“ثورة” نتفليكس التي حكم عليها الفرنسيون بالمقصلة

لا يتناول المسلسل، الذي تعرضه "نتفليكس"، الثورة الفرنسية مِن زاوية الأحداث الشهيرة، بل يقترح زاويةً طريفة؛ حين يتتبّع شخصيةً معروفة ومجهولة في آن. لكنّه في المقابل يقدّم قراءة مبسِّطةً للتاريخ وتعقيداته.

“ثورة” نتفليكس التي حكم عليها الفرنسيون بالمقصلة
(مشهد من المسلسل)

في صيف 2020، وتحديداً في اليوم الوطني الفرنسي (ذكرى الثورة) المصادِف للرابع عشر من يوليو/ تمّوز، خلَق إعلان شبكة “نتفليكس” عن إنتاج مسلسل مِن ثماني حلقات عن الثورة الفرنسية حالةً من الانتظار في بلد موليير. غير أنَّ هذا الانتظار سينتهي إلى خيبة وجفاء حين بدأ عرض المسلسل في أكتوبر/ تشرين الأوّل الماضي. فما الذي نفّر الفرنسيّين مِن العمل التلفزيوني الذي يتناول أشهر فصلٍ في تاريخهم؟

يُحسَب لمسلسل “الثورة” (La Révolution) أنّه لا يتطرّق إلى الثورة الفرنسية مِن زاوية الأحداث المشهورة التي تناولتها مئات الأفلام والمسلسلات؛ مثل اقتحام المتظاهرين “سجنَ الباستيل”، أو مِن خلال كواليس بلاط لويس السادس عشر، بل يقترح زاويةً طريفة؛ حين يتتبّع شخصيةً تاريخية معروفة ومجهولة في آن: جوزيف إنياس غيوتين (1737 – 1814).

يحمل هذا الطبيبُ الفرنسيُّ اسماً مشهوراً، فقد اشتُقَّ منه اسم الآلة الأشهر زمنَ الثورة؛ المقصلة” (La guillotine) التي اخترعها بهدف توفير وسيلةِ إعدام تكون الأنجع مِن وجهَين: إزهاق أرواح المحكوم عليهم بالإعدام في أقصر وقت، والاقتصاد في آلامهم.

قد نتوقّع أنْ يُحدِّثنا المسلسلُ عن هذا الاختراع. لكنّه يقترح طريقاً مُوزاياً؛ حيث اختار مؤلِّفُه ومنتجُه، أوريليان مولا (1985)، إقامة حبكة العمل على تحقيقٍ يُعهَد للطبيب لفهم لغزِ وباءٍ يضرب الأرستقراطية الفرنسية. وعبر هذا التحقيق، سنفهم الكثير من خلفيات الوقائع المكرَّسة في كتب التاريخ الرسمي.

هذا المنعطف التخييلي هو أوّل مسافة يصنعها المسلسل مع مشاهديه الفرنسيّين، فليست الثورة فيه غير ديكور يمكن تغييره بسهولة، وحتى الشحنة القيَمية التي ضخّ بها مولا العمل لن تُجدي نفعاً، بل إنها ستبدو غير قابلة للتصديق، حين عمل على إبراز تعاطُف غيوتين مع المهمَّشين ودعمه لهم على حساب مشغِّليه مِن جهاز الدولة الذي يقوده الأرستقراطيون.

لكنَّ ما هو أكثر تعميقاً للفجوة بين المسلسل والمُشاهِد الفرنسي هو خيار الذهاب إلى الفانتازيا؛ وهو ما جعل العملَ أقرب إلى أجواء أفلام ومسلسلات مصّاصي الدماء مِنه إلى عمل تاريخي؛ ففي مجمل حلقاته، لا نعثر على تحوُّلات حقيقية في شخصيات الأبطال، ولا نَخرج بكثيرٍ (أو قليل) مِن المعرفة التاريخية حول زمن الثورة الفرنسية. الغالب هو مَشاهد الملاحَقات والقتال بالأيدي والأسلحة، تماماً كما في أفلام الحركة الموجَّهة للمراهقين.

في أحد تصريحاته الصحافية، أشار المؤلِّف إلى أنّه استلهم فكرة العمل مِن مقولة نابليون بونابارت: “التاريخ ليس إلّا مجموعةً مِن الأكاذيب التي يتّفق حولها الناس”. لكن، هل يُبرّر ذلك خيارات مولا؟

لا يبدو أنَّ كثيرين يعتقدون أنَّ مولا كان موفَّقاً؛ فمثلاً يطرح العمل تفسيراً ساذجاً للثورة، فالوباء الذي يضرب الأرستقراطية (يُسمّيه “الدم الأزرق”) يَجعل مِن “السادة” أشخاصاً عنيفين وقتلة، وهو ما يخلق حالةً مِن الشعور بالغبن والخوف لدى البسطاء، فيبدأون بالانتظام في جماعات مسلَّحة!

خيار الفنتازيا جعل المسلسل أقرب إلى مسلسلات مصّاصي الدماء مِنه إلى العمل التاريخي

مِن الواضح أنَّ هذه القراءة مبسِّطةٌ للتاريخ وتعقيداته، وهو ما ينسحب على الشخصيات أيضاً؛ حيث أنَّ الأرستقراطيّين لا يهمّهم سوى إذلال الفقراء، أمّا الطبيب غيوتين فيبدو مجرَّد ضمير حي. لكنّنا لا نواجِه تمزّقاته النفسية أو حتى حساباته في الانتصار لشق على آخر.

هكذا، فإنّ ادعاء المؤلِّف أنَّ عمله محاولةٌ لاقتراح “قراءة تاريخية أُخرى” يشير إلى سوء فهمٍ لعلاقة الأعمال الإبداعية بالتاريخ. ليس التاريخ هنا إلّا ذريعة لإنتاج عمل ضخم على مستوى الديكورات والأزياء. أمّا اختيار الثورة الفرنسية كإطار زماني، فلا يعدو أن يكون مجرَّد وسيلةٍ لحضور الكثير من الدماء على الشاشة.

منذ الأيام الأولى لعرض “الثورة”، شحذت الصحافة الفنية سكاكينها لهذا المسلسل. ظهر عنوان حاد في جريدة “لوفيغارو”: “هذا العمل ليس لمحبّي التاريخ”، واعتَبر تقييم صحيفة “لوموند” أنَّ هذا العمل “فضيحة”.

أمّا مجلّة “تليراما” المتخصّصة في قراءة وتقديم الأعمال التلفزيونية، فذهب أحد مقالاتها إلى ما هو أبعد؛ حين تحدّث عمّا وصفه بـ”سياسات نتفليكس المسيئة لفرنسا”. وليس المقصود هنا الإساءة إلى صورة فرنسا بتشويه تاريخها، بل توفير مثل تلك الإمكانيات الفنية واللوجستية لمخرجين ليسوا أفضل من أنجبهم الساحة الإبداعية الفرنسية.

ثمّة شعورٌ بأنَّ هذا العمل لم يُنتَج لمُشاهد فرنسي؛ حيث أن مَشاهد العنف والدماء والحركة المُبالَغ فيها، وهي مِن الشكليات، تبدو هدفه الأساسي، وبالتالي فهي تحتاج متفرّجاً لا يعرف شيئاً مِن التاريخ، بل ربما عليه ألّا يكون قد اكتسب الكثير من مهارات التذوُّق الفنّي.

كاتبٌ مِن مواليد الجزائر عام 1995، يكتب القصّة القصيرة ويهتمُّ بالثقافة وبقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، يُقيم في فرنسا حيث يتابع دراسته في علوم الكمبيوتر وتقنية المعلومات.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة