ضمن تعاوُنية “أوّل ماي” التي أسّسها علّولة وكانت أوَّل تعاوُنية مسرحية في تاريخ الجزائر؛ وهي التجربةُ التي سيستعيدُها بن زيان لاحقاً حين يؤسِّس تعاونيةً مستقلّةً باسم “المثلث المفتوح”.

عُرف بلاحة بن زيان، الذي تابَع تكويناً مسرحياً على يد الفنّان والأكاديمي محمد بلخماسة سنتي 1972 و1973، على نطاقٍ محلّيٍ مِن خلال الأعمال المسرحية التي شارك فيها ممثِّلاً على خشبة مسرح وهران طيلة أربعة عقود، رغم أنّه لم يكُن موظَّفاً فيه. وعلى خشبته، وقف مع عددٍ مِن ممثّليه البارزين؛ أمثال إبراهيم حشماوي وزوجته فضيلة حشماوي، والفنّانين الراحلين سيراط بومدين، ومحمد بلعروسي، وحمودة بشير، إضافةً إلى محمد حيمور، وسمير بوعناني، ومجهري ميسوم، وسعيد ميسوم، وغوثي عزري.

ويُسجَّل لبن زيان أنه لم يُغادِر خشبةَ المسرح عندما أعلن الإرهابُ الحرب على الفنِّ والفنّانين مع بداية التسعينيات؛ فبعد اغتيال علّولة، أعادَ مع مجموعةٍ مِن الفنّانين تقديم مسرحية “التفّاح” وعرضوها في جولةٍ قادتهُم إلى مُدُن جزائرية مختلفة، كإشعارٍ بالمقاوَمة ورفض الاستسلام، وتكريماً للفنّان المغتالِ الذي كتب المسرحية وشارك في أدائها رفقة صيراط بومدين.

وإنْ كانَ بن زيان قد عُرِف على نطاقٍ واسع بعد مشاركته في الأجزاء الثلاثة مِن سلسلة “جمعي فاميلي” للمخرج جعفر قاسم (2008 و2009 و2011)، والتي أدّى فيها شخصيةَ الجار البخيل “قادة”، فإنَّ تجاربه مع التلفزيون بدأت قبل ذلك بكثير؛ حيثُ كان شارك منذ نهاية الثمانينيات في عددٍ من المسلسلات التلفزيونية مع مخرجين بارزين؛ مثل بن عمر نور الدين، ومحمد حويذق، وناصر سطمبولي؛ وهي أعمالٌ قدَّم في مجملها أدواراً فكاهية؛ إذ ركّز المخرجون التلفزيونيون على موهبته الكوميدية، رغم كونه ممثِّلاً متعدِّد المواهب.

خارج المسرح والتلفزيون، عاش بلاحة بن زيان حياةً بسيطة كان يتنقَّل فيها بين سيق ووهران؛ حيثُ كان يحلُّ باستمرار ضيفاً على المسرح الجهوي الذي بات يحمل اسم صديقه الراحل علّولة، وعلى مواعيد “الوعادي” لسماع قصائد الشعراء الشعبيّين.

صحافي جزائري مِن مواليد 1959 في بني ورثيلان بسطيف. خرّيج معهد العلوم السياسية والإعلامية بجامعة الجزائر سنة 1985. بدأ العمل الصحافي مِن صحيفة “الشعب” في نفس السنة. وبعد استقراره في وهران سنة 1989، انتقل إلى “المساء”، ثم “الخبر” منذ 1997.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة