ثورة تونس وحَراك الجزائر: “أزهار الشرّ” المتبادَلة

ما يتمنّاه التونسيّون يتخيّلون بأنَّ الجزائريّين قد حقّقوه، والعكس صحيح، في حين أنَّ البلدين يراوحان مكانهما منذ سنوات. هذه الصُّوَر المتخيَّلة التي تسير ذهاباً وإياباً ليست سوى "أزهار شرّ" متبادَلة مِن دون قصد.

ثورة تونس وحَراك الجزائر: “أزهار الشرّ” المتبادَلة
(عبد المجيد تبّون وقيس سعيّد خلال زيارته للجزائر في فبراير 2020)

إذا كان من الممكن تتبُّع العلاقات بين الدُّوَل مِن خلال نصوص المعاهدات وتقلُّبات العلاقات الدبلوماسية، فإنَّ العلاقات بين الشعوب تَظلُّ منطقةً غامضةً وعصيّةً على المتابعة والقياس. فكَي نقف على تغيُّر علاقة دولة بأُخرى يكفي أن نتذكّر نهاية حرب أو عقد اتفاقية تحالُف، لكن هل يُمكن أن نجد ما يُوثّق لتغيُّر علاقة شعب بآخر؟

لعلَّ مِن أبرز الإشكاليات التي جرت دراستها في هذا السياق الانقلابُ في العلاقة بين الألمان والفرنسيّين مِن عداوة تاريخية دامت قروناً إلى تحالُف اقتصادي وسياسي بعد 1945. لم يكُن ذلك ليتحقّق لولا تدخُّل الدولتَين عبر تمويل الأفلام والدراما والمهرجانات والتظاهرات الرياضية لتمرير صورةٍ مغايرة عن البلد الآخر. نرصد الأمر ذاته في انتهاء شيطنة الروس في الأفلام الأميركية مع نهاية الحرب الباردة. هكذا نفهم أن هناك دائماً قنوات تربط منظومة العلاقات بين الدول بالفضاء الغامض والواسع للعلاقات بين الشعوب.

عربياً، مِن النادر أن نجد اهتماماً جدّياً بفهم علاقات الشعوب ببعضها، أو محاولات جريئة لتناوُل الصُّوَر الذهنية التي يبنيها شعبٌ عن شعب مجاوِر. الموضوع أقرب إلى المسكوت عنه. حتى في الأدب والسينما تظلّ هذه التناولات غائمة وباهتة.

يمكن أن نقارب هذه العلاقة حين نلامس تصوُّرات التونسيّين والجزائريّين حول أبرز حدثَين عرفهما كلّ بلد في السنوات الأخيرة؛ ثورة 2011 وحَراك 2019. في بدايات 2011، وفي الوقت الذي أُعجبت فيه شريحة واسعة من الجزائريّين بإسقاط التونسيّين للديكتاتور الذي يحكمهم، نجد أن الجزائر قد تحوّلت عند شريحةٍ مُقابِلة من التونسيّين إلى نموذج للاستقرار.

بينما أُعجب الجزائريّون بالثورة التونسية، كان التونسيّين يرون في الجزائر نموذجاً للاستقرار

وحين انطلق الحَراك الجزائري بما جرّه من تحوُّلات على مستوى تغيير بعض ملامح العلاقة بين الشعب والدولة، سرت في تونس موجة من التحسُّر على حال الثورة التي لم تُفرِز تغييراً جذرياً، وأُشيع بأنَّ الجزائر حقّقت في “انتفاضتها” على بوتفليقة، خلال أشهر، ما لم تُحقّقه تونس خلال سنوات. لكن إذا نظرنا إلى الأمور من الزاوية المقابلة، لن نجد أنَّ ما يعتقده التونسيون مطابِقٌ لما يدور في البلد الجار، فمعظم الجزائريّين لا يشعرون بأنَّ الحَراك مثّل تغييراً عميقاً في واقعهم.

إضاءةٌ ثالثة لهذه الصور العشوائية التي يتبادلها الشعبان كانت في الربع الأخير من عام 2019؛ حين صعد كلّ من قيس سعيّد في تونس، وعبد المجيد تبّون في الجزائر، إلى منصب الرئيس عبر صناديق الاقتراع. كانت لحظةَ تحوُّل سياسي (في المناصب على الأقل) متزامنةً. سرت في الجزائر قناعةٌ بأنَّ تونس دخلت مرحلةً مزدهرة من الديمقراطية، مقابِل اعتقادٍ بأن الديمقراطية الجزائرية لا تزال تحبو في خطواتها الأولى. أمّا في تونس، فكانت الصورة تبدو على الشكل التالي: أفرزت الانتخابات الجزائرية سلطة شرعية فاعلة ستُقلع بالبلاد في سنوات قليلة.

هكذا نفهم بأن هناك شيئاً من الإسقاط يحدث كلّ مرّةٍ بين الشعبَين، ما يتمنّاه التونسيّون يتخيّلون بأن الجزائريّين قد حقّقوه، والعكس صحيح، في حين أنَّ البلدين يراوحان مكانهُما منذ سنوات. هذه الصور المتخيّلة التي تسير ذهاباً وإياباً بشكل اعتباطي ليست سوى أزهار شرّ متبادَلة. في النهاية، تونس والجزائر كلاهُما “في الهمّ شرقُ”، إذا تلاعبنا ببيت الشاعر المصري أحمد شوقي وهو بيتٌ وضعه في مقام شبيه حين قارَنَ بين الواقعَين السوري والمصري تحت الاستعمارَين الفرنسي والبريطاني.

جهلٌ يحكُم معرفةَ كلّ بلد بالآخر ويُوفِّر أرضية خصبة لدسّ أيّ صورة ذهنية عن أيّ موضوع

لكن، ما سرُّ هذا الوقوع المتكرِّر في سوء التقييم على مدى عشر سنوات؟ ربما هناك تصديقٌ مبالَغ فيه بمنطوق الحياة السياسية لكلّ بلد؛ فأن تسمع مِن الجزائر بما في خطاب قيس سعيّد من دعوةٍ إلى مكافحة الفساد وتطبيق القانون قد يجعلك تعتقد بأنَّ الوضع فيها يسير في الطريق الصحيح، وحين تسمع من تونس خطاباً شبيهاً مِن عبد المجيد تبّون سيذهب في ظنّك بأنّ الجزائر قد قطعت أشواطاً على درب التقدُّم.

تُشير هذه الانطباعية غير الفاحصة إلى جهل يحكُم معرفةَ كلّ بلد بالآخر. جهلٌ يوفّر أرضية خصبة لدسّ أيّ صورة ذهنية عن أيّ موضوع، ومن ثمّ استثمارها في مناورات الحياة السياسية. كما تُنتِج هذه الانطباعية إشباعاً بمعرفة البلد الآخر، فيما لا يعدو الأمر أن يكون معرفة زائفة، ومسمومة أحياناً.

ومن الوجيه أن ننتبه إلى أنَّ هذه الانطباعات تلعب أدوراً نفسانية على المستوى الجمعي. إنها شكلٌ مِن أشكال جَلد الذات بإعلاء كلّ ما يُحقّقه الآخر وتبخيس كل ما يتحقّق في الداخل. وبِتكرُّر ذلك، يجري إرساء قناعة بالفشل الجماعي، ما يُثبّط كلّ هِمم التغيير. لعلّها إستراتيجية لضبط المجتمعات العربية.

على منوال الحالة التونسية – الجزائرية، يُمكِن قياس معرفة مختلف الشعوب العربية ببعضها البعض. كأنَّ جدراناً سميكة تمنع النظر إلى ما يدور في مكان آخر، ألِسنا في مشهد شبيه بتلك الصورة التي رسمها شاعر آخر، هو مظفّر النواب، حين أنشد:

“هذا الوطن الممتدُّ
من البحر إلى البحر
سجون متلاصقة
سجّان يُمسك سجّان”.

ها أنَّ كلّ شعب يعيش في قفصه الضيّق، فلا يرى مِن الآخرين إلّا الظلال التي ترتسم على الجدران. ينبغي أن تسري، هنا وهناك، إرادةُ الخروج من الكهف. إنها شكلٌ ضروري من أشكال إرادة الحياة. إمّا التفاعُل والتشابُك والاستفادة التحرُّرية المتبادَلة أو الموت. لا بدّ أن تسري رغبةٌ في معرفة الجيران، وإلّا لن يرى كلُّ شعب إلا الشكليَّ في الشعب الآخر، وستتبادل الشعوب “أزهار الشر” مِن دون قصد.

كاتب صحافي وباحث من تونس، مقيم في فرنسا حالياً. يعمل منذ 2015 محرّراً في صحيفة “العربي الجديد”.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!

قصص رائجة

معذرة, لا يوجد محتوي لعرضه!
قصص قريبة