“جيوبوليتيك الأمم”: قرنٌ مع الصافي سعيد

هناك أكثر من ناقوس خطر يقرعه الكاتبُ التونسيُّ في عمله الأخير الصادر هذا العام. لكنَّ الخطرَ الأكبر هو أن تكون مصائرُ الناس في منطقتنا العربية محكومة بعقول الحد الأدنى من المعرفة وتخطيطات الأيادي المرتعشة.

“جيوبوليتيك الأمم”: قرنٌ مع الصافي سعيد
(الصافي سعيد، 2014)

حين نفرغ من قرابة الثمانمئة صفحة التي يضمُّها كتاب “جيوبوليتيك الأمم” للكاتب التونسي الصافي سعيد (1953)، سنتساءل: هل كان من الممكن أن نُصفّي حساباتنا مع قرن كامل بأقلّ من هذه التكلفة الورقية؟

بين متاهات بداية القرن العشرين وترنُّحات الحادي والعشرين، يوجد قرن من الحروب والديون والأخطاء العبثية والأوهام، قرنٌ من الدروس الموزَّعة على الخريطة العالمية، من اليابان إلى البرازيل، تنتظر من يقطفها عربياً. كتاب “جيوبوليتيك الأمم” هو، بمعنىً ما، محاولةٌ لالتقاط حصاد ناضج وغير مرئي. حصاد تجارب الأمم في مغامراتها وخيباتها واصطدامها بمعطياتها الجيوسياسية.

لكن كتاب سعيد (منشورات سوتيميديا، 2021) لا يلتفت إلى الماضي إلّا بمنسوبٍ يُتيح العودة في كل مرّة إلى الحاضر، والتطلّع إلى المستقبل الذي “يُطبق علينا بابه” في عبارة للشاعر الإيطالي دانتي، أخذ المؤلّف يتأمّلها في مطلع نصّه مستعيراً بناء “رحلة الجحيم الحلزونية” في كتاب دانتي الشهير “الكوميديا الإلهية”. يتعلّق الأمر هنا بكوميديا إنسانية خالصة، ضاحكة ومرعبة في آن.

يقول المؤلف بوضوح: “علينا أن نعرف بأنّ الكثير من حاضرنا لا يزال يدور في ميادين القرن العشرين وبمفرداته. ولكي نفهم عالَم اليوم، فعلينا هضم هذا القرن جيّداً وإلّا استنسخناه ووقعنا في نفس الحبائل والمكائد والهزائم“. يرتسم هذا القرن في كتاب سعيد بملامح خاصّة، مفتتحُه الافتراضي حرب طاحنة ووباء عالمي، ومنتهاه ما نشهده هذه الأيام من حروب متخفّية ووباء عالميّ آخر. ينبّهنا المؤلّف إلى ما وراء هذا التشابه من دلالات، والأهمّ من ذلك ما فيه من دروس؛ ومنها أنّ التاريخ يكتبه المنتصرون… على الأوبئة.

محاولةٌ لالتقاط حصاد غير مرئي: تجارُب الأمم في مغامراتها وخيباتها واصطدامها بمعطياتها الجيوسياسية

ها نحن نعيش على وقع النسق العالي للجائحة. عالَم بأكمله يُحصي الموتى، ولا نقصد تلك العدّادات التي ألحقت بأرقام الموت بكورونا فحسب، بل موت الجغرافيا أيضاً، موت المعنى، وموت السيادة، وربما موت الأرض، ومن ورائها موت الحياة برمّتها. هذا المشهد الجنائزي المعمّم ليس إلّا نتيجة إنكار طويل للويلات التي تجرّها الرأسمالية، ويقع العالم العربي في قلب هذا الإنكار.

غلاف جيوبوليتيك الأمم

يعمل الكتاب مثل آلة توليد/ تسليح معرفية. يضخّ سعيد في ثنايا عمله حزمة من المفاهيم التي لا بد منها لفهم ما يحدث، ومن دونها تبدو سوق الأفكار العربية فقيرة رثّة، وهو ما يتجلّى في الخطاب السياسي السائد من المحيط إلى الخليج، حيث لا نسمع ولا نقرأ إلّا عن مناورات ومشاحنات وخُطط منغلقة وصغيرة الأُفق. لا ينتج كل ذلك إلّا واقع مختنق في ضجيجه وأزماته، حتى أنه يفقد كلّ معرفة بالعالَم، ولا يكون دوره فيه إلا تحمُّل وزر لعب دور التابع في المنظومة العالمية.

من زوايا متعدّدة، يرينا كتاب “جيوبوليتيك الأمم” كيف تعمل هذه الآلة العملاقة الشرسة؛ مرّةً من منظور الإمبراطورية العائمة (أميركا)، ومرّةً من جهة الإمبراطورية الغامضة (اليابان)، وأُخرى من فوق ظهور الفيلة والنمور والتنانين الصاعدة، و كذلك من موقع “الكتلة البرمائية الملعونة” (أفريقيا) أو من زاوية “الجسور المتصدّعة” (الشرق الأوسط).

في هذه الرحلة، يتخّذ صاحب كتاب “خريف العرب” من كورونا استعارة كي يؤكّد بأنّ العالم مريض، ليس بالفيروس وحده، بل أيضاً بتفتّت مقوّمات الحضارة؛ الوعي والكينونة والمناخ، ومن ثمّ يأخذنا في منعطفات فيتساءل عن “صوت الفلسفة” في كل هذا، وعن “الأفندية الجُدُد” و”ماريخوانا المواطن الرقمي”، وفي كلّ مرّة (كل فصل) يجمّع سعيد المعارف، من عيون تخصّصات عدّة، كي يتأمَّل في هذا العَرَض أو ذاك، معتمداً خلطةً باتت تُميّز كتاباته، مادّتها السرد التاريخي بلا شك، ولكنّ مكوناتها أشمل حيث نقف على عناصر إحصائية أو تأمُّلات فكرية، كما يعقد المؤلّف، من حين إلى آخر، ترابُطات بين تواريخ وجغرافيات متباعدة يخترقها خيط ناظم مثل العنصرية أو هشاشة النخب.

يتخّذ من كورونا استعارةً كي يؤكّد بأنّ العالم مريض، ليس بالفيروس فقط، بل أيضاً بتفتّت مقوّمات الحضارة

بهذا المعنى، فإن “جيوبوليتيك الأمم” يُقدّم نموذجاً للكتابات العابرة للتخصّصات، وهي أعمال لا تزال قليلة في الثقافة العربية، حيث تتحرّك معظم المؤلَّفات في مساحات معرفية ضيّقة أقرب إلى أحواض السمك، في حين أنّ فهم الواقع يقتضي معرفة بالتيارات التي تُحرّك المحيطات وتُحدّد مسارات السفن والتجارة وحتى الأخلاق.

لكن هذا النوع من المؤلَّفات العابرة للتخصّصات ليس طارئاً في قائمة إصدارات الصافي سعيد؛ فقد كان ذلك حال: “سنوات المتاهة” (1994)، و”خريف العرب: البئر والصومعة والجنرال” (2005)، و”جيوبوليتيك الدم: التاريخ الأسير والجغرافيا المتصدّعة” (2015). وإنّنا لنجد صدى هذه الأعمال في “جيوبولتيك الأمم”، وكأنه مَرجل تأليفي أُعيد فيه تحضيرها.

يترك سعيد في كتابه الباب موارباً للمسة الذاتية؛ فهو لا يُخفي إعجابه بنماذج أُمم عرفت كيف تكسر الطوق  مثل المكسيك أو البرازيل، ويأخذ الأسلوب طابعاً حميمياً حين يتصدّى لشخصيات تاريخية تنال إعجابه. ولعلّ من الوجيه الإشارة هنا إلى كثافة حضور الفاعل البشري في بناء سرديات الأُمم وتجاربها. ولو أنّ العمل اشتمل على ثبت أسماء، لكان من الممكن أن يزيد حجمه عن الألف صفحة.

عند الخروج من مغامرة قراءة “جيوبولتيك الأمم”، وهي في النهاية مغامرة الخروج من الكهف المحلّي إلى الشمس الحارقة للصراعات الدولية، سنشعر بالمسافة المفاهيمية بين نسيج متداوَل الخطاب الإعلامي والسياسي عربياً، وما يُفترض أن يحضر فيه. هناك أكثر من ناقوس خطر يشدّ عليه الصافي سعيد، ولكن الخطر الأكبر هو أن تكون مصائر الناس في منطقتنا العربية محكومة بعقول الحد الأدنى من المعرفة وتخطيطات الأيادي المرتعشة.

كاتب صحافي وباحث من مواليد تونس عام 1983، مقيم في فرنسا. يعمل محرّراً في القسم الثقافي لصحيفة “العربي الجديد”. يُعدّ حالياً أطروحةً في “جامعة لورين” حول تقاطعات الصحافة بالكتابة الإبداعية من خلال منهجيات السيميولوجيا ونظرية الأجناس.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!

قصص رائجة

معذرة, لا يوجد محتوي لعرضه!
قصص قريبة