جان فيليب ديبوت: في كواليس “خيمياء الرواية”

بات الكاتب الفرنسي جان فيليب ديبوت شهيراً، ليس بفضل مؤلّفاته، بل من خلال قناته على يوتيوب "خيمياء الرواية"، والتي أصبحت بمثابة مرجع في تقييم الكتب التي تناولها بالتقديم. "رحبة" حاورته حول لقاءات يوتيوب بالأدب.

جان فيليب ديبوت: في كواليس “خيمياء الرواية”
(ديبوت في صورة على قناته في يوتيوب)

في كتاب “نرجس وأقنعته”، وضَعَ المُفكّرُ الفرنسي إيف ميشو معجماً لمجموعة كلمات يرى أنها مُهدَّدَةٌ بالانقراض بفعل التحوُّلات التكنولوجية التي أتت بكلماتٍ بدل أُخرى؛ مثل” تصميم ” Design بدل “فن”، و”ويكيبيديا” بدل جامعة، وضمنها وضع “يوتيوب” بدل ثقافة؛ حيث يُلاحظ تغلغل هذا الموقع – ومن ورائه الصورة بشكل عام – في الثقافة المعاصرة، حتى أصبح اليوم مرآةً لعوالم الموسيقى والمسرح والسينما، ولن يكون الأدبُ استثناءً.

وبالفعل، أصبحَ تقديم الكتب مِن بين الخدمات التي يُقدّمها الموقع الشهير، وإن جرى ذلك بطريقة عفوية في كثيرٍ من الأحيان، وربما تتطوّر هذه الممارسة إلى قناةٍ متخصّصة تنتظم في تقديم الكُتُب كما هو الحال مع الفرنسي جان فيليب ديبوت (1967) الذي تحوّلت قناته “خيمياء الرواية” على يوتيوب إلى ما يُشبه المرجع في تقييم الكتب التي تناولها بالتقديم.

وديبوت نفسُه كاتبٌ روائي، مِن أبرز أعماله: “شياطين باريس” (2010)، و”الأيام الغريبة لنوسترادموس” (2011)، و”شبح كوب الشاي” (2015). ولعله استفاد كثيراً من ممارسة الكتابة في تطوير محتويات فيديوهاته، علماً أنّه أطلق بالتوازي مع “خيمياء الرواية” قناةً ثانية بعنوان “خيمياء الكتابة”.

“رحبة” التقت به ليتحدّث حول انتقالاته بين الأدب واليوتيوب.

■ ■ ■

كيف بدأت فكرة إطلاق قناة “خيمياء الرواية” على اليوتيوب؟

يُمكن القول إنَّ البداية كانت بعيدةً جدّاً عن عالَم التكنولوجيا؛ فالمنطلَق في نظري هو رغبتي في كتابة الروايات. بعد أن أصدرتُ رواية “شياطين باريس”، وبدأتُ في كتابة رواياتٍ أُخرى. شعرتُ بأنّ نظرتي كقارئ قد تغيّرت بالكامل إلى نصوص اعتقدت سابقاً أنني أحسنتُ قراءتها ولن أعود إليها أبداً، خصوصاً مِن كلاسيكيات الفن السردي.

هنا انتبهتُ إلى أنَّ الكتابة الذاتية طوّرَت لديَّ مجموعةً من المنبّهات؛ أصبحتُ أتساءل: لماذا أراد كاتبٌ، فلوبير أو بلزاك أو غيرهما، أن يحكي لنا هذه القصة بالذات؟ لماذا اختار هذه الشخصية دون غيرها في دور بعينه؟ ولماذا حظيت بتركيز لم تحظ به شخصيات أُخرى؟

تقوم منهجية القناة على تفكيك العمل الأدبي إلى أربعة عناصر، هي عناصر الطبيعة الأساسية

هذا النوع من الأسئلة هو ما جعلني أُطوّر منهجيةً في مقاربة كلّ الروايات التي أقرؤها أو أُعيد قراءتها، وهي منهجيةٌ يعرفها جميع متابعي القناة اليوم، وتقوم على تفكيك العمل إلى أربعة عناصر، هي عناصر الطبيعة الأساسية: الماء (الأسلوب الذي يترقرق داخل النص)، والتربة (الفضاء الثقافي الذي خرج منه العمل ويضرب فيه جذروه)، والهواء (ونعني به الحكاية التخييلية التي يأتي بها المؤلف)، والنار (الرسالة التي تظهر بعد أن نستهلك النص).

كما هو جليّ، فإنَّ هذه المقاربة تعتمد في آن على رمزيةٍ وعلى جانب بصري. من هنا بدأتُ في تجسيد الفكرة في فيديوهات، وطبعاً كان لديَّ درايةٌ بوجود فئة من مُقدّمي الروايات والكُتُب أو ما يُسمّى “البوكيوبرز”؛ فلا مانع أن أكون منهم.

يمكن أن أضيف نقطةً أُخرى؛ وهي أنني، قبل أن تفرّغ للكتابة، كنتُ مهندساً، ودراسةً الهندسة تُركّز على تحويل الظواهر إلى نماذج قابلة للفهم العقلاني بسهولة للتعامل معها، وهذا تقريباً ما حرصتُ عليه مع الروايات. بعد كلّ ذلك لم يبق سوى التنفيذ.

لو تُفسّر لنا أكثر هذه العلاقة بين مَن يحترف الكتابة من جهة ويُقدّم كتب الآخرين من جهة أُخرى؟

حين نكتب بأنفسنا، نكتشف صنعةَ بناء النصوص، والصعوبات التي ينبغي المرور منها كي نصل إلى أعمال ذات هيكلة متشعّبة أو ذات شخصيات مُقنِعة، بل نكتشف أنه حتى لو توفّرت هذه العناصر بسهولة نسبية فإنَّ الربط بينها وتحويلها إلى نسيج ليس بالأمر الهيّن؛ فليس نادراً أن تكون الشخصيةُ المحورية في العمل جاهزةً في أذهاننا واكتمل بناؤها، أو أننا نبدأ الرواية من حبكة مكتملة في الذهن، لكن كلّ ذلك يحتاج إلى اشتغال كي تعمل الرواية مثل ساعة دقيقة.

أعتقد أن ممارسة الكتابة تتيح للقارئ أخذ المسافة الملائمة من الأعمال الأدبية، وهو موقع دقيق للغاية، حين نكون أبعد – كما هو الأمر مع القرّاء الهواة – ستكون النظرة شموليةً وباردة. وحين نكون أقرب –كما هو حال الأكاديميّين- ستكون منغمسةً في الجزئيات وفاقدةً للروح العامّة والنكهة الفنية.

جان فيليب ديبوت

(جان فيليب ديبوت)

هل يمكننا الحديث عن استراتيجية تواصل خاصة حين يتعلق الأمر بتقديم كتاب عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي وليس بطرق أخرى، مثل التواصل المباشر أو من خلال الكتابة كما هو الحال مع معظم التقديمات التي تمر غالباً عبر الصحافة؟

طبعاً، هناك أشياء ينبغي الحسم فيها من البداية، هي مجموعة خيارات تشبه خيارات كتابة الرواية، وتشبه أيضاً خيارات الناشر في تجسيد الرواية في كتاب ملموس.

حرصتُ على تقديم محتوى مختلف بعض الشيء عمّا يقدّمه “البوكيوبرز”، حيث أنني مثلاً تحاشيت أن أظهر متحدثاً في الصورة، اخترت أن أختفي أكثر ما يمكن كي تظهر المنهجية التي تحدثت عنها سابقاً، والتي تلائمها الصور أكثر من الكلمات والخطاب الجسدي، كما أن ذلك أتاح لي ضخ الفيديوهات بعناصر بصرية متعددة مثل الجداول والأسهم والأيقونات وصورة الكتّاب والمعالم الأثرية واللوحات الفنية وغير ذلك.

للصورة فعالية أكثر من النص المكتوب في مجلة علمية أو في كتاب متخصّص في النقد الأدبي

هكذا فإن حجر الزاوية في استراتيجية التواصل عندي هي تحويل الأفكار إلى سرد بصري. بعد ذلك علينا أن نعترف بما يتيحه موقع يوتيوب؛ إنه فضاء حوار كبير، من خلال التعليقات يمكن أن نصل إلى أفكار جديدة، وهذا وجه آخر من وجوه التواصل.

بشكل عام، كيف تجد تقديم الروايات في اليوتيوب، على الأقل باللغة الفرنسية؟

لعلّني نسيتُ أن أقول لك في سؤال سابق إنّ أحد دوافعي لإنجاز قناة “خيمياء الرواية” هو وجود طوفان من الفيديوهات التي تقدّم الكتب ولكن لا يمكن معها الخروج بتقييم حقيقي. أغلبية الفيديوهات ينقصها التحليل الأدبي، هي مجموعة آراء أو دعوات للقراءة، وكثيرا ما تختلط بالكوميديا. فلا ننسى أن من أهداف نشر هذه الفيديوهات تحصيل عدد كبير من المتابعين، وليس تقديم الكتاب في حدّ ذاته.

كان همّي من البداية مختلفاً، بل إنني أحرص على مخاطبة المتابع الذي سبق له قراءة الكتاب، ليكون هدفي إنتاج قراءة جديدة أكثر من الدعوة إلى الذهاب لشراء الكتاب من أقرب مكتبة أو الدعوة للضغط على زر الإعجاب بعد مشاهدة الفيديو.

هل يمكن أن نعتبر أن هذا النوع من التقديم هو شكل حديث للنقد الأدبي؟

أنا مقتنع بذلك. هو حديث على الأقل من خلال وسيلة تواصل تجعل منه سهل الوصول وربما ذا فعالية تأثيرية أكثر من نص مكتوب في مجلة علمية أو في كتاب متخصّص في النقد الأدبي. أحياناً أنظر في الخدمات الإحصائية التي يتيحها يوتيوب فأجد شرائح عمرية لا أتصوّر أنها تتوجّه لشراء مجلة أدبية أو أنها تحب الذهاب إلى مكتبة عمومية، وأجد جنسيات لا أتوقع أن تكون الروايات التي أتحدث عنها متوفرة لديها، بسبب كل ذلك أعتقد أن يوتيوب اليوم يتيح للناس تذوّق الأدب، وهذا أمر أساسي.

لكن أريد تطوير السؤال والذهاب به إلى منطقة أخرى، فأنا كمتابع للكتب عبر يوتيوب، ثم كمنتج للفيديوهات فيه، تضاعفت رغبتي في القراءة الأدبية مرات ومرات، قراءتي أيضا تغيّرت نكهتها، هناك كتب أقرؤها أو أعيد قراءتها وفي ذهني إنتاج فيديو عنها، هذا يجعل من القراءة لحظة اندماج وغوص.

أفرح حين يمرّ هذا الشعور إلى متابعي القناة، وهو شعور مفرح بالضرورة، أعلم ذلك من النشوة التي يحصل عليها أستاذ في فصله، ولكن الفارق هو أنني أتوجّه اليوم إلى 35 ألف متابع، وجميع هؤلاء أتوا برضاهم. إنه أمر ممتع بحق.

كاتب صحافي وباحث من مواليد تونس عام 1983، مقيم في فرنسا. يعمل محرّراً في القسم الثقافي لصحيفة “العربي الجديد”. يُعدّ حالياً أطروحةً في “جامعة لورين” حول تقاطعات الصحافة بالكتابة الإبداعية من خلال منهجيات السيميولوجيا ونظرية الأجناس.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!

قصص رائجة

معذرة, لا يوجد محتوي لعرضه!
قصص قريبة