“تيتان”: بشرٌ من لحم ودم وحديد

يبدو أنَّ اسم المخرجة الفرنسية جوليا دوكورنو، المتوَّجة بـ"السعفة الذهبية" في الدورة الأخيرة مِن "مهرجان كان"، سيتردّد كثيراً في السنوات المقبلة؛ فقد فتحت الباب أمام سينما تذهب بعيداً في تصوير العنف. ومِن الواضح أنَّ ذلك يلقى ترحيباً في مجتمع السينما العالمي.

“تيتان”: بشرٌ من لحم ودم وحديد
(لقطة مِن الفيلم)

عنيف، صادم، وحشي، غير مترابط… بمثل هذه العبارات وُصف فيلم “تيتان” (2021)، وهي أوصاف تنطبق عليه بالفعل، لكنّها لم تمنع فوزه، يوم السبت الماضي، بـ”السعفة الذهبية” في الدورة الرابعة والسبعين مِن “مهرجان كان” السينمائي، مُتوِّجاً مخرجته الفرنسية التي لا تتجاوز الثامنة والثلاثين مِن العمر.

ويبدو أن اسم جوليا دوكورنو (مواليد 1983)، التي باتت ثاني مخرجة تفوز بـ”السعفة الذهبية” بعد النيوزيلندية جين كامبيون عن فيلمها “البيانو” عام 1993، سيتردّد كثيراً في السنوات المقبِلة؛ فقد فتحت الباب أمام سينما تذهب بعيداً جدّاً في تصوير العنف، أكثر بكثير مِن سينما الحركة في هوليوود، والتي كثيراً ما توصَم بالعنف المجّاني.

في “تيتان”، لا يكمُن العنف في تصوير عملية التعنيف ذاتها، بل ثمّة عنف مضاعَف ومركَّز أكثر مع كاميرا تريد أن تتوغّل في الألم واحتكاك الحديد باللحم. ربما لن نستطيع أن نتجاوز عن وحشية الصورة في الفيلم ما لم نعرف وحشية العالم، وخصوصاً ذلك العالَم الذي يقترحه الشريط الروائيُ الطويل (108 د): مجتمع فرنسي يبدو وكأنَّ ظروفه الاجتماعية والسياسية والإثنية تهيّأت لتُنتج وحشاً.

جوليا دوكورنو

(جوليا دوكورنو)

تتموقع حكاية العمل في منطقة واقعية جدّاً، مع لمسة فانتازية تُشبه حقنة في الجسد. يبدأ الشريط باعتداءات لا نعرف مبرّرها من الطفلة أليكسيا على والدها وهو بصدد قيادة السيارة، ما يتسبّب في حادث سير يجعلها تفقد القدرة على الحركة، قبل أن تتعرَّض لتدخُّل طبّي يُعيد لها قدراتها، بفضل إدماج معدن التيتانيوم في رأسها.

سيقفز الفيلم إلى المستقبل بقرابة ثلاثة عقود؛ حيث تُصبح الفتاة (أداء غارانس مارلييه) راقصة ترافِق عروض السيارات الجديدة، تجمع في شخصيتها بين الإغواء والنقمة على العالَم. العنصر الفانتازي الوحيد في العمل كان “مضاجعتها” سيارةً مباشرةً بعد أن ترفض دخول علاقة مع شاب معجَب بها، وتقتله.

تحبل أليكسيا لاحقاً، وستكون بقية الفيلم متابعةً لأشهُر الحمل التي تتوالى فيها جرائمُها فتصبح مطارَدة من العدالة. وهنا تجد حيلةً تتمثَّلُ في تقمُّص شخصية ولد مفقود منذ سبعة عشر عاماً، مستغِلّةً رغبة والده المَرَضية في استرجاعه، حتى بات يُصدِّق أيّ شيء في سبيل ذلك.

يزخر الفيلمُ بمشاهد القتل التي تتفنّن دوكورنو في إبراز دمويّتها ووحشيتها، وهي في ذلك تمضي في نهج مخرجين أميركيّين معروفين مثل كوبولا وتارانتينو. لكن المخرجة الفرنسية تقترح ما هو أكثر حدّة وإيلاماً حين تضيء عدستُها القمع الذي ستمارسه أليكسيا على نفسها يومياً كي توهم من حولها بأنها ذكر. تستعمل قماشة ملفوفة كي تضغط على أثدائها وبطنها التي تنتفخ بمرور الوقت، وهي مشاهد تتكرّر كثيراً، وكأنّها إشارة إلى أنَّ العنف الذي قدّمته السينما طوال عقود لم يكن سوى عنف ناعم.

ذلك الامتزاج بين الجسد والحديد في تكوين إليكسيا الجديد بعد الحادث لم يعُد أمراً شاذّاً، تلك هي بنية العالَم المتخيَّل في فيلم “تيتان”. وستُفضي أشهر الحمل إلى وضع مولود من لحم وحديد.

لننظُر حولنا، ونرى كلّ هذا العالَم، بمبانيه وسيّاراته وأدوات الإنارة وألعاب الأطفال وغير ذلك… ها هو الحديد يغزو كل شيء. ما تقوله ديكورنو في فيلمها حقيقيٌّ إذن. لم يبق سوى جسد الإنسان؟ ها هو الطبّ يُطوِّع الحديد أيضاً ليندرج ضمن الجسد. ماذا بقي إذن؟ المخيّلة.. تتكفّل ديكورنو بإدخال الحديد إليها بشكل جارح وصادم، بشكل مجنون وغير واقعي مثل علاقة حميمية بين سيارة وامرأة، بعنف – عنف الصورة وعنف الصوت وعنف الملامح المتوجّعة من احتكاك اللحم والحديد. ها هي المخرجة الفرنسية تفعل كل ذلك، وها هو مجتمع السينما العالمي يُصفِّق لها ويبارك خطوتها.

كاتبٌ مِن مواليد الجزائر عام 1995، يكتب القصّة القصيرة ويهتمُّ بالثقافة وبقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، يُقيم في فرنسا حيث يتابع دراسته في علوم الكمبيوتر وتقنية المعلومات.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة