دوستويفسكي في مختبره: سلسلة تجارُب على البشرية

تخيّلوا أنكم تقرؤون رواية من ألف صفحة كي تعرفوا في النهاية أنَّ الأفكار التي تُقدّمها الشخصيات وتدافع عنها حدَّ الموت لا تفيد في شيء. ماذا لو عرفتم أنّ سنوات الحياة تماماً مثل تلك الرواية، وأنكم شخصية تاهت هناك؟ هكذا تكلّم دوستويفسكي في عامه المئتين.

دوستويفسكي في مختبره: سلسلة تجارُب على البشرية
(دوستويفسكي في عمل فنّي)

ما تُسمّونه رواياتٍ أُسمّيه تجاربَ. يفعل العلماء ذلك كلّ يوم في مخابرهم، لكنّهم لا يجيبون سوى عن أسئلة متناهية الصِغر؛ يُهيّئون كلّ الظروف كي يصلوا إلى النتيجة التي يتوقّعونها، ثم حين يَصِلون إليهم يعتبرونها حقائق إلى أن يأتي من يُفنّدها. أمّا تجاربي فلا تأتي بحقائق، بل هي أصلاً محاولات لوضع الحقائق في مواجهة بعضها البعض. كأنني أضرب الفخّار بالفخّار فيعود إلى معدنه الطيني، معدن الإنسان. أليست الحياة كلُّها سلسلة اختبارات لانهائية لهذا الكائن؟

هل تصوّرتم عالمكم المخيالي من دون الإخوة كارامازوف، من دون الأمير ميشكين، من دون غودلياكين ومثيله؟ هؤلاء الذين خرجوا من مخبرٍ روائي واحد. لم أصفهم كثيراً، لكنّهم نجحوا في أن يسكنوا في نفوس الكثيرين. لقد غرسَتهم التجربة في العالم.

ماذا لو أنّ رصاصة أفلتت – ربما من دون قصد – من فوّهات بندقية أحد عناصر كتيبة الإعدام، في ديسمبر 1849، وهو يؤدّي دوره في المسرحية التي أخرجها القيصر عن بُعد لتأديب أبنائه العاقّين؟ أيّة تجربة أقسى من أن تُقاد إلى المنصّة، وتعيش لحظة بلحظة بروتوكولات تنفيذ الحكم. ربما أقسى من ذلك أن تتذكّر بأنك على وشك الموت بسبب قضية لستَ متأكّداً بأنك مؤمن بها تماماً.

بعد أن تكون قد مررتَ بمثل هذه التجارب في الواقع، لن ترضى بما هو أقلّ حدّةً وعمقاً في الخيال. كان لا بدّ من الدفع بـ راسكولنيكوف إلى أبعد نقطة. أن يختبر المثّقف الشابُ القتلَ، ويضع نفسه على حافة الإعدام هو الآخر. ولا بدّ من جعل الجريمة كاملة كي ينجو من النهايات المبسّطة. كان عليه أن يذهب أبعد ما يكون وجهاً لوجه مع نفسه؛ أن يخادع العالم ولا يجد كيف يخدع ضميره. هكذا فقط يتيح لنا أن ننظر إلى البئر العميقة للجريمة، هناك حيث الكثير من أسرار النفس البشرية.

كان لا بدّ أيضاً من اختبار التقاء النزعات القصوى في إطار واحد وفوق أرضية مهتزّة. ديميتري كارامازوف الذي لا يفصل بين قراراته وتنفيذها فاصل التفكير العقلاني، هناك حيث يغرق أخوه إيفان، حتى أن الواقع يصبح محجوباً خلف التنظيرات والأفكار، فيما يغطس أخوهما الثالث في الإيمان والتسليم. هل من سبيل لخلخلة هذه النفوس بضربة واحدة؟

الروايات هي الفضاء الأنسب لتجارُب بلا خسائر. هل هذا سبب تضخّم الرواية إلى الحدّ الذي تعرفونه اليوم؟

مرّةً أٌخرى تحتاج التجربة إلى جريمة؛ قتل الأب هذه المرة. الأب كارامازوف الذي يتمنّى كل واحد من الإخوة – لسبب من الأسباب – أن يزول، لكن لا أحد يتقدّم للتنفيذ إلّا الابن غير الشرعي سميردياوف، مجسِّداً فكرَ إيفان وتهديدات ديميتري وخيبة أمل أليوشا، ومثبتاً أنه كارامازوفٌ مثلهم تماماً. تحويل تلك الجريمة النظرية إلى واقع، أيّة جرأة أكثر من ذلك؟ أيّ شيء يخيف البشرية أكثر من صعود ما هو مجرّد فكر إلى حكايات يؤدّيها البشر؟

قد يعتقدون بمُثلٍ تنقذ هذا العالم من الدمار، وها أنّي أقترح في رواية “الأبله” شخصية تذهب بالمثالية إلى حدودها القصوى؛ مسيحاً ينزل إلى الأرض في أزمنتنا الحديثة. صحيح أن القذف بالخير المطلق في عالم من الأشرار سيكشف كل الوجوه، ولكن سنرى ما ينبغي أن تتعرّض له المثاليات من طرد وتجريح.

سأعرض عليكم تجربة بسيطة: تخيّلوا أنكم تقرؤون رواية من ألف صفحة كي تعرفوا في النهاية أنّ الأفكار التي تقدّمها الشخصيات وتدافع عنها حد الموت لا تفيد في شيء. ماذا لو عرفتم أنّ سنوات الحياة، تماماً مثل تلك الرواية، ستفضي إلى شعور بأن ما جرى تحصيله لا يفيد بشيء؟

إنه سؤال قاس حاولتُ تبسيطه في رواية “الشياطين”، فأطلقتُ مجموعة من الشباب المتحمّسين لأفكار تغيير العالم، وذهبنا إلى أبعد نقطة بتلك الأفكار ثم لم نجد جميعاً غير الزيف والخواء والجرائم. وقتها كان علينا أن نجيب – أنا وشخصيات الرواية – ماذا سنفعل بكلّ ما نعتقد به؟ ما الذي يمكننا فعله؟ شخصياً، أشعر وكأن كل شيء قد تجمّد مثل بحيرة جليدية: هل علينا أن نبحث عن حقيقة؟ أم علينا أن نجد تجربة نعيشها؟

ربما تكون الروايات هي الفضاء الأنسب لتجارب من دون خسائر. هل هذا هو السبب في تضخّم الرواية إلى الحد الذي تعرفونه اليوم؟ لكن تقترح كلّ الروايات عليكم أقصى ما يمكن أن تقترحه عليكم الحياة؟

لنعترف أن الحياة تأتي لنا أحياناً بتجارب أقصى ممّا تقترح الروايات. لا بدّ لكل شخص منا أن يعيش على وقع بعض الاختبارات الخطيرة في حياته. حين تفعل معي الحياة ذلك، سرعان ما أذوّب كلّ شيء في الكتابة.

يذكر كتّاب سيرتي رهاناتي الخطيرة بأغلى ما أملك من أجل جولة إضافية من اللعب. أنا فعلتُ أكثر من ذلك

من بين ملامح شخصيتي، لم يفوّت معظم كتّاب سيرتي أن يشيروا إلى كوني مقامراً، يذكرون رهاناتي الخطيرة بأغلى ما أملك من أجل جولة إضافية، في سبيل جرعة أُخرى من اللعب. أنا فعلتُ أكثر من ذلك، راهنتُ ذات يوم على مسيرتي الأدبية برمّتها، وفي رواية “المقامر” بالذات، لقد عقدت صفقة بأن أسلّمها في شهر وإلّا ذهبت حقوق كتاباتي السابقة والآتية إلى ناشر لا يعنيه إلّا ما يجلبه هذا الاسم الأدبي من أرباح. حين وقّعتُ العقد، لم أكن قد كتبت سطراً واحداً من رواية يُفترض أن تصل إلى ستمئة صفحة.

مرّة أُخرى، أدعوكم أن تتصوّروا معي ماذا كان سيحدث؟ هل كنتُ أكتب رواياتِ ما بعد “المقامر” (1866) كما كتبتُها؟ لو كنتُ تحت الوصاية، هل يمكن أن أذهب إلى مشاريع بحجم “الأبله” (1868)، و”الشياطين” (1871)، و”المراهق” (1975)، و”الإخوة كارامازوف” (1880)؟

لكنّني أعتقد بأنّني أيضاً لم أكن لأُنجز هذه التجارب التي أحدّثكم عنها لولا ترك المجال مفتوحاً للاصطدام بالخطر. أعتقد بأن هواجس الفشل جزءٌ من حُسن عيش اختبار الوقوف أمام المشاريع غير المحدودة، تلك التي تجعلنا نكتب ليس فقط ما نريد، بل ما لم نتوّقع أننا نريده، أي ذلك الذي يتحوّل إلى هدف جديد يصلبنا على خشبته لفترة من العمر.

هكذا قضّيت أيامي الأخيرة. أُخرّج الشخصيات الأدبية من ذاتي ثم أذهب بها إلى الأقاصي، وأرمي كل ذلك في وضعيات نادرة تفتح أفق المعرفة بوصفها اختباراً لا تراكُمَ معطيات. على تلك الشخصيات أن تخوض تلك المعرفة إلى آخرها، أن تحزن، تفرح، تتألّم، تمرض (كم تضحكني الشخصيات الأدبية التي لا تمرض)، تَقتُل، تُقتَل، تُجنّ، تنتحر، أو تذوي كشمعة بكل بساطة.

كلّ كائن من هؤلاء كان تجربة في اختبار انهيار الكون داخل الإنسان. يحدث ذلك كل يوم من دون أن ندري. مفارقة الحياة أنّ أخطر ما فيها يحدث بشكل غير مرئي. يحدث ثم نجد أنفسنا منخرطين فيه باعتباره واقعاً. ماذا لو حاولنا أن نسبق ما يحدث بخطوة؟

ليس من الضروري أن يكون أحدُهم ذكياً أو متفرّداً كي يكون بطلاً في رواية. البطل هو من يحقّق ذاته وهو يحترق مع تجاربه، فقط عليه ألّا يتركها تُحرقه بشكل مجّاني. قد لا يغادر البطل قبوَه أبداً، لكن عليه أن يذهب في كلّ اتجاه، أن يتمزّق، أن يعرف طعم الأشياء، أن يتقبّل اعتداء التجربة عليه. أن يكون القارئَ الأوّلَ لما يكتب. القارئ باعتباره متورّطاً في الوجود بما هو سلسلة من التجارب الواقعية والمُفترضة. وفي كل تجربة، سنرى إلى أي حدّ نريد أن نعرف حدودنا؟

أخيراً، ما أتمنّاه لكم بمناسبة السنة الجديدة: ألّا تكون حياتكم تجربة دوستويفسكية.

كاتب صحافي وباحث من مواليد تونس عام 1983، مقيم في فرنسا. يعمل محرّراً في القسم الثقافي لصحيفة “العربي الجديد”. يُعدّ حالياً أطروحةً في “جامعة لورين” حول تقاطعات الصحافة بالكتابة الإبداعية من خلال منهجيات السيميولوجيا ونظرية الأجناس.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة