جلسة سمر مع رئيس الجزائر الجديدة

يُؤكِّد الرئيس الجزائري لمحاوِرَيه ألّا وجود لأيّ تابوهات، وبأنّهُما حُرّان في طرح الأسئلة. لكنَّه يُغفِل أنَّ تحديدَ نوعية الأسئلة يبدأ بتحديد نوعية الصحافيّين الذين يُحاوِرونه في لقاءاته الإعلامية الدورية.

جلسة سمر مع رئيس الجزائر الجديدة
(رسم: سعد بن خليف)

تَبدأ الحلقةُ الجديدة ممّا يُسمّى “لقاءاتِ رئيس الجمهورية الدوريةَ مع ممثِّلي الصحافة الوطنية”، والتي بثَّها التلفزيون الجزائري مساء أمس الأحد، بكلمةٍ مقتضبة مِن الصحافي محمد بغّالي المعيَّن في يناير/ كانون الثاني الماضي مُديراً للإذاعة الجزائرية قادِماً مِن صحيفة “الخبر” التي عمل رئيساً لتحريرها منذ 2011. يشكر الصحافيُّ الرئيسَ على استضافته مع زميله الذي سيُشاركه في الحوار، قبل أنْ يطلب منه كلمة البداية. غير أنَّ الأخير سيُلقي بالكُرة إلى ملعب عبد الوهاب جاكون، مديرِ صحيفة “لانوفال ريبوبليك”.

 

جاكون يُضحِك تبّون

قبل أنْ يَبدأ في طرح الأسئلة، حاوَل جاكون أنْ يبدو مرِحاً وهو يتحدَّث عنْ انتقاداتٍ وُجِّهت إليه بعد مشاركته في لقاءٍ سابق مع الرئيس عبد المجيد تبّون. فالصحافيُّ، الذي كان أحدَ الأقلام والوجوه المستميتة في تملُّق الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة والدفاع عن منظومته عبر كتاباته في صحيفته وإطلالاته مِن قناة “دزاير تي في” الموءودة، سيُصبِح أكثرَ الصحافيّين مشاركةً في اللقاءات الدورية لرئيس الجزائر الجديدة مع الصحافة، وأيضاً أكثرَهم تعرُّضاً للانتقادات اللاذعة.

أمّا سببُ تلك الانتقادات، فهي بحسب جاكون – الذي يُوضِّح وهو يواصِل أداء دور المحاوِر المرِح، بينما يضحك الرئيسُ ويمدُّ يده ليُحرِّك ربطة عنقه – فهو أنّه طرَح أسئلةً “ليّنةً” وغير محرِجة. هذه روايتُه الشخصية، أمّا الروايةُ الأُخرى، فهي أنَّ الانتقادات تُطاوِله أكثر مِن غيره ممّن يُحاوِرون تبّون، ليس فقط لأنّه يطرَح أسئلةً “غير مُحرِجة”، بل لأنَّه يُبالِغُ في التزلُّف إلى الرئيس، سواءٌ بلغته المنطوقة؛ أي بكلماته، أو بلغته الجسدية؛ أي بحركاتِه وإيماءاته وابتساماته.

كلامُ جاكون ليس، في حقيقةِ الأمر، سوى تمهيدٍ لـ”تحذيرٍ” مِن أنّه سيطرحُ، هذه المرّة وعلى غير العادة، أسئلةً مُحرِجة. لكنّه سيستخدمُ، للتعبير عن هذه الفكرة، كلمةً غير لائقة؛ إذْ سيُخاطِب الرئيسَ قائلاً: “إذن، نقولك: اليوم أنا والسي بغّالي رانا جينا مَتْحرّشِين“.

بالتأكيد، لا يعي الصحافيُّ هنا ما يقول؛ فهو لا يعني التحرُّشَ باعتباره إساءةً جسديةً أو لفظية أو نفسية، بل يَستعير مِن اللغة العامية عبارة “مْحَرّْشِين” (جمع مْحَرَّش) التي تعني، في هذا السياق، أنَّه وزميلَه قدما لإجراء الحوار وهُما مصمِّمان على طرح الأسئلة التي ينبغي طرحُها مِن دون مجامَلة أو تزلُّف. وهذه فكرةٌ يبدو أنّها تروق تبّون؛ إذ سيُجيب مبتسِماً: “مَرَحْبَا… مَرَحْبَا”.

 

مرحباً بالأصدقاء

يُبدي الرئيس ترحيبَه بـ”الأسئِلة المُحرِجة”، مؤكِّداً لمحاوِرَيه ألّا وجود لأيّ تابوهات، وبأنّهُما حُرّان في طرح الأسئلة التي يُريدان. يبدو هذا الكلامُ جيّداً مِن الناحية النظرية، لكنَّ وقائعَ كثيرةً على الأرضِ تُناقِضُه، وأوّلُها – وهو ما يهمُّنا هنا تحديداً – اختيارُ المحاوِرِين.

منذ وصوله إلى سُدّة السلطة في 2019، عمد عبد المجيد تبّون إلى إجراء لقاءاتٍ دورية مع وسائلِ الإعلام الجزائرية. قطعَت هذه اللقاءاتُ مع سلوك بوتفليقة الذي لم يُجرِ أيَّ لقاءٍ صحافي مع وسيلة إعلامٍ وطنية طيلة السنوات العشرين التي قضاها في “قصر المرادية”، لكنَّ اللقاءات لم تكُن فرصةً لطرح الأسئِلة التي ينبغي طرحُها على الرئيس بِقَدْر ما كانت مناسَبةً لإلقاء خطابٍ في اتجاه واحد. وهذا ما كان بوتفليقة يفعله أيضاً، إنّما مِن دون إشراك صحافيّين.

يُفقِد هذا التوجُّهُ لقاءاتِ تبّون صفةَ الحوارِ الصحافيِّ الذي يعني، مِن بين ما يعنيه، طرْحَ الأسئلة التي قد لا يرغبُ المحاوَر في سماعها والتعقيبَ على الإجاباتِ غيرِ المقنِعةِ أو غيرِ الدقيقةِ بأسئلةٍ أُخرى – في إطارٍ مهنّيٍ بالتأكيد، لا الاكتفاءَ بالاستماع وهزِّ الرأس دلالةَ الموافقة أو الإعجاب، وهذا ما يُحوِّلُها (اللقاءات) أيضاً إلى ما يُشبه جلسةَ سَمَر، أو “قُصرة” بين الأصدقاء. ولعلَّ هذا الشعور هو ما دفع جاكون إلى مخاطبةِ الرئيس ضاحكاً: “رانا جينا مَتْحرّشِين”.

في 2008، بادَر أشخاصٌ يصفون أنفسهم بأنّهُم “صحافيّون مقتنِعون ببرنامج رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة” إلى إنشاء ما أسموه “النادي الإعلامي لأصدقاء الرئيس”. ولقاءاتُ تبّون الدوريةُ هذه تكاد تكون نادياً آخر لأصدقاء الرئيس الجديد؛ فمعظَمُ مَن جلسوا على كرسيِّ المحاوِر فيها هُم مِن أصدقاء تبّون، إنْ بالمعنى الحرفيِّ أو بالمعنى المجازي. كلُّهُم، تقريباً، مِن طيْفٍ واحد، ولولا أنَّ الأمر سيكون في غاية السفور، لأُشرِك فيها صحافيّون عيّنَهُم في مناصب مختلفةٍ في مؤسَّسة الرئاسة.

يُؤكِّد تبّون لمحاوِرَيه ألّا وجود لأيّ تابوهات، وبأنّهُما حُرّان في طرح الأسئلة التي يُريدان. لكنَّه يُغفِل أنَّ تحديدَ نوعية الأسئلة يبدأ بتحديد نوعية الصحافيّين الذين يُحاوِرونه.

 

مهرجان الأسئلة “الليّنة”

أتَتْ اللحظةُ المنتظَرة التي سيبدأ فيها عبد الوهاب جاكون بإخراج ما في جُعبته مِن “أسئلة مُحرِجة”. لكنَّ المُشاهِد، الذي يكون – ربما – قد رفع سقف توقُّعاتِه قليلاً، سيُصاب بشيء مِن الخيبة وهو يستمِع إلى السؤال الأوَّل الذي تطرَّق إلى تشكيل الحكومة مطلعَ يوليو/ تمّوز الماضي.

ولعلَّ المُشاهِد سيتصوَّر، لوهلةٍ، أنَّ ما يُؤرِّق الجزائريّين هذه الأيام ليس تنامي انتشار فيروس كوفيد 19 بمتحوّراته، ولا اكتظاظَ المستشفيات بالمرضى وعجزَها عن استقبال المزيد منهُم، ولا موتَ العشرات ممّن وجدوا أسرّةً فيها اختناقاً بسبب غياب الأكسجين، ولا الغياب العجيب لمسؤولي الدولة خلالَ هذه الأزمة الصحية وقبلها خلال الحرائق التي أتَت على قرابة سبعة آلاف هكتار من غابات خنشلة، بل مسائلُ سياسية/ تقنية مِن قَبيل الإبقاء على قرابة ثلاثين وزيراً في الحكومة الجديدة، وقلّةِ الوزراء المتحزّبين فيها، وإسنادِ منصبَي الوزير الأوّل ووزير المالية إلى شخص واحد. والمسألةُ الأخيرةُ يصفها الصحافيُّ بأنّها ظاهرة “ناذرة” (نادرة) في الجمهورية الجزائرية.

يشكرُ تبّون الصحافيَّ على “صراحةِ السؤال”، قبل أنْ يُجيب بأنَّه فضَّل الإبقاء على وزراء أطلقوا مشاريعَ حتى لا يُعيدَها مَن يأتي بعدَهم إلى الصفر، وفي هذا اعترافٌ بغيابِ ثقافة دولةِ المؤسَّسات عن مؤسَّسات الدولة وارتهانِ الأخيرةِ المفرِط إلى الأشخاص. يُضيف بأنَّ مَن جرى استبعادُهم هُم أولئك الذين لم يُحقِّقوا نتائج إيجابية في قطاعاتهم، مِن دون أنْ يُوضِّح المعايير التي اعتُمدت في تقييم النتائج؛ فقد جرى الاحتفاظ بوزراء فاشِلين، كوزير التجارة الغارِق في كيس حليبٍ منذ سنتَين، والذي لم يُر منه غير الخرجات الاستعراضية والوعود الكاذبة.

تفسيرٌ ثالثٌ يُضيفُه الرئيسُ يتمثَّل في أنَّ بعضَ الوزراء الباقين لم يمضِ على تعيينهم سوى أشهر قليلة، وهي فترةٌ غير كافيةٍ لتقييمهم، وفق تعبيره. لكنْ، إذا كان أداءُ الوزراء يخضع إلى تقييم رئيس الجمهورية، فمَن يُقيِّم أداء رئيس الجمهورية نفسِه في بلدٍ لم ينفك دستورُه يُضخِّم مِن صلاحيات الرئيس ويجعله بمنأىً عن أيّ تقييم أو مساءلة، ولم تنفكّ مؤسَّساته تتحوَّل إلى لجانِ مسانَدة له؟ ليسَ بعيداً عنّا “تعهُّد” إبراهيم بوغالي، بُعَيد تنصيبه رئيساً للمجلس الشعبي الوطني في الثامن مِن الشهر الماضي، بالعمل على “تنفيذ برنامج الرئيس”.

تتوالى الأسئلةُ متطرِّقةً إلى وضعية البلاد المالية، والاقتصاد، والتصدير والاستيراد، وأسعار البترول، والبطالة، والاستثمار، والصناعات التحويلية. مرَّ أكثر مِن نصف اللقاء ولم يُطرَح سؤالٌ واحِدٌ عن الوضعية الوبائية، وليسَ واضحاً إنْ كان ترتيبُ الأسئلة بهذا الشكل يعكس أولويات السُّلطة.

 

بِلسان السُّلطة

مُجيباً عن السؤال المتعلّقٍ بالبطالة، حاوَل تبّون أنْ يرسم صورةً مُشرقةً عن الوضع. لكنَّ المشكلةَ هي في السؤالِ نفسِه؛ فقد طرحه الصحافي بعد مقدّمةٍ طويلة: “ملفُّ البطالة، وخاصّةً في بعض مناطق الوطن، صار سجلّاً تجارياً تستخدمه بعض الأطراف لتحقيق أهداف سياسوية مع الأسف الشديد، وبعضُ التحرُّكات صارت تُهدِّد الأمن الوطني. ماذا تقولون لهؤلاء الشباب الذين عددُهم فعلاً ليس كبيراً ولكنّهم موجودون؟ ماذا تقول لهم لتطمئنهم وحتى نقطع أو تقطعون الطريق أمام هذه النفوس المريضة التي لا تريد خيراً بالوطن والمواطنين؟“.

يُجزِم محمد بغّالي بأنَّ عدد البطّالين “غيرُ كبير” في وقتٍ تُشير أرقامُ وزارة الإحصاء والاستشراف إلى أنَّ نسبة البطالة فاقت 13 في المئة في 2020، ويتوّقَع خبراءُ أنْ تزيد بنسَبٍ غير مسبوقة لتصل إلى حدود 20 في المئة، وتوضِّح أرقام وزارة العمل بأنَّ قرابة 51 ألفَ شخصٍ فقدوا وظائفهم خلال العام الماضي وحده.

أكثرَ مِن ذلك، سيستخدم مفردات مِن قبيل “الاستغلال السياسوي” و”النفوس المريضة” التي يُفترَض أنْ نسمعَها (إنْ كان علينا أنْ نسمعها مِن الأساس) مِن المحاوَر لا مِن المحاوِر، وهو بذلك يتجاوَز دورَه كصحافيٍّ يُنتظَر مِنه أن يَطرح الأسئلة بموضوعية، لا أنْ يتحدّث بلسانِ مسؤولٍ في قطاع الإعلام الحكومي أو ناطق رسمي باسم الرئاسة.

بعد الحديث عَن مسائل أُخرى؛ مثل الاستثمار في الحَلفاء والمعجون والعصير وتربية المواشي، سيطرَحُ جاكون سؤالاً “مُحرِجاً” آخر. عن معتقَلي الرأي هذه المرّة. “خصومُك يستخدمون دائماً سجونَ الرأي حجّةً للقول بأنَّك لم تلتزم بما وعدتَ به في مجال حقوق الإنسان والحريات“، يُجيب الرئيس: “يقولو واش يحبّو يقولو. اللسان ساهل“، ثُمّ يُضيف نافياً وجود معتقَلي رأيٍ في الجزائر، ومؤكّداً بأنّه “لا يوجد دستور يُكرِّس الحريات الفردية والجماعية مثل الدستور تاعنا”.

تُشير منظّماتٌ حقوقية ونشطاء إلى أنَّ عدد معتقَلي الحَراك الشعبي يُقارب 300 شخص. لكنَّ تبّون يُصرُّ على أنَّ جميع المعتَقَلين يُتابَعون بتُهَم تتعلَّق بالسبّ والشتم، بينما نعلَم جميعاً أنَّه يجري تكييف تُهمَ كثيرين لتتحوَّل إلى إهانةِ رموز الدولة والتحريضِ على التجمهُر بسبب منشوراتٍ فيسبوكية لا تتضمَّن أيَّ شيء مِن ذلك. أمّا الدستور الذي يُفاخِر به، فلا معنى لتأكيد نصوصِه على الحريات الفردية والجماعية إنْ ظلَّ ذلك حبراً على ورق.

معظَمُ الذين حاوروا تبّون في لقاءاته هم مِن أصدقائه، إنْ بالمعنى الحرفي أو المجازي

في السياق نفسِه، سيتوعّد تبّون بأنّه “لن يرحم أحداً مِن الذين يمسّون بالوحدة الوطنية واستقرار البلاد”. لكنَّ الملاحقات القضائية والأمنية تقتصر على معارِضي السلطة ولا تُطاوِل أيّاً مِن عصابات الأشرار التي تُواصِل، إلى اليوم، بثَّ خطابات العنصرية والكراهية والتفرقة عبر مواقع التواصُل الاجتماعي.

أمّا السؤالُ نفسُه فتضمَّن مغالَطةً ينبغي التوقُّف عندها قليلاً؛ إذ ينسبُ الصحافيُّ الانتقادات المتعلّقة بسجناء الرأي إلى “خصومِ الرئيس” وهو يعلَم أنّ “خصومَ الرئيس” ليسوا وحدَهُم مَن يتحدَّث عن المعتقَلين. ثمّةَ أيضاً المنظّماتُ الحقوقيةُ غير الحكومية، الوطنية والدولية، وتلك ليست، على الأرجح، خصماً للرئيس ولا حليفاً له.

سيتطرَّق الحوارُ، أيضاً، إلى قرار تبّون، خلال اجتماع المجلس الأعلى للأمن الأربعاء الماضي، استحداثَ “قطب جزائي لمكافَحة الجرائم السيبرانية”. وبالطبع، لا يُثير الصحافيّان أيَّ مخاوِف مِن استخدام القطب الجنائي الجديد كأداة للرقابة وتكميم الأفواه وحجب الآراء والأخبار الحقيقية التي لا ترغبُ فيها السلطة، عبر إدراجها جميعاً تحت خانة الجرائم السيبرانية.

هنا، سيُعبِّر الرئيس عن امتعاضه الشديد مِن الشائعات التي تغزو مواقع التواصُل الاجتماعي، مُشيراً إلى أنَّ تسعين في المائة ممّا يُنشَر حول الوضع الوبائي في الجزائر لا يمتُّ بصلةٍ إلى الحقيقة، مُستشهِداً بتحقيقٍ قال إنّه أُجري في أحد المستشفيات وكشف ألّا علاقةَ لوفاة مريضَين فيه بفيروس كوفيد 19، على عكس ما جرى تداوُله عبر الإنترنت.

نحنُ، إذاً، أمام فرضيّتَن: أنَّ ما رآه الجزائرّيون بالصوت والصورة على الشبكات الاجتماعية وتداوَلَته وسائلُ إعلامٍ أجنبية مِن مشاهد مأساوية في مستشفياتِهم، حقيقيٌّ تماماً، وهي فرضيةٌ تدعمُها تصريحاتُ وزير الصحّة نفسِه التي اعترف فيها بوجود “تقصير” وطلَب المعذرة مِن الذين “أخطأ في حقِّهم”.

أمّا الفرضيةُ الثانية، فهي أنَّ ذلك ليس سوى إشاعاتٍ مُغرضة. وفي هذه الحالة، ينبغي التنبيه إلى أنَّ غيابَ الدولةِ الشاملَ وصمتَها المُطبِق عن توفير المعلومات والبياناتِ لحظةً بلحظةٍ هو ما يُغذّي انتشار الشائعات. يُمكِن الإشارة، هنا، إلى أنَّ دور “لجنة رصد ومتابعة فيروس كورونا”، مثلاً، يكاد يقتصر على إعطاء أرقام صمّاء عن أعداد المصابين والمتعافين والمتوفّين كلَّ يومٍ، مِن دون زيادةٍ ولا نقصان، ولا يُجيب عن مخاوف المواطنين وهواجسهم مِن الوباء.

 

إنكار

نحنُ في الدقيقة الخامسة والأربعين مِن الحوار الذي يستغرق قرابة ساعة ونصف. الآن، فقط، سيُطرَح أوَّلُ سؤالٍ عن الوضع الوبائي، وسنجد أنفسَنا مُجدَّداً أمام إشكاليةٍ تتعلَّق بصياغة السؤال الصحافي؛ إذ يَسأل محمّد بغّالي الرئيسَ عن الرسالة التي يُريد توجيهها إلى “الجيش الأبيض” (أي إلى العاملِين في قطاع الصحّة) وإلى “المواطنين الذين هبّوا إلى مساعدة الدولة في مواجهة الوباء”.

يَفترِضُ السؤالُ أنَّ الجزائريّين لم يتضامنوا مع أنفسِهم بعد أنْ فشلت الدولةُ في تأمين ما يحفظ حياتَهم، بل تضامنوا مع الدولة التي يبلغُ احتياطيُّ صرفها أربعةً وأربعين مليار دولار، أيْ مع الدولةِ التي يُعالِج مسؤولوها في الخارِج ولا يختنقون في المستشفيات الوطنية بسبب غياب الأكسجين.

وهذه الإشكاليةُ نفسُها سنجدُها في سؤالِ عبد الوهاب جاكون عن نقص الأكسجين؛ إذ يتضمَّن السؤال نبرةً تبريرية حين يطرَح عامِلَ المفاجأة كسبَب محتمَل للمشكلة، رغم أنّنا بصدد وباءٍ عمرُه أكثر من عامٍ ونصف، ويُفتَرض أنْ تكون الدولةُ قد أعدَّت كلَّ عُدّتِها لمواجهته.

يُجيب تبّون عن السؤالَين بتقديم شكره إلى عمّال الصحّة وإلى المواطنين المتضامِنين، وفي هذا اعترافٌ بوجودِ خلل؛ إذ لا يُعقَل أنْ يتكافَل الجزائريّون في الداخل والخارج لمواجهة أزمَة متخيَّلة. ثمَّ يُرجِع انشار الوباء إلى عدم احترام التباعُد الاجتماعي، مِن دون أنْ يُشير إلى دور التجمُّعات الشعبية خلال حملات الانتخابات البرلمانية الأخيرة في ذلك.

يُفسّر عبد المجيد تبّون أزمةَ الأكسجين بالقول إنّها ناجمةٌ عن “مشكلٍ تنظيمي وليس عن مشكلة إمكانيات”، وتلك مشكلةٌ حقيقة أُخرى؛ إذْ يُمكِن تفهُّم الاختلالات الناتجة عن شُحِّ الموارد على العكس مِن الاختلالات الناتجة عن سوء إدارتها. مع ذلك، لا يتحدّث الرئيسُ عن أيِّ نيّة لمساءلة المسؤولين المقصِّرين أو محاسبتِهمم، ولا عن أيِّ مسؤوليةٍ سياسية أو أخلاقية للدولة، التي قال إنّها خصَّصت ثلاثة ملايير دولار لمواجهة الوباء، في كلِّ ما حدث ويحدُث.

كاتب وصحافي جزائري ومؤسّس موقع “رحبة”. من مواليد 1983. بدأ الكتابة الصحافية مدوّناً في 2005، قبل أن يعمل في عددٍ من المؤسّسات الصحافية الجزائرية والعربية، بين الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون. صدرت له مجموعة قصصية في 2008، ورواية في 2013.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!

قصص رائجة

معذرة, لا يوجد محتوي لعرضه!
قصص قريبة