“جيوبوليتيك المسلسلات”: ممثِّلون لا يظهرون على الشاشة
(مِن مسلسل "بيت البطاقات")

“جيوبوليتيك المسلسلات”: ممثِّلون لا يظهرون على الشاشة

في هذا الكتاب، يتناول الباحث الفرنسي دومينيك مويزي عالَم إنتاج المسلسلات التلفزيونية باستخدام أدوات "الجغرافيا السياسية"، في محاولةٍ لإثبات وجود علاقاتٍ وطيدة بين فضاءَين يبدوان في الظاهر متباعدَين جدّاً.

ونحن نقف على عبارة “جيوبولتيك المسلسلات”، يصعبُ أن نجد علاقةً منطقية بين الجيوبوليتيك باعتباره علماً يقارب إستراتيجيات الدول انطلاقاً مِن مواردها الطبيعية ومواقعها الجغرافية، والمسلسلات بوصفها شكلاً مِن أشكال الترفيه.

ولكَي نعثر على رابطٍ بين الكلمتَين المكوِّنتَين لعنوان الكتاب الصادر في 2016 عن “منشورات ستوك”، يجدر بنا أن نتعرّف على المؤلِّف؛ الباحث الفرنسي دومينيك مويزي (1946)، والذي جعل منذ سنوات موضوعَ بحثه الرئيس: جيوبوليتيك المشاعر، أي تأثير الأخيرة في العلاقات الدولية. وضمن هذا المبحث الواسع، يتناول بأدوات “الجغرافيا السياسية” عالَم إنتاج المسلسلات، مُثبِتاً في الأثناء وجود علاقاتٍ وطيدة بين فضاءين يبدوان في الظاهر متباعدَين كثيراً.

يُفرِّق مويزي بين مستويَين في ارتباط عالَم الفنون الدرامية وعلم الجيوبوليتيك: الأوّل هو حضور مُعطىً جيوسياسي كسياق عام لعملٍ من الأعمال التلفزيونية، ولعلَّ النموذج الأبرز في هذا النوع مسلسلاتُ الجوسسة أو الحروب، والتي تعتمد في الغالب على معطيات تاريخية، دقيقة إلى حدّ كبير، ضمن محوَرين مهيمنَين؛ صراع “العالم الحرّ” ضد النازية أو ضد الشيوعية خلال الحرب الباردة.

غالباً ما تكون بعضُ الأعمال التي يبدو البعد الجيوسياسي غائباً عنها جيوساسيةً بامتياز

كما يُشير المؤلِّف إلى أنَّ بعض الأعمال التي يبدو البعد الجيوسياسي غائباً عنها تماماً تكون جيوساسية بامتياز، ويذكُر هنا كمثالٍ مسلسلَ التحقيقات البوليسية “المفتّش ديريك”. هذا المسلسل، الذي أُنتج في ألمانيا الغربية خلال سبعينيات القرن العشرين، لم يتورّط في مشاكسة الجزء الشرقي مِن البلاد، لكن بعد توحيد الألمانيّتين، كثيراً ما أشار الألمان الشرقيّون إلى أنهم اكتشفوا سحر العالَم الرأسمالي مِن خلال مَشاهد في المسلسل كانت تَظهر في خلفيّتها سيارات فارهة أو يافطات إعلانية عملاقة لنساء شبه عاريات يُروّجن لسيجارة أميركية أو لمشروب كحولي فرنسي.

أمّا المستوى الثاني، فهو حضور الرهانات الجيوسياسية كسياق إنتاجي؛ حيث أنَّ المسلسلات يمكن أن تكون مؤشِّراً على درجة هيمنة بلد ما في محيطه الإقليمي أو بلوغ العالمية في أحيان كثيرة. يكفي أن نرى العلاقة الواضحة للعين بين المناطق التي تصلها المنتجات الدرامية الأميركية وتلك التي تصلها جيوش الولايات المتّحدة. كما أنّ دخول بلد ما ضمن دائرة الدول ذات الأطماع الجيوسياسية يمكن أن نجد له مؤشّرات في منظومة توزيع الأعمال الفنية، ومِن ذلك وصولُ المسلسلات التركية في القرن الحادي والعشرين إلى العالَم العربي بعد أن كانت تدور في سوق محلية طيلة عقود، أو وصول المسلسلات البرازيلية إلى أفريقيا بعد أن كانت منحصرةً في دول القارة الأميركية الجنوبية.

جيوبولتيك المسلسلات

(غلاف الكتاب)

يلتقط مويزي – من زاويته الجيوسياسية – ملاحظات أُخرى؛ مِثل إشارته إلى مصادفة تتعلّق بـ”منعطف” في الفلسفة الإنتاجية للمسلسلات في بداية القرن الحادي والعشرين تزامَن مع منعطف جيوسياسي هو ضربات 11 سبتمبر/ أيلول 2001. قبل ذلك، طالما اعتُبر المسلسل شكلاً إبداعياً ثانوياً؛ فقد كانت ميزانيات شركات الإنتاج الكبرى تذهب إلى الأفلام، وكذلك أبرز الطاقات والمواهب لدى المخرجين والممثّلين والمؤلّفين والتقنيّين، إضافةً إلى توفير كلّ الموارد اللوجيستية لها.

فجأةً انقلب الأمر تماماً؛ فمع مسلسلات مثل “24” و”لوست”، بات الإنتاج التلفزيوني لا يقلُّ في شيء عن الإنتاج السينمائي. يُلقي مويزي، هنا، بفرضية أنّ أحداث سبتمبر/ أيلول 2001 مثّلت إشارة بالنسبة إلى أميركا بنهاية زمن “الباكس أميريكانا” (أي السلم العالمي تحت قواعد أميركية، وهو العهد الذي بدأ بسقوط جدار برلين في 1989). الشعور بنهاية هذا العهد أنتج بحثاً عن محامل فنّية جديدة تُعيد بها أميركا إنتاج هيمنتها الثقافية، فظهرت الحاجة إلى ما يُمكن أن يشدّ الجمهور أكثر من الأفلام التي تقلّصت فضاءات عرضها المعتادة.

يُمثّل “صراع العروش” تبريراً لمُسلَّمات النيوليبرالية التي تسود العالَم منذ الثمانينيات

بفضل توفير كُلّ تقنيات الإبهار، حقّقت مسلسلات القرن الجديد شعبيةً لافتة، ما أنتج رأسمالاً جديداً جرى تدويره لكسب قواعد جماهيرية كبيرة. هكذا، تهيّأت كلّ الظروف كي يبدأ المنتجون في دخول مغامرات من العيار الثقيل.

يهتم المؤلِّف بتحليل أكثر الأعمال ملامَسةً لمجاله، فيُخصِّص فصلاً لتحليل مسلسل “بيت البطاقات” (House of Cards) والكيفية التي يضيء بها كواليس اللعبة السياسية في الولايات المتّحدة.

لكن العمل الذي حظي باهتمام أكبر مِن المؤلف هو “صراع العروش” (Game of Thrones)، والذي اعتبره أكثرَ الأعمال التلفزيونية نزعةً جيوسياسية على الإطلاق، فيذهب في تأويل مختلف الأُسَر المتصارعة ضمن العالَم المتخيّل المقترَح، وكأنه يحلّل صراعات دارت أو تدور على أرض الواقع.

يلفتنا مويزي إلى بعض الخطورة في هذا العمل؛ حيث أنَّ منطق الشخصيات يقوم على افتراض أنّ الإنسان لا تحرّكه إلا نوازع المصلحة، وبالتالي يُصبح المسلسل تبريراً طويلاً لمُسلَّمات الرأسمالية النيوليبرالية التي تسود العالَم منذ وصول رونالد ريغان إلى رئاسة الولايات المتّحدة في ثمانينيات القرن الماضي.

هكذا، نفهم مع دومينيك مويزي أنَّ الميزانيات الضخمة التي تُصرَف على المسلسلات لم تأت من فراغ، بل من أجل خدمة مصالح كبرى، هي في النهاية نفس المصالح التي تتحرّك على خارطة العالَم… مصالح تتخفّى خلف الحكايات والحبكات، وخلف وجوه الممثِّلين الذين نراهم على الشاشة.

كاتبٌ مِن مواليد الجزائر عام 1995، يكتب القصّة القصيرة ويهتمُّ بالثقافة وبقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، يُقيم في فرنسا حيث يتابع دراسته في علوم الكمبيوتر وتقنية المعلومات.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة