تعصُّب كتالوني

أُقيمت على شرف الحَكم الإسباني مأدبةُ عشاء كان السمكُ طبقَها الرئيسي. ولعلَّ المنظمّين ظنّوا أنه الاختيار الأفضَل، غير أنَّ الضيف سيُغادر المطعم مستاءً: "توقّعتُ أن يكون الكسكسيّ أوَّل طبَقٍ أتناوله في بلدكم... لكنَّ السمك جعلني أشعر أنّني لم أغادر برشلونة".

تعصُّب كتالوني
("فيلا دي غارسيا" في برشلونة، مارك ديغراندشون، ألوان مائية على ورق، 2018)

في عام 2000، عاد “طواف الجزائر” إلى الحياة بعد انقطاع طويل فرضه الوضع الأمني الذي كان سبباً في إلغاء المنافسات الرياضية بصفة كلّية خلال تسعينيات القرن الماضي. وكانت العودةُ بقرار سياسي سعى، في تلك الفترة، إلى تصدير صورة مغايِرة عن التي كانت رائجةً عن البلاد في وسائل الإعلام الدولية.

حينها، لم يكُن الطوافُ مسجَّلاً ضمن رزنامة “الاتحاد الدولي للدرّاجات”. ونتيجةً لذلك، جرى في دورة 2001 إرسالُ حَكَم عام للطواف مِن إسبانيا، كُلِّف بإدارة السباق وتحرير تقرير في نهاية المنافسة لرفعه إلى الاتحاد الدولي.

وصل الحَكَم قبل يومَين مِن انطلاق الطواف، وأُقيمت على شرفه مأدبةُ عشاء في مطعم فاخر كان السمكُ طبقَها الرئيسي. ولعلَّ المنظمّين ظنّوا أنه الاختيار الأفضَل، غير أنَّ الضيف الإسباني سيُغادر المطعم مستاءً، وسيُخاطب المكلَّف بالإعلام في الطواف، الزميل عبدو سغواني – يرحمه الله -: “توقّعتُ أن يكون الكسكسيّ، الذي قرأتُ عنه في الإنترنت، أوَّل طبَقٍ أتناوله في بلدكم… لكنَّ السمك جعلني أشعر أنّني لم أغادر برشلونة”. لم يقل إسبانيا.

سمعتُ ما دار بين الرجُلَين، فحزَّ في نفسي أنْ يكون الانطباعُ الأوّلُ لدى هذا الإسباني هو أنّنا لا نُحسن استقبال الضيوف. توجّهتُ إلى محمد نعيجي، رئيس “الاتحادية الجزائرية للدرّاجات”، فوجدتُه هو الآخر غير راضٍ عن خيار المطعم. راحَ يتحدّث بنفس الصيغة التي تحدّث بها الضيف، فلم يكُن أمامي سوى أن أقترح عليه أن نستدرك الأمر. سألَني: كيف ذلك؟

استفسرتُ منه: “هل اتّخذتُم القرار النهائي بإجراء الطواف رغم الوضع الأمني المتأزّم نتيجةَ الاحتجاجات في منطقة القبائل؟”. ردَّ بالإيجاب. لكنّه أضاف بأنّ هناك احتمالٌ كبيرٌ بإلغاء مراحل الشرق والاكتفاء ببعض السباقات في ضواحي العاصمة والبليدة، قبل التنقُّل إلى غرب البلاد لإتمام المنافسة. قلت له: “بعد إتمام المنافسة هنا في العاصمة، نتعشّى في بيت والدي طبقاً جزائرياً خالصاً. ولك أن تُحدّد قائمةً المدعوّين في حدود عشرة أشخاص، حسب قدرة استيعاب البيت”. أعجبته الفكرة وقال: “توكّل على الله”.

أراد العودة إلى الفندق؛ إذ مِن غير المعقول أنْ يقبل دعوةَ عشاء مِن مشجِّع مدريدي

وبالفعل، أُلغيت مراحل الشرق. وفي الليلة الأخيرة قبل التوجُّه نحو الغرب، كان الموعدُ مع العشاء المتَّفَق عليه. حدّد رئيس الاتحاد قائمةَ المدعوّين وكيفية التنقُّل مِن مقرّ الاقامة إلى بيت والدي – الله يرحمه – في هراوة شرق العاصمة. كان عنواناً مؤقَّتاً لهاربِين مِن جحيم الإرهاب في ريف المديَّة منذ شهر رمضان سنة 1997.. نسكن كلَّ فترة في ضاحية من ضواحي العاصمة حسب قدرتنا على تكاليف الإيجار. كنّا نعيش حالة فرار بالمعنى الحقيقي للكلمة.

كنتُ في السيارة المخصَّصة للحَكَم ومعنا المحامي عبد الحليم براهيمي نائبِ رئيس الاتحادية. في الطريق نحو البيت، دار الحديث حول سباقات الدرّاجات وبعض أبطالها مِن الإسبان وغيرهم مِن الجنسيات الأُخرى، ثُمّ تشعّب النقاش ليصل إلى كرة القدم. حينها قلت: “طبعاً كرة القدم لا طعم لها مِن غير ريال مدريد”.

احتدَّ البرشلوني وطلبَ مِن السائق، بصوتٍ مرتفعٍ ونرفزةٍ ظهرت مِن حشرجة صوته، أنْ يعيده إلى الفندق في الحال؛ إذ مِن غير المعقول عنده أنْ يقبل دعوةَ عشاء مِن مشجِّع مدريدي. ظننتُه يمزح، غير أنّ صوته ارتفع أكثر.

توقَّف السائقُ محتاراً ممّا يحدث. ثمُّ تدخَّل الأستاذ براهيمي بحنكةِ وخبرة المحامين قائلاً: “ألا تعرف حيَل الصحافيّين؟ هُم دائماً يبحثون عن القصص المثيرة، وصاحبُنا هذا لا تربطه بريال مدريد شُبهة تشجيعٍ. إنما أراد معرفة حقيقة الولاء الكتالوني عندما علم أنّك من برشلونة”.

ظهرَت علامات الارتياح على ملامح الحَكَم الكتالوني. أطلق نفَسَاً طويلاً وقال: “ما دام الأمرُ قصّةً صحافية، دعونا نواصل السير!.

صحافي جزائري مُقيم في قطر.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!

قصص رائجة

معذرة, لا يوجد محتوي لعرضه!
قصص قريبة