حياة موازية في الغَرَق
جيراردو نوفي أمام "محطة غاليباردي" في نابولي (رحبة)

حياة موازية في الغَرَق

العالمُ يَطلبُ مِنّي أن أذهب إلى الحرب، السَّماءُ تَطلب منّي أن أكون صبوراً، البحرُ يَطلُبُ أن أرى جَماله، وأنتِ تطلبين منّي أن أضع كلَّ الحبِّ في رسالة.

أُغنية جنائزية من أجلِ المهزوم

 

كان الشاعرُ الشّابُ مَشدوهاً بالسَّماء كَحَدٍّ أخير، بإيمانِ، أتصدِّقون؟

ولا شيء في بالِهِ سِوى حُبِّ كلِّ شيءٍ ولا شيءَ.

 

هذي هي اللُّعبة: أن تُدرِكَ أنَّ كل هذا الجُهد بلا مُكافأة، فقط أن تَسمَعَ الصَّوت وأن تُعانقَ ما هو أنت: امتدادٌ بلا عودةٍ، عَينٌ تَجِدُ نَفْسَها فجأةً تسافِرُ داخل نَهر قُربَ جسدك الآن

في حربِ لا قاعَ لها.

لا اتجاه، لا نارَ تُمسك بيدك وتقودُك إلى كلّ مكان. يُمكنك فحسب أن تَقبل أينَ أنتَ الآنَ، وما أنتَ عليه الآن، مِنْ أجْلِ أن تُحِب، لتكشف الآن عن وردِكَ الأحمرِ ويَديكَ الوَدُودَتَين.

 

لا أحمِلُ إعجاباً إلا بالمفكّرين الذين استسلموا قبل كلّ شيء.

 

هل تَشعرون بالهرمونيا؟

بالتردُّدِ الكهربائي الذي يَخلقُ التّعاطُف؟

 

هذا كلُّهُ خطٌّ مكسور

يَمتلئ الآن بكتُبٍ مُتوحِّشَةٍ وكُتّابٍ مَنبوذين.

يَعرِفُ المُفكّرون والشُّعراءُ أن هذه السَّماء لا قواعِدَ لها ولا قافية.

 

هذا هو المَأزق: الواقعُ ليس مَصنوعاً من أرصفةٍ مُبلَّلةٍ وأحاديثَ نِصْف مخمورةٍ قربَ كنيسةٍ، نضحك فيها على شخص حاول أن يَرقُصَ أو على تلك الليلة التي كِدتَ فيها أن تترك كلّ شيء وراءَك (ربما رسالة فقط) وتَنزِلَ من الطابق الخامس بانحناءةِ تحيةٍ ووَعْد.

 

الواقعُ لا يعترف بالحميميةِ؛ عملتي الوحيدة، ولا يهتمُّ بِسَرْدٍ قادمٍ مِن ضِفافٍ أُخرى سوى ضِفّةِ العُنفِ المُجرَّدِ، حيثُ المسافة بين شِفاهنا هي كلّ ما يَهمّني.

 

بماذا يؤمنُ هذا الزمنُ؟ بهُزالٍ عاطفيٍّ يُسمّى حُبّاً، بأبٍ يَلتهِمُ ابنه ليُنتخَبَ مرّةً ثالثة، بفاشيٍّ يَصرخ بالبراءة وغبارُ البارود ما زال في يديه.

 

يصرخون بأنهم يعيشون مِنْ أجل الآخَرِ، ثم يَتَّهمونَ يَسوعَهُم بأنه كاذبٌ وبأنه ليس مسيحياً حقّاً، أنه حالمٌ وقَلبُهُ عَقَبْةٌ ستؤدي إلى أن يُفترس كلُّ قطيعه.

 

لمن أُصلّي؟

بماذا أؤمن؟

لا شيء.

 

السَّلام انتهى. ولا أستطيع أن أفعل شيئاً، لذلك أختار:

أنقضُ السُّلطةَ وأُقيم في وزارة الحضور،

الحضورُ الذي ما زال يقاوم فوق هذه الأرض المَلعونة، الحضورُ الذي يَلُمُّ شتاتَنا.

العالمُ يَطلبُ مِنّي أن أذهب إلى الحرب، السَّماءُ تَطلب منّي أن أكون صبوراً، البحرُ يَطلُبُ أن أرى جَماله، وأنتِ تطلبين منّي أن أضع كلَّ الحبِّ في رسالة.

سأكتبها هذا المساء، وسأتركها لكِ تحت تلك النَّجمة إلى يمين نافذتك.

لن أربح شيئاً، لكنّ الشاعر على الأقل سَيَجِدُ كلماتٍ لمن ما زالوا هناكَ، في قَلْبِ الصِّراع.

 

* * *

 

الثَّلج الذي أتدثّرُ بِه

 

كانَ عليّ أن أُعيدَ اكتشاف

جَسَدي

خيطاً نحيلاً هشّاً

مِثلَ طِفل.

 

كان عليّ أن أستعيدَ أعصابي

وقِوى جَسَدي

والأفكار التي كانت لي

أَلواناً تَشُقُّ الأرضَ وتَخرجُ منها

مثل جُذورٍ مشدودةٍ.

 

كان عليَّ أن أستعيد وَجهي

ملامِحَهُ وجميعَ وُحوشي

تلك التي أنساها

وتبقى عند الحَواف.

 

عليّ أن أستعيد أصدقائي، وأن أقول لهم:

كونوا الثَّلجَ الذي أتدثّرُ بِهِ

ولنُحَوِّل المُفردَ

إلى نواةٍ

إلى نجمةٍ مدفونة.

 

* * *

 

أصغرُ من ذلك الألم كلِّه

 

تُصارع العِملاقَ النائمَ

المَدفونَ تحتَ الدَّير.

للندمِ -وهو اسمُهُ الآخر- عِظامٌ صَلْبةٌ،

يَقفزُ إلى الحَلقِ

ويَسرقُ الأطفالَ المُتمرّدين.

 

الناجونَ منهم يُصبحونَ صِبيةً

بجميعِ عظامهم المكسورة،

يَحملون على ظُهورهم العَسَلَ والذكريات.

 

يَبقون دائماً أصغرَ من

ذلك الألمِ كلِّه.

 

في كلِّ أغسطس يَستيقظُ العملاق،

يَمدُّ يَدَهُ

ويَخلِقُ مِنْ جديدٍ

أبطالًا لا يستطيعون الدِّفاع عن أنفسهم

يَغزونَ ثَلْجَ الخريف

بِطيبَةٍ طُفولية.

* * *

شقيقان

 

وفي الوقت نَفْسِهِ تَمضي حياتي

(هل تَمضي؟)

بجوارِ حياتِهِ،

حياةً مُوازِيةً في الغَرَقِ

 

ثُمَّ سرعان ما تُعاود الظُّهورَ

على شكلِ وَمضات.

 

الفَقْدُ لا شَكلَ له

لهذا يَصيرُ أثَرَ خطواتي

العَلامةَ التي تدلُّ عليّ

وتتركُ مَرارتها في فمي.

 

ما كلماتي؟

أيّها يُعَرِّفُني؟

في أيٍّ منها

يُمكن أن تَجِدَني؟

 

مُنْتَهٍ، أقولُ

وحيدٌ، أقولُ

مُنقسِمٌ، أقولُ

 

مُهمَّتي في الحياة

أن أتعلّمَ

أتعلّمَ من جديدٍ أن أجِدَكَ

لأعثُرَ على الآخرين

أن أُنظِّف جُرحي أيضاً

كي لا أعيش له فحسب

إلى أن يَحترق كلّ شيء آخَر.

 

الجُروح على الجِلد تَبهتُ

تذوبُ

تَصيرُ ذكرى.

 

وَحْدَهُ العَظْمُ يَبقى.

 

أنا وهو في هذا العالم:

عَصَبٌ مَشدودٌ

هَشُّ

مكشوفٌ

وغيرُ مُكتملٍ.

Gerardo Novi شاعر وكاتب إيطالي من مواليد عام 2000. درس الفيلولوجيا الحديثة في “جامعة نابولي- فيديريكو الثاني”. كتب ونشر قصصاً قصيرة وقصائد في مجلات مستقلة مختلفة، وفي 2024 نشر مجموعته الشعرية الأولى Acqua (الماء) عبر دار النشر Affiori.

شاعر فلسطيني مِن مواليد القُدس. صَدرت له عشرة أعمال شعرية، من بينها: “لستَ شاعراً في غرناطة” و”تَعِبَ المُعلَّقون” (2018)، و”استيقظنا مرّةً في الجنّة” (2020)، و”كُرسيّ على سُور عَكّا” (2021)، و”لكنّي كَتبتُ الأَشجار بالخطأ” و”اجبُر هذا الأمَلَ إِن استطعت” (2025).

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة