ترامب وإسرائيل… نفخٌ في رماد الخلافات بين الجزائر والمغرب

بعد قرابة شهر من اندلاع أزمة الكركرات، جاء إعلانُ الرئيس الأميركي دونالد ترامب اعترافَ بلاده بسيادة المغرب على الأراضي الصحراوية، مقابل تطبيع العلاقات بين المملكة وإسرائيل، لينفُخ في رماد الخلافات القديمة بين الجارتَين.

ترامب وإسرائيل… نفخٌ في رماد الخلافات بين الجزائر والمغرب
(جانب من توقيع اتفاقية تطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل في "القصر الملكي" بالرباط، 22 ديسمبر 2020)

فجأةً، اختفت عبارات الوُدّ التي طالما تبادلها الجزائريون والمغاربة على منصّات التواصل الاجتماعي، تاركةً المجال لحرب إعلامية انخرطت فيها صُحُفٌ ورقية وإلكترونية وقنواتٌ تلفزيونية في البلدَين؛ حيث يُمكن قراءة كمّ هائل من السباب المتبادَل بين الطرفَين عبر فيسبوك وتويتر.

يعتقد المشاركون في هذه المعارك الافتراضية والإعلامية، من الجانبَين، أنّهُم يخوضون حرباً مقدَّسةً دفاعاً عن المصالح العليا لوطنهم؛ فقضايا السياسة الخارجية عادةً ما تُزيح الخلافات الداخلية وتُغطّي على الغضب مِن إخفاقات الحكومات.

بدأ الأمر في الثالث عشر من نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي عندما أقدمت وحدةٌ تابعةٌ للقوّات المسلَّحة الملكية المغربية بإنهاء اعتصام سلمي لمدنيّين صحراويّين في منطقة الكركرات التي تعتبرها “الأمم المتّحدة” منطقةً عازلة بين موريتانيا والأراضي الصحراوية الواقعة تحت سيطرة المغرب. بالنسبة إلى الرباط، كانت هذه الخطوة ضروريةً للسماح بعودة حركة الشاحنات التي تنقل البضائع نحو موريتانيا ودول غرب أفريقيا، أما “البوليساريو” والجزائر، فقد اعتبرَتا ما حدث عُدواناً عسكرياً لفرض أمر واقع بعد استحداث ما سُمّي بثغرة الكركرات وإقامة جدار أمني لحمايتها.

يحمل تحرُّك المغرب رسالةً مفادُها أنّه لن يتردّد في استعمال القوّة إذا تعرّضت للتهديد خطوطُ تجارته مع الدول الأفريقية، التي استثمر في بناء علاقات متينة معها خلال السنوات الأخيرة (تتوقّع المملكة أن تُشكّل المبادلات مع أفريقيا 16 بالمائة من إجمالي مبادلات البلاد مع العالم بعد دخول اتفاقية التبادل الحر الأفريقية حيّز التطبيق في يوليو/ تمّوز 2019).

وفي مقابل ذلك، أرادت البوليساريو أنْ تُنبّه المجتمع الدولي إلى أنّها لن ترضى ببقاء الصحراء الغربية نزاعاً منسياً؛ خصوصاً مع بقاء منصب المبعوث الأُممي إلى الصحراء الغربية شاغراً منذ استقالة الألماني هورست كوهلر في مايو/ أيار 2019، ولم يكن هناك من تنبيهٍ أكثر فعالية من إعلان البوليساريو نهاية وقف إطلاق النار القائم منذ سنة 1991 والعودة إلى العمل المسلَّح. ورغم أنَّ الرباط جدّدت التزامها بوقف إطلاق النار، فإنَّ الحديث عن احتمالات اندلاع الحرب مجدَّداً في المنطقة أعاد قضية الصحراء الغربية إلى دائرة اهتمام وسائل الإعلام العالمية.

 

اعترافٌ مقابل التطبيع

بعد قرابة شهر من اندلاع أزمة الكركرات، تحديداً في العاشر من من ديسمبر/ كانون الأوّل، فجّرَ الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مفاجأةً بإعلانه اعتراف الولايات المتّحدة الأميركية بسيادة المغرب على الأراضي الصحراوية، مقابل تطبيع العلاقات بين المملكة وإسرائيل، وهو ما خلق وضعاً غير مسبوق، باعتبارها المرّةَ الأولى التي تعترف فيها قوّة عُظمى بسيادة المغرب على الصحراء الغربية في مقابل تطوُّر كبير في العلاقات بين المغرب وإسرائيل.

الربط بين قضية الصحراء الغربية والتطبيع كان نقطة التقاء بين دونالد ترامب المنتهية ولايته والطامح إلى تحقيق مزيدٍ مِن المكاسب السياسية قبل أسابيع قليلة من مغادرته البيت الأبيض، والعاهل المغربي محمد السادس الذي يراهن على تثبيت القرار الأميركي مِن قبل الإدارة الديمقراطية القادمة للرئيس المنتخَب جو بايدن. والحقيقةُ أنَّ الربط بين المسألتَين ليس بديهيّاً كما يبدو للوهلة الأولى.

مِن وجهة نظر ثلاثة من كبار الجمهوريّين المسانِدين لإسرائيل، فإن قرار ترامب الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية لم يكن حكيماً ولا عقلانياً. يلتقي في هذا الموقف كلٌّ من جون بولتون، مستشارِ ترامب السابق لشؤون الأمن القومي وممثّل الولايات المتّحدة الدائم لدى الأمم المتحدة في عهد إدارة جورج بوش الإبن، مع جيمس بيكر؛ كاتبِ الدولة الأميركي الأسبق في عهد إدارة جورج بوش الأب، والذي شغل منصب مبعوث الأمين العام الأممي إلى الصحراء الغربية.

وكلٌّ مِن بولتون وبيكر دعيا صراحةً إدارة بايدن إلى إلغاء قرار ترامب؛ حيث شرح الأوّلُ وجهةَ نظره في مقالٍ نشرته مجلّة “فورين بوليسي” بتاريخ 15 ديسمبر/ كانون الثاني الماضي تحت عنوان “على بايدن أن يعكس المسار في الصحراء الغربية”، أشار فيه إلى موقف مماثلٍ للسيناتور الجمهوري عن أوكلاهوما ورئيس لجنة الخدمات المسلَّحة في الكونغرس جيم إنهوف الذي يُعتَبر أحد أبرز المدافعين عن خيار الاستفتاء في الصحراء الغربية.

يَعتقد جمهوريّون أنَّ قرار ترامب يضرّ بواشنطن ويضعُها في تعارض مع القانون الدولي

أمّا بيكر، فقد عبّرَ عن موقفه في مقال نشرته صحيفة “واشنطن بوست” بتاريخ 17 ديسمبر/ كانون الثاني الماضي بعنوان “اعتراف ترامب بسيادة المغرب على الصحراء الغربية ضربة قاسية للدبلوماسية والقانون الدولي”. ولم يتردّد، بيكر هو الآخر، في دعوة بايدن إلى إلغاء القرار.

يَعتقد هؤلاء الجمهوريّون أنَّ القرار الأميركي يضرّ أوّلاً بمصلحة الولايات المتّحدة، باعتبار أنه سيضع واشنطن في تعارض مع مبادئ القانون الدولي، ومع الحق في تقرير المصير الذي يُعتَبر من المبادئ التي قامت عليها السياسة الخارجية للولايات المتّحدة. أكثر من ذلك، يعتقد هؤلاء أن القرار قد يُضاعِف احتمالات المواجهة العسكرية بين المغرب والبوليساريو، مع ما يُمثّله ذلك من مخاطر نشوب نزاع مسلَّح بين الجزائر والمغرب، فضلاً عن الضرر الذي سيُلحقه بالعلاقة مع الجزائر التي لديها تنسيقٌ أمني وثيق مع واشنطن، إضافةً إلى المصالح التجارية.

حجة التطبيع لا تجد الحماس المتوقَّع لدى هؤلاء الساسة الموالين لإسرائيل، فجون بولتون هو صاحب ما سمّاه “حلّ الدول الثلاث في الشرق الأوسط” ردّاً على خيار الدولتَين. ويقوم هذا التصوُّر على إلحاق غزّة بمصر، وضمِّ أجزاء من الضفّة الغربية إلى الأردن، في حين تُبقي إسرائيل سيطرتها على كلّ الأراضي التي تحتلُّها. أمّا جيم إنهوف، فسبق أن اعتبر هجمات الحادي عشر مِن سبتمبر/ أيلول 2001 عقاباً إلهياً لأميركا، لأنها “لم تدعم إسرائيل كما يجب”.

هنا، يُطرَح السؤال عن سبب معارَضة هؤلاء “صفقةَ ترامب” رغم المكسب السياسي الذي حقّقته إسرائيل مِن خلال تطبيع العلاقات مع الرباط، وإجابتهم هي أنَّ العلاقات بين تل أبيب والمملكة قائمةٌ بالفعل منذ عقود، والاتصالات لم تنقطع، حتى وإن كان مكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط، الذي افتتح سنة 1994، أعيد غلقه في 2002 بعد اندلاع الانتفاضة الثانية، وأن العلاقات قادمةٌ في كلّ الأحوال دون أن تكون واشنطن في حاجة إلى تقديم هذا التنازُل.

المفارقة هي أنَّ رئيس الحكومة المغربية، سعد الدين العثماني، ووزير الخارجية ناصر بوريطة أطلقا تصريحات متطابقة مع هذا االتفسير؛ حيث قالا إن ما يجري في الحقيقة ليس تطبيعاً، بل هو استئناف للاتصالات، مع وعودٍ بدفع هذه العلاقات إلى أبعد الحدود، وبسرعة، وفي جميع المجالات.

يُمثّل التطبيع بين المغرب وإسرائيل ترميماً للتحالفات التقليدية بين الرباط ودول الخليج

هكذا، تَظهر وجوهٌ أُخرى للصفقة تعلّق بحسابات سياسية داخلية، فالتوجُّه نحو إقامة علاقات دبلوماسية كاملة ومعلَنة مع إسرائيل يمثّل تحدّياً بسبب الرفض الشعبي المتوقَّع، وليس هناك من مدخل لتمرير القرار أفضل من قضية الصحراء التي تُمثّل مسألةً حسّاسة لدى أغلبية المغاربة كقضية سيادية، ثم إنَّ تمرير القرار في عهد حكومة يقودها الإسلاميون (حزب العدالة والتنمية) يُحكم قبضةَ القصر على التوازنات السياسية المحلية. ولعلَّ تكليف العثماني، وهو رئيس الحكومة، بتوقيع الاتفاق مع مسؤول الأمن القومي الإسرائيلي مائير بن شبات، رغم أنه ليس نظيراً له من الناحية البروتوكولية، يشي بهذا الإصرار من جانب الملك على نزع ورقة القضية الفلسطينية مِن يد الإسلاميين الذين ظلّوا يستعملونها لتعزيز رصيدهم الانتخابي.

وتشير ردود الفعل على تولّي العثماني التوقيع إلى الكلفة السياسية المرتفعة التي سيتعيّن على “العدالة والتنمية” دفعها كثمنٍ لهذا الخيار.

لا شكَّ في أنَّ الرباط تأمَل في مقابلٍ اقتصادي للتطبيع مع إسرائيل؛ مثل المساعدات الاقتصادية الأميركية التي قد تتدفّق على شكل استثمارات، أو حتى مِن خلال جلب مزيد من السيّاح الإسرائيليّين الذين بدأ التركيز عليهم مِن الآن، ويُضاف هذا إلى الأثر السياسي للقرار الأميركي الذي قد يُشجّعُ دولاً أُخرى على اتّخاذ قرار مماثل، وهو أمر لم يحدث إلى حد الآن؛ حيث تنحصر الدول التي فتحت قنصليات في الأراضي الصحراوية في 15 دولة أفريقية، وانضمّت إليها الإمارات والبحرين.

والتطبيع بين المغرب وإسرائيل هو، على مستوىً آخر، ترميمٌ للتحالفات التقليدية بين الرباط ودول الخليج، والتي تضرّرت بسبب اتخاذ المغرب موقفاً محايداً مِن الأزمة الخليجية بين قطر مِن جهة والسعودية والإمارات والبحرين مِن جِهةٍ أُخرى، وليس غريباً أن تكون الإمارات سبّاقة إلى فتح قنصليةٍ لها في العيون أسابيعَ قليلةً قبل الإعلان عن الصفقة، ما يعني إعادة صياغة التحالفات في المنطقة برمّتها، وهو أمر تتوجّس منه الجزائر رغم محاولات ضبط النفس التي تتجلّى في خطابها الرسمي المتحفّظ.

 

التهديد الخارجي لحشد الدعم الداخلي

اختارت الجزائر أن تردّ بشكلٍ واضح على القرار الأميركي؛ مِن خلال بيان صدر عن وزارة خارجيتها، وجاء فيه أنَّ اعتراف ترامب “يتعارض مع جميع قرارات الأمم المتّحدة، خاصّةً قرارات مجلس الأمن بشأن مسألة الصحراء الغربية، وآخرها القرار رقم 2548 الصادر بتاريخ 30 أكتوبر/ تشرين الأول 2020، الذي صاغه ودافع عنه الجانب الأميركي”.

واعتبر البيان أنَّ مِن شأن الإعلان “تقويضُ جهود خفض التصعيد التي بُذلت على جميع الأصعدة من أجل تهيئة الطريق لإطلاق مسار سياسي حقيقي وإقناع طرَفَي النزاع، المملكة المغربية وجبهة البوليساريو، بضرورة الانخراط في الحوار بدون شروط، تحت رعاية الأمم المتّحدة وبدعم من الاتحاد الأفريقي”. ووصفت الجزائر موقفها بأنه “يستند إلى الشرعية الدولية ضد منطق القوّة والصفقات المشبوهة”.

مِن الواضح أنَّ الجزائر تأملُ في عودة واشنطن إلى مواقفها السابقة مع إدارة بايدن، وهو الموقف المعبَّر عنه بوضوح أكثر مِن قبل المتدخّلين في وسائل الإعلام الجزائرية الذين يتناولون هذا الموضوع بشكل مستمرّ.

لطالما كانت التهديدات الخارجية حاضرةً في السجال السياسي الداخلي في الجزائر

لم تُعقّب الجزائر بشكلٍ مباشرٍ وصريح على قرار المغرب التطبيع مع إسرائيل. لكنّ الوزير الأوّل الجزائري عبد العزيز جراد استغلّ الأمر ليُطلق إشارةً مباشرة نحو الجزائريين بالقول: “هناك إرادة أجنبية حقيقية اليوم لوصول الكيان الصهيوني قرب حدودنا. يتعيّن على الطبقة السياسية والثقافية العمل على استقرار البلاد (…) يجب أن نحل مشاكلنا الداخلية بيننا، ويجب أن نعمل بجهود التضامن وبأُخُوّةٍ لإيجاد أحسن طريق للخروج من هذه الأزمة المتعدّدة ومحاولات استهداف الوطن”.

هكذا، يتحوّل الأمر بسرعةٍ إلى قضية داخلية؛ فالتهديدات الخارجية كانت دوماً حاضرةً في السجال السياسي الداخلي، وهي الحجّة الجاهزة التي تلجأ إليها الحكومة كلّما واجهتها مطالب التغيير وتعرّضَت للنقد بسبب ضعف أدائها وفشلها في الوفاء بالتزاماتها.

بين الجزائر والمغرب حدودٌ يبلغ طولها 1559 كيلومتر، وهي مغلقةٌ منذ سنة 1994، لتكون أطول حدود برية مغلقة في العالم، وتُشكّل العلامةَ الأبرز على وضع غير طبيعي بين بلدَين تربطهما علاقات دبلوماسية وتجارية، فضلاً عن علاقات مجتمعية متينة.

ولا يكفُّ الخبراء الاقتصاديون في المنطقة عن التذكير بالفُرَص الاقتصادية الضائعة بسبب الخلافات السياسية التي تُبرّر المزيد مِن الإنفاق العسكري الذي يضع البلدَين على رأس الدول الأكثر تسلُّحاً في أفريقيا. وبدل التوجُّه إلى تجاوز هذه الخلافات بمزيد من التكتُّل الاقتصادي، يجري استغلال هذا الوضع الشاذ وتكريسه من أجل حشد الدعم الشعبي بحُجّة الدفاع عن المصلحة العليا للبلاد.

كاتبٌ وصحافي جزائري مُهتمّ بالشأن السياسي.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
  • بلخيري دنيا
    03 يناير 2021 | 18:45

    لا افهم لماذا لا يتم التطرق الى الجيوش الالكترونية و التي تعتبر الراعي الرسمي لموجة العداء و الكراهية بين الشعبين الشقيقين.

  • صحافي مغربي
    01 يناير 2021 | 22:12

    في كلمة.. مقال "يدس السم في الدسم".. فيه الكثير من التّحيز، ولم يخرج أبدا عن "قوالب" (لكي لا أقول وجهة النظر) خطاب النظام الجزائري.

قصص قريبة