حوارٌ متخيَّل مع كرة رياض محرز

أتذكَّر لقطةَ الهدف الذي سجَّلَه محرز أمام زيمبابوي. في تلك اللحظة شعرتُ بغيرة لا تُوصَف، فنحن الكُراتُ نغار مِن بعضنا البعض. والحقيقةُ أنَّني عشتُ أيّاماً عصيبة. صارت غيرتي ناراً وقودُها كلُّ الصور والفيديوهات التي نشرَتها تلك الكرة لتتباهى بما حدث.

حوارٌ متخيَّل مع كرة رياض محرز
(مِن مباراة "مانشستر سيتي" و"ولفرهامبتون"، 02 مارس 2021)

بدَت غاضبةً. نظرَت يميناً وشمالاً ورفعَت عينَيها إلى السماء وكأنّها تبحثُ عن مفقود غالٍ. لمحَتني مُنزوياً أسترق النظر إليها، فبادرَتني بالسؤال: هل أنت جزائري؟

أجبتُ كرةَ الهدف الأوّل* لـ “مانشستر سيتي” في مرمى “وولفرهامبتون”: “نعم. ولأجلكِ سافرتُ. وسأكون في قمّة السعادة لو قبلتِ طلبي بإجراء حوارٍ ينتظره ملايين العُشّاق”، فردَّت: “أنا العاشقة التي تُعاني ويلات الانكسار. أظنُّك جئتَ في الوقت المناسب. سَل ما بدا لك ولن تجد منّي غير الصراحة”.

– بدايةً، لِمَ كلُّ هذه القسوة على المدافعِين؟

– يجب أن تفهم شيئا أيها العربي! لم يكُن دخولي المرمى قسوةً على المدافِع، بل تلبيةً لنداء القلب الهائِم في عشق لاعبكم رياض محرز.

– هل يُمكن أن تشرحي هذه المعادلة، أو لنقُل تبسيطَها؟

– رماني مِن بعيد… تهتُ في السماء، وإذا برِجْلٍ يُسرى تدعوني إلى الرقص. قبلت الدعوة، لكنَّ المجالَ لم يتّسع لأكثر من ثوانٍ. سلّمَتني لليُمنى في حركةٍ فيها الكثير من اللذّة والألم؛ لذّة الملمس الناعم المفعَم بالحنان، وألم الفراق بعد اجتماع لم يدُم كثيراً. وأنا مُتّجهةٌ نحو معترَك الأرجُل، قرّرتُ أن أزور الشِّباك مهما كان اسمُ المستقبِل، ليس رغبةً في الزيارة وإنما أردتُ أن أهدي حبيبي الذي أبدَع في مراقصتي وآلمني فراقُه وردةً تُنصِّبه ملِكاً… في قلبي على الأقلّ.

– كلُّ هذا حدث في ثوانٍ؟ لعلَّكِ تبالِغين!

– قد يبدو لكَ ذلك. لكنَّّ القصة لم تبدأ اليوم. أتذكَّر لقطةَ الهدف الذي سجَّلَه محرز أمام زيمبابوي. في تلك اللحظة شعرتُ بغيرة لا تُوصَف. نحن الكُراتُ نغار مِن بعضنا البعض ولا نغير من زوجات اللاعبين، لأنَّ العلاقة مختلفة… معنا يسمو اللاعب على لحظات الشهوة والرغبات العابرة ليَسبح في ملكوت الخيال. ليسَ كلُّ اللاعبين بالطبع، إنّما المميّزون منهم فحسب.

والحقيقةُ أنَّ غيرَتي صارت ناراً وقودُها كلُّ الصور والفيديوهات التي نشرَتها تلك الكرة لتتباهى بما حدث معها. عشتُ أيّاماً عصيبة، غاب النوم عنّي وصرتُ أُعاني من الأرق. لكنَّ أَملَ اللقاء بفارسي هوَّنَ الأمر، حتى جاءت لحظة اليوم.

– وكيف قضيتِ تلك الفترة الصعبة على حد قولك؟

– لجأتُ إلى المطالعة… قرأتُ أشعار مفدي زكريا ووجدتُ فيها الكثير من الأبيات التي يتغنّى فيها بمحرز ومعجزاته. قرأتُ عن طبوعكم الموسيقية والغنائية… عن نوري كوفي والحاج الغافور… عن الشاب خالد ومامي… عن الشيخة الريميتي والجنّية الحقانية… قرأتُ عن رائعة “حيزية” التي غنّاها خليفي أحمد وعبد الحميد عبابسة ورابح درياسة… عن الحاج العنقى والزاهي وقروابي… عن عيسى الجرموني وبقّار حدة… عن بلاوي الهوّاري وأحمد وهبي.

– لِمَ كلُّ هذا وأنتِ مجرَّد كرةٍ تتقاذفها الأرجل؟

– لعلّه العشق! قرأتُ كلَّ ذلك حتى أكون جاهزة للحفلة… للرقصة التي تنتظرها كلُّ كرةٍ مثلي. محرَز لا يلعب بنا أو معنا، بل يضرب لنا موعداً في كلِّ لمسةٍ مع رقصة، تختلف الرقصات حسب المزاج وحسب الموقع في الملعب. قرأتُ حتى أُلبّي دعوته، لنقُل حتّى أنصاع لأوامره؛ فنحن قد نُلبّي الدعوة مع بقيّة اللاعبين. لكن حين يتعلَّقُ الأمر به، ندخل بيت الطاعة طواعيةً، بحثاً عن لحظة متعةٍ لن نجدها عند غيره.

– وما المختلِف عند محرز؟

– عندما يُروِّضُني أغيب عن الوعي. وحين أُفيق، أشعر أنّني أحمل حُلْم شعب. أستمِع إلى صوتٍ غريبٍ يُردِّد أشعار أحمد مطر، ويتداخَل معه صوتٌ ملائكي يغني أبياتاً لنزار قبّاني. عندما يُسدَِّدني أشعر أنه يقف على منصّة الحرية المفقودة، يقود جيشاً يحمل رايات بيضاء تبدو في ظاهرها علامةً للاستسلام، لكنَّها في حقيقة الأمر سلاحٌ يدعو إلى التغيير.

قد لن تفهمني، وربما ستّتهِمُني بالجنون. أنا الكرةُ المستديرة التي يعشقني الملايين أتحوَّل بمجرَّد لمسةٍ منه إلى ضحية تعشق جلّادها وتهيم في عشقه وتنصاع له، فيكون المشهد في حضرته مختلِفاً. معه، يُصبحُ الأمرُ حفلةً راقصة على أنغام ماجدة الرومي: “يُسمعِني حين يراقصني… “، وليس مجرّدَ مباراة كرة قدم كما مع غيره.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* افتتح رياض محرز أهداف فريقه “مانشستر سيتي” ضدّ “ولفرهامبتون” في المباراة التي أُقيمت أمس ضمن الجولة 29 من الدوري الإنكليزي الممتاز لكرة القدم، وانتهت بفوز  الأوَّل بأربعة أهداف لهدف.

صحافي جزائري مُقيم في قطر.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
  • المواطن علي رحالية
    03 مارس 2021 | 21:55

    هههههههه يا خي مريض.. يا خي.. شفاك الله خويا العربي

قصص قريبة