بوبي

تصرَّف بوبي بشكل سيّء بينما كان ثمّة ضيوفٌ على مائدة العشاء، فركله أبي. بعد مغادرة الضيوف، انتبَهنا إلى غيابه. بحثنا في كلّ أرجاء البيت مِن دون أن نعثر عليه. "ربّما أعرف مكانه". قال أبي ذلك، وطلب منّا أنْ نرافقه إلى كوخٍ بناه في مزرعةٍ له غير بعيدة.

بوبي
(صورة لكلب راعٍ بلجيكي)

مع أنّه قد يبدو مليئًا بالمبالغات، فإنَّ ما كتبتُه هنا حقيقيٌّ تمامًا. هذا النصُّ مهدىً إلى روح أروعِ كلب في العالَم.

 

1. الأوّلُ الأخير

كانَ أوّلَ كلب نُربّيه. ويُمكنني القول إنّه كان الأخيرَ أيضًا؛ ذلك أنّنا حاولنا تربية كلاب أُخرى، مِن فصائل مختلفة، لكنَّ ذلك كان ينتهي إلى الفشل دائمًا. كانت، جميعُها، تسقُط في اختبار المقارَنة.

 

2. اسمُه بوبي

رغم شهرة الاسم، كثيرًا ما كان يُثير استغرابًا ممتزجًا بالسخرية؛ ربما لأنّه يبدو أنسبَ لشخصية كرتونية، لا لكلب حقيقي مِن لحم ودم.

– هل هذا اسمُه فعلًا؟

مِن المعتاد أن تلتقي، في القرية، كلابًا تحمل أسماء فوكس وجاك وريكي ولايكا. لكنَّك لن تلتقي فيها سوى كلبٍ واحد اسمُه بوبي.

وحين أجبتُ صديقي المستغرِب، راح يُردِّد مقطعاً مِن أغنية لا زلتُ، إلى اليوم، أحفظ كلماتها عن ظهر قلب، ولحنَها أيضًا: “أنا بوبي، أنا بوبي/ أنا أنا أنا أنا/ أنا بوبي الظريف/ تعامُلي لطيفْ/ وطبعيَ النباحْ/ ودائمًا نظيفْ”.

تلك شارةُ بداية مسلسل رسوم متحرّكة ياباني كان يُبثُّ على شاشة التلفزيون الجزائري عند الخامسة مساءً ذات صيف مِن أيام التسعينيّات، وبطلُه كلبٌ يُدعى بوبي. وقد شعرتُ أنَّ عليَّ التوضيح بأنَّ كلبَنا واسمَه سبقا كلب الرسوم المتحرّكة بسنوات كثيرة، حين بدا لي أنَّ صديقي يُلمح إلى أنّنا أخذنا الاسم مِن المسلسل الكرتوني.

 

3. الراعي البلجيكي

ثمّةَ بعض القِطع الناقصة في سيرة بوبي: لا أعرف متى بالتحديد دخل إلى حياتنا وأصبح جزءًا أساسيًّا فيها، لكنّني أذكُر أنّه كان موجودًا فيها دائمًا. قد يعني هذا أنّه أتى قبل أنْ آتي، أو بعد ذلك ببضع سنوات.

لا أعرف، أيضًا، مِن أين أتى. سمعتُ بعضهم يقول إنَّ أبي أتى به مِن فرنسا، وربّما كان عليَّ أنْ أسأله بنفسي عن الأمر.

وعلى خلافِ كلبِ الرسوم المتحرّكة الأبيضِ ذي الأُذنين المنتصبتَين والحلقة السوداء المحيطة بعينه اليُسرى، كان بوبي أسودَ مع بقعتَين بُنيَّتين أعلى عينَيه، ومساحاتٍ بُنّية أُخرى في وجهه ورقبته وصدره وقوائمه، وأُذنَين مرتخيتَين. أمّا علامتُه الخصوصية فكانت ذيلَه المقصوص.

كنّا نعتبره كلب راعٍ ألمانيًا. وحين أردتُ الكتابة عنه، كانَ عليَّ أنْ أُجري بحثًا على الإنترنت… أنْ أرى صُوَرًا لكثير مِن فصائل الكلاب وأقارنها بالصورة التي في ذاكرتي. وحين فعلتُ، علمتُ أنّه مِن فصيلة كلب الراعي البلجيكي (Beauceron).

ذكَّرَني ذلك بما كانَ يُفترض أن تكون صورتَه الوحيدة. في ذلك اليوم، وقفتُ مع بقية إخوتي في فناء البيت بينما جلس بوبي عند أقدامنا. التقط أبي، مِن خلال نافذة غرفته، صورةً لنا بآلة تصويره التي ضاعت بضياعها كثيرٌ من صُوَر الطفولة.

 

4. لاجئ

لطالما كنتُ أعتقد أنَّ الكلام، لا غير، هو ما كان ينقصُ بوبي ليكون آدميًا (هل اعتبرتُه يومًا غيرَ ذلك؟). كان إنْ سمع أحدَهم يُناديني أو ينادي أحدًا مِن إخوتي، يأخذ في النباح ثمّ يذهب إلى الشخص المقصود ليُخبره، بطريقته، بأنَّ ثمّة مَن يطلبه.

أحيانًا، كنتُ أضع يدي في فمه لأختبر وفاءه، فيُبقي فمه مفتوحًا، حتّى إذا نال منه التعب انسحب بعيدًا.

حدث، مرّةً، أنْ تصرَّف بشكل سيّء بينما كان ثمّة ضيوفٌ على مائدة العشاء، فركله أبي. عند الحادية عشرة ليلًا، وكان الضيوفُ قد غادروا، انتبَهنا إلى غياب بوبي. بحثنا في كلّ أرجاء البيت مِن دون أن نعثر عليه.

– ربّما أعرف مكانه.

قال أبي ذلك، وطلب منّا أنْ نرافقه إلى كوخٍ بناه في أرضٍ زراعية له غير بعيدة يفصلها عنّا وادٍ صغير. وكما توقَّع، كان بوبي نائمًا هناك، وقد أخذ ينظر إلينا بشيء يشبه اللوم حين رآنا مقبِلين. راح أبي يُلاعبه كأنّما يعتذر منه. قبل بوبي الاعتذار؛ فقد سبقَنا إلى البيت.

 

5. عقدة جاك

لم يكُن بوبي يُغالِب كلبًا إلّا وغلبه. وجاك، كلبُ جارنا، هو أحد الكلاب التي غلبها مرّاتٍ عدّة. لكنَّ صحابه كان يُضمر أمرًا.

مرّةً، نشب قتال شرسٌ بينَ الكلبَين اجتمع له جمهورٌ غفيرٌ مِن المتفرّجِين. وبينما كان جاك قاب قوس من الهزيمة، ألقى صاحبُه طوبةً كبيرة على بوبي، فانسحب هذا مِن المعركة وهو يئنّ.

ظلَّ بوبي يعرج لأشهر. وكان يلوذ بالفرار كلّما سمع اسمَ غريمه. انتهز بعضُهم نقطة الضعف تلك، وكانَ يكفي أنْ يُنادي أحدُهم باسم جاك ليُطلق ساقَيه للريح. كانَ يعتقد أنَّ جاك هو مَن ألحق به تلك الضربة الموجِعة.

 

6. رصاصة الرحمة

عندما حلّ صيف عام 1997، كان بوبي قد أصبح كلبًا هرمًا يتحرّك بصعوبةٍ وقد استعمر القملُ والبراغيثُ جسدَه. فاجأنا أبي بقرار لم نتوقّعه: أنْ يُنهي حياة الكلب التي تجاوزت 14 عامًا.

واد السبت

(حيث يرقد بوبي)

المطلوبُ منّي وأخي الأصغر أنْ نُجهّز لبوبي حفرةً تأوي جثّته. غير أنّنا كنّا نذهب بفأس وبالة إلى المكانِ المقصودِ ونعود منه كلَّ مرّةٍ دون أن نحفر شيئًا. لكنَّ أبي كان قد قرَّر أنْ يمضي في خطّته حتّى إنْ لم تكُن الحفرة جاهزة.

استلف بندقية صيد. وكان المطلوب منّا، هذه المرّة، أن نُحضر بوبي إلى الغابة. كان مِن عادته أن يتبعنا أو يسبقنا إليها. لكنّه في تلك المرّة رفض أنْ يتحرّك مِن مكانه رغم كلّ محاولاتنا. في الأخير وضعنا خيطًا في رقبته ورحنا نجرُّه حينًا وندفعه حينًا آخر حتى وصلنا.

سنبكيه كثيرًا، بوبي الذي سيترك فراغًا لن يملأه أيُّ كلبٍ آخر. دوّت رصاصةٌ في الأجواء بينما كنّا نبتعد عن المكان حتّى لا نرى المشهد.

كاتب وصحافي جزائري ومؤسّس موقع “رحبة”. من مواليد 1983. بدأ الكتابة الصحافية مدوّناً في 2005، قبل أن يعمل في عددٍ من المؤسّسات الصحافية الجزائرية والعربية، بين الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون. صدرت له مجموعة قصصية في 2008، ورواية في 2013.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة