بيير رابحي… غادر الجزائر ولم يجد كيف يعود إليها

غادر المفكّر البيئي عالمنا بعيداً عن مسقط رأسه، وهو ابتعادٌ لا يقتصر على المستوى الجغرافي فحسب، فقد كانت الجزائر حاضرةً في كتاباته، غير أنّ استفادته منه كمفكّر وعالم زراعة كانت ضئيلةً جدّاً.

بيير رابحي… غادر الجزائر ولم يجد كيف يعود إليها
بيير رابحي في 2018 (تصوير: تيري غيو)

لا يكاد يخلو تعريف للمفكّر البيئي بيير رابحي (1938 – 2021) من الإشارة إلى أصوله الجزائرية. لكن ما الذي يربطه بالجزائر غير هذه الأصول؟ وهل كان سيبلغ ما بلغه لو أنه لم يغادر مسقط رأسه مبكّراً؟

تبدو حياة صاحب كتاب “حارس النار” بمثابة أمثولة يمكن أن نضربها عن كلّ من وُلدوا في الجزائر، والذين يجدون أنفسَهم مخيَّرين، بشكل من الأشكال، بين البقاء تحت سقف واطئ فلا يجدون الفرصة للنموّ الفكري والإبداعي، أو فك الروابط مع الوطن كي يجدوا فرصاً للتحليق.

وُلد رابحي في بلدة القنادسة (جنوب غرب الجزائر)، واسمه الأصلي رابح رابحي، أي أنّه وُلد مسلماً. في سنوات طفولته الأولى، اكتسح داءُ السلّ البلدة الجزائرية، فعَهد والده بتربيته إلى عائلة فرنسية ذات ميولات محافظة (بالمعنى السياسي) سرعان ما غادرت البلدة نحو وهران، وفيها نشأ باسمه الجديد بيير، وكان للتربية أثرها في اعتناقه عفوياً ثم رسمياً المسيحيةَ بدايةً من السادسة عشرة من عمره. لاحقاً، ظهرت في كتاباته دعوة إلى روحانية خارج الأديان.

حين بدأَت الثورة الجزائرية عام 1954، فضّلت الأسرةُ العودة إلى فرنسا، ولا شكّ أن مستقبل بيير قد نوقش ضمن هذا القرار. كان عليه أن يُقرّر بين مستقبل غامض تدخله الجزائر، وطريق آمنة سيجدها في فرنسا، ولقد اختار الثانية وكأنه يتنبّأ بجزائر ما بعد الاستقلال. ففي السنوات التي عاش فيها الجزائريون على “أسطرة الاستقلال”، وعلى الانقلابات الصغيرة والكبيرة، وعلى الوعود التنموية كان الفتى يبُحر في المعرفة.

ما الذي يربطه بالجزائر غير هذه الأصول؟ وهل كان سيبلغ ما بلغه لو أنه لم يغادر مسقط رأسه مبكّراً؟

كأنه اختار أن يكون قريباً من الجزائر حين ذهب إلى تخصّص الهندسة الزراعية، ولاحقاً بدا مهتمّاً بالخصوص بدراسة الواحات كنماذج زراعية ينبغي أن تجد الرعايةَ الكافية كي لا تندثر، كما أنها تمثّل عيّنة ممّا تعيشه الزراعة، أينما كانت في العالم، باعتبار أن الواحة محاصَرة بالصحراء، كما أنّ المزرعة – في فرنسا أو غيرها من البلدان الصناعية – محاصَرة بالتمدّد الحضري وبالتلوّث وبالبحث عن الربح بأي ثمن.

يُفترض أن هذا الاختيار سيعود بـ بيير رابحي إلى الجزائر كثيراً، فما أحوجها لعالم في الزراعة، لكن ذلك قد حدث بالحدّ الأدنى. كانت مشاريعه تجوب العالم، وحين تبلغ الجزائر فنحن نعلم ما يمكن أن تتعرّض له من برودة البيروقراطية أو إهمالٍ مردّه عدم الاكتراث بالمسألة الإيكولوجية من الأساس. يمكن تفسير الجفوة بين الجزائر وابنها بخيار تغيير الاسم والدين؛ فالأمر مكروه للغاية لدى الجزائريّين (ذكر رابحي في أحد نصوصه غضب والده من هذا القرار)، ناهيك عن احتمال مناصرته لبقاء الاستعمار مثل والده بالتبنّي.

تبدو اليوم هذه النقاط مثل صفحات طُويت، حيث يمكن أن نسجّل في السنوات الأخيرة ملامح زهو كلّما عرف جزائريُّ بأنّ رجلاً من أصول جزائرية بات أحد أبرز رموز الحركة الإيكولوجية في العالم. لكن ما الذي ينفعه أو ينفعنا من هذا الزهو؟ ما الذي وصل من فكره عبر ذلك؟

لنتخيّل أنّ بيير رابحي اختار الإقامة في الجزائر. لنتخيّل أيضاً أنه وجد الظروف الملائمة لتحصيل معرفته الواسعة بعلوم الزراعة، ووجد كيف يرتبط بشبكة الإيكولوجيا العالمية، هل كان بعد ذلك سيجد سبيلاً لتطبيق أفكاره في جزائر كالتي نعرفها؟ هل كان سيجد، مثلاً، ناشرين لأعماله وهي تتنوّع بين العلوم البيئية والسيرة الذاتية والرواية والفلسفة؟

ها أن مؤلفاته قد حظيت بدُور نشر كبرى في فرنسا جعلت منه أحد أبرز أسماء الفكر وأسماء النضال من أجل البيئة، هل استرعى ذلك اهتمام الباحثين في الجزائر؟ في ما عدا مقال وضعه بوداود عميّر عن كتابه “تقارب الوعي” (2016)، لا نكاد نجد أثراً له في بلده الأم، حتى خبر رحيله، يوم السبت الماضي، كان يُنقل في الصحافة الجزائرية – إن وُجد – من وسائل إعلامية أجنبية.

كاتبٌ مِن مواليد الجزائر عام 1995، يكتب القصّة القصيرة ويهتمُّ بالثقافة وبقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، يُقيم في فرنسا حيث يتابع دراسته في علوم الكمبيوتر وتقنية المعلومات.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة