حكايات محمود أبو زيد: كيف غبنا عن الوعي والعالم

جعل السيناريست المصري الذي تحل اليوم ذكرى ميلاده من المخدّرات ثيمة رمزية تكوينية لحكاياته؛ لقد كتب عن تلك الأشياء التي تنتشر بيننا - كظواهر سلوكية أو ثقافية - ومن ثمّ تتحوّل إلى حجاب يُخفي عنا العالم ويسجننا في الفراغ. أليس هذا حال مجتمعاتنا العربية منذ عقود؟

حكايات محمود أبو زيد: كيف غبنا عن الوعي والعالم
محمد أبو زيد (أقصى اليمين) من أرشيف صالح فوزان (فيسبوك)

تعمل حكايات السيناريست المصري محمود أبو زيد (1941 – 2016)  كساعات دقيقة. كل شخصية، كل حدث، كل حوار، كل تفصيلة بصرية، تخدم الحكمة الأخيرة التي يودّ أن يوصلها إلى المُشاهد، والتي كثيراً ما يوجزها في آية قرآنية أو عبارة سائرة، حتى إذا سمعناها في سياق الحكاية التي يرويها بدت من لحم ودم.

هكذا يورد الآية: “ونفس وما سوّاها، فألهمها فجورها وتقواها” في فيلم “العار” (1982) فيوقظ من المعاني ما كان مطموراً، وبدقة يفصّل معنى الآية : “ومن يبدّل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب” في “جري الوحوش” (1987)، ويستحضر في فليم “الكيف” (1985) بيت أحمد شوقي: “إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا” فيجعل منه حكاية من صميم الواقع.

في هذه الأعمال، بدا أبو زيد وكأنه وقع على الطبقة الصوتية المناسبة له، لكنه للأسف لم يقدّم أعمالاً كثيرة ولم تتحوّل طريقته في الكتابة إلى مدرسة يسير فيها غيره، رغم التقبّل الجماهيري والنقدي الحسن لهذه الأفلام، خصوصاً ما يُعرف بالثلاثية الأخلاقية (العار، الكيف، جري الوحوش: ما بين 1982 و1987)، وهي الأفلام التي جمعته بالمخرج علي عبد الخالق الذي أخرج له أيضاً “البيضة والحجر” (1990)، وغير بعيد عن هذه المناخات كان له فيلم “الذل” (إخراج محمد النجار، 1990).

لا تزال هذه الأفلام منغرسة في الذاكرة السينمائية العربية، وقد استفادت ليس من المضامين القيَمية التي طرحها أبو زيد وحدها، ففي جميعها توجد لمسةُ كوميديا ذكية وطرافة أصيلة، واشتغال متقن على اللغة وحتى على أسماء الشخصيات التي وجدت كرماً في الأداء من مجموعة ضيّقة من الممثلين الذين تداولوا على تنفيد الأدوار (محمود عبد العزيز، نورا، يحيى الفخراني، حسين فهمي، نور الشريف…).

كانت المخدّرات واحدة من أبرز العناصر التي أثّث بها أبو زيد العوالم المتخيّلة التي قدّمها. من الواضح أن السيناريست المصري قد تعمّق في فهم المخدرات كظاهرة اجتماعية، فقد أظهر خباياها وتقنياتها ومعجمها، ولكنه ذهب أبعد حين جعل من المخدّرات ثيمة رمزية تكوينية لحكاياته؛ يسميها في أحد أحاديثه التلفزيونية بـ”المخدرات المعنوية”؛ لقد كتب عن تلك الأشياء التي تنتشر بيننا – كظواهر سلوكية أو ثقافية – ومن ثمّ تتحوّل إلى حجاب يُخفي عنا العالم ويسجننا في الفراغ. أليس هذا حال مجتمعاتنا العربية منذ عقود؟

■ ■ ■

 

العار

فيلم العار

يطاول المعمار السردي لهذا الفيلم رواية عالمية من الأدب الرفيع. يقترح أبو زيد حكاية أب ورع غنيّ يكتشف أبناؤه الأربعة – بعد وفاته – أنه تاجر مخدّرات، وأن الرخاء الذي كانوا يعيشون فيه ولم يتساءلوا قط عن مصدره بات على محك المقايضة بين التفريط في ما اعتادوا عليه من نعمة مغمّسة في الإثم، أو مواجهة الفضيحة والفقر.

ما يُحسب لأبو زيد هو تصويره للأزمات الداخلية للأبناء ومن ثم المتابعة الدقيقة لتحوّلاتهم، وقد هيّأ الشخصيات كي تعيش أقسى درجات التمزّق النفسي، فاختار من بين مهن الأبناء من هو قاض يُمسك من بين الملفات التي ينظر فيها قضايا عصابات المخدّرات، وطبيبٌ يعالج الناس من آفة الإدمان، وكلاهما يجد نفسه بين ليلة وضحاها مضطراً لوراثة تركة الأب.

قد تبدو المخدّرات الثيمة الرئيسية للفيلم، لكن التخدير الذي يؤكّد عليه سيناريو محمود أبو زيد يقع في منطقة أخرى، فهم لا يتعاطون شيئاً منها بالمعنى المادي،  وإنما هم متعرّضون لرغبة جارفة في الحفاظ على المكانة الاجتماعية تتحوّل إلى منوّم يفتّت ضمائرهم ليبدأوا في تبرير أي خطوة كانوا يعتبرونها في وقت قريب إثماً يحاكمون غيرهم على ارتكابه.

 

الكيف

فيلم الكيف

مرة أخرى تحضر المخدرات بشكل مباشر، حيث يقترح السيناريست المصري حكاية أخوين على طرفي نقيض؛ أحدهما يلهث خلف ملذاته وينغمس في عالم “الكيف”، فيما يَظهر الثاني في غاية الاستقامة وقد اختار له أبو زيد أن يكون باحثاً كيميائياً، مؤمناً بالعلم مناهضاً لحالة التخدير المتفشّية خوله، ومن ثمّ يضع أمامه سلسلة أحداث تجعل منه ينتقل من موقف راديكالي ضد استهلاك المخدرات إلى منتج لها.

لكن وراء المخدرات بمعناها المعروف يطرح أبو زيد لعبة رمزية، حيث يُظهر طوال الفيلم الأغاني الخفيفة باعتبارها شكلاً من أشكال التخدير الاجتماعي، بل يتفنّن في الذهاب بهذه اللعبة بعيداً حين يؤلف للفيلم مجموعة أغان مما بات يستهلكه الناس منذ عقود، بعضها نال شهرة خاصة مثل: “الكيمي كيمي كاه”، و”تعالي ياني للدور التحتاني”…

كما تبرز (وهذا ماثل في مختلف أعماله) اللغة كحامل آخر من محامل التخدير الاجتماعي الواسع، وهو هنا يعتمد تقنية فريدة من خلال رسم تحوّل الشخصيات فوق صفحة استعمالاتها اللغوية، وقد عبّر عنها في فيلم “الكيف” بعبارة طريفة: إنت ما بتعرفش لغة. وثم ينتهي الفيلم على رقصة يحيى الفخراني، وقد انخرط في بِركة التخدير: “اتعلّمت اللغة”.

 

جري الوحوش

جري الوحوشمرة أخرى تتحوّل الرغبة الجارفة إلى مخدّر يقود صاحبها إلى التدمير الذاتي. يستعمل محمود أبو زيد هنا أمثولة بسيطة عن شخص غنيّ محروم من الإنجاب، يضع السيناريست في طريقه جرّاحاً يعتقد أنه وجد الطريقة العلمية لعلاج العقم، ولاحقاً شخصاً كثير الأبناء قليل الرزق، وهكذا تتشكّل عناصر الدوّامة التي سيصوّرها أبو زيد.

لعبة فريدة جعلت من العلم مخدّراً جديداً، ومن حلم الإنجاب ذريعة لتبرير كل شيء، ومن الطموح للثروة جسراً نحو التخلي عن أي شيء بأي ثمن. بات الديكور جاهزاً لإعادة تمثيل الحياة الاجتماعية الجديدة للأزمنة الاستهلاكية.

في هذا العمل قدّم أبو زيد قراءة ساخرة للعالم، طوّرها بوضع المتناقضات جنباً إلى جنب، خصوصاً مع حضور فريد لشخصية المحامي عبد الحكيم (أداء حسين الشربيني) حين رافق كل حوارات الفيلم تقريباً، وعلّق على تهافت بقية الشخصيات دون أن يتمكّن صوت العقل من إقناعهم بالامتناع عن السير نحو الهاوية.

 

الذل 

الذلبعد ثلاثيته الشهيرة، كأن محمود أبو زيد تذكّر أنه قد نسي أن يضيء مخدّراً يضرب بسمومه في المجتمع العربي، إنه البحث عن الراحة بأي ثمن. هنا يأتي بحكاية شاب يخسر ميراثه في القمار، فيلجأ إلى عمّه كي ينقذه لكن هذا الأخير يصدّه ليبدأ الشاب في التفكير في قتل العم معتقداً أنه السبيل الوحيد كي يرثه.

يتلاعب أبو زيد بالشخصيات حين تفشل محاولة القتل، لكن العم يموت لوحده بشكل مفاجئ، وهو ما يحقق حلم ابن أخيه، والذي يجد نفسه – تبعاً لذلك – متورطاً في جرائم متتالية في سبيل حماية تلك الثروة من من تهديدات يُفبركها أبو زيد من حوله ليحوّل رعب ضياع الثروة إلى وحش بشري.

وفي الأثناء تُدمَّر أمام أعين المشاهد قيم الحب والصداقة والأمانة، فتحت تخدير الطمع تتحوّل القيم إلى أعباء تبحث الشخصيات عن طرق التخلّي عنها وإلا خسرت تلك الأهداف التي رسمتها، وماهي إلا أهداف زائفة تعبّر عن خواء داخليّ.

 

البيضة والحجر 

البيضة والحجرفي هذا الفيلم تغيّرت تشكيلة الممثلين التي تعوّدت أداء الأفلام المقتبسة من قصص محمود أبو زيد، حيث أُسندت الأدوار الرئيسية إلى أحمد زكي ومعالي زايد، وهو ما أعطى هذا الفيلم مذاقاً مختلفاً عن بقية الأفلام.

المخدّر الذي يقترحه المؤلف المصري هنا هو الشعوذة. وهذه المرة لا يرسم لنا كيف تنتشر السموم بين الناس، بل يجعل من ذلك الوضعية الأوّلية التي تنطلق منها الأحداث؛ فالجسد الاجتماعي منخور بشكل مسبق بالإيمان بالشعوذة، ومن ثم يقترح شخصيةً (أستاذ فلسفة) تبدو – بادئ الأمر – مناهضة بشكل راديكالي لتفشي الرؤية الخرافية للعالم، بل تقترح له بديلاً، ومن ثم يجعلنا أبو زيد نتابع كيف يهضم المناخ العام هذه الشخصية فيحوّلها إلى أداة جديدة لترويج المخدّرات والمساهمة في الغيبوبة العامة الشاملة.

بهذه اللعبة ينتقل السيناريست المصري بين اتهام الشعودة بكونها مخدرّاً، وهذا دارج، إلى الإشارة إلى أن العارفين بذلك (نسميهم عادة بالمثقفين) قد يصبحون هم أيضاً نوعاً آخر من المخدرات. ولننظر إلى الشاشات ومن يغذّي الناس بالأفكار فيها. ما نبّه إليه أبو زيد منذ أربعة عقود أليس هو ما نعيشه اليوم؟

كاتب صحافي وباحث من مواليد تونس عام 1983، مقيم في فرنسا. يعمل محرّراً في القسم الثقافي لصحيفة “العربي الجديد”. يُعدّ حالياً أطروحةً في “جامعة لورين” حول تقاطعات الصحافة بالكتابة الإبداعية من خلال منهجيات السيميولوجيا ونظرية الأجناس.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة