رضوان نصّار… أنا حقّاً لا أعرف
(رضوان نصّار في رسمٍ لـ بن كيرشنر – نيويوركر)

رضوان نصّار… أنا حقّاً لا أعرف

كان الكاتب البرازيلي في أوجّ شهرته الأدبية عندما أعلن، في مقابلةٍ لصحيفة محلّية عام 1984، اعتزاله الكتابة ورغبته في أن يُصبح مُزارِعاً. صدم تصريحُه الكثيرين، لكنَّ رضوان نصّار وفى بوعده، واشترى في السنة التالية قطعة أرضٍ وشرع في زراعة البقول وتربية المواشي.

في عام 1973، استقال الكاتب البرازيلي رضوان نصّار (1935) مِن وظيفته. فبعد ستّ سنوات قضاها رئيس تحريرٍ لـ”جريدة الحَي” (Jornal do Bairro)، وهي صحيفةٌ يساريّة ذات تأثير كبير كانت معارضةً للنظام العسكري في البرازيل، وصل إلى طريقٍ مسدود مع أحد المؤسِّسين، والذي لم يكن سوى أخيه.

كانت الصحيفة حينئذ تُوزَّع مجّاناً، ولم يُفلِح الأخوان في الوصول إلى اتفاق بشأن فرض مستحقّات اشتراك على القرّاء. لم يكن رضوان نصّار موافقاً على ذلك، فغادر الصحيفة وهو في السابعة والثلاثين، وقضى عاماً كاملاً في شقّته بساو باولو يعمل اثنتي عشر ساعةً يومياً في تأليف كتاب، وهو “باكٍ طوال الوقت”.

كان الكتابُ روايتَه القصيرة والغريبة “أثر عتيق” (Lavoura Arcaica)؛ حيث يطفش شابٌّ من قريته وعائلته، ليعود بعدها ذاعناً وذليلاً نوعاً ما إلى مرتع طفولته. نُشرت الرواية عام 1975، وحظيت سريعاً بإشادة مِن النقّاد، وحازت “جائزة جابوتي” التي تُعدّ أبرز تكريم أدبي في البرازيل، في فئة أفضل رواية أُولى، وجائزة أُخرى مِن “الأكاديمية البرازيلية للآداب”.

وفي عام 1978، صدرت له روايةٌ ثانية بعنوان “كأسٌ مِن الغضب” (Um Copo de Cólera)، كان قد كتب مسودّتها في 1970، عندما كان يعيش في غرانجا فيانا، وهو حيٌّ بوهيمي يقع على أطراف المدينة. لقيت هذه الرواية أيضاً حفاوةً كبيرة، وفازت بجائزة “جمعيّة نقاد الفنون” لمدينة ساو باولو.

أخبرني أنتونيو فيرناندو دي فرانسيتشي، الشاعر والناقد الذي أصبح صديقاً مُقرّباً لنصّار، أنّ هاتين الروايتين كان لهما تأثير كبير. “إنهما حجرا صَوّان صغيران. كلُّ شيء مكثَّّف فيهما”.

خلال العام الماضي، تُرجمت روايتا نصّار إلى الإنكليزية للمرّة الأولى، وصدرت الترجمتان في سلسلة كلاسيكيات بينغوين الحديثة. وستتولّى منشورات “اتجاهات جديدة” (New Directions) نشرهما في الولايات المتّحدة الأميركية في غضون الشهر الحالي*، كما وصلت “كأس مِن الغضب” إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر العالمية.

سريعاً ما أثارت الروايتان اهتمام الناشرين في فرنسا وألمانيا، فبحلول الثمانينيات من القرن العشرين، وبكتابَين صغيريَن لا يصل عدد صفحاتهما مجتمعَين إلى ثلاثمئة صفحة، كان نصّار يحظى بالفعل بإشادة واسعة بوصفه أحد أبرز الكتّاب البرازيليّين، في مصاف كلاريس ليسبكتور (1920 – 1977) وجواو كيمارايس روزا (1908 – 1967).

دُعي نصار، خلال زيارةٍ له إلى باريس، لإلقاء محاضرة في “جامعة السوربون”، حيث أثار إعجاب الناشر كلود غاليمار ووكيلة الأعمال الأدبية الكاتالونية كارمن بالسيز؛ الصديقة المقرَّبة من غابريال غارسيا ماركيز، وماريو فارغاس يوسا، وبابلو نيرودا، والتي كانت تدير أملاكهم الأدبية، ويَعتقد الكثيرون أنّها وراء المفهوم فضفاض التعريف لكن رائج الصيت، “طفرة أدب أميركا اللاتينية”، حين شهدت ستّينيات وسبعينيات القرن الماضي اهتماماً عالمياً متزايداً بأدب تلك المنطقة من العالَم. وقتذاك، بحثت بالسيز عن نصّار لينظمّ إلى الركب. “كانت تتوقَّع شخصاً مهمّاً”، هذا ما قاله لي السنة الفارطة عندما التقينا لأوّل مرّة في بيته بساو باولو. وقد أضاف: “كانت شخصاً كريماً للغاية”.

غلاف رواية أثر عتيق - رضوان نصار

(غلاف رواية “أثر عتيق”)

كان نصّار يبلغ من العمر الثامنة والأربعين وفي أوجّ شهرته الأدبية، عندما أجرى مقابلة في سنة 1984 مع صحيفة “فوليا دي ساو باولو” (Folha de S.Paulo)، أبرزِ يومية في البلد، حيث أعلن اعتزاله الأدبي. كان يريد أن يصبح مزارعاً؛ إذ صرّح لمُحاوِره: “بات فكري ينزع إلى أمور أُخرى… إنّني أفكّر في امتهان الزراعة وتربية المواشي”. صدم هذا التصريح الكثيرين، لكن نصّار أوفى بوعده، فابتاع في السنة التالية مُلكية تبلغ مساحتها قرابة ستّة عشر ألف فدّاناً، وشرع في زراعة الصويا والذرة والبقول والقمح.

قال لي في تلك الأمسية: “لقد تخلّيتُ عن الكثير مِن الأمور حينها، أكثر ممّا يمكنك أن تتصوَّر”. يعيش نصّار، الذي يبلغ إحدى وثمانين سنةً الآن*، وحده في بناية متواضعة من الطوب الأحمر، في أحد أهدئ الأماكن في فيلا مادلينا (Vila Madalena)، الحيِّ البوهيمي الموجود في الناحية الغربية مِن المدينة. في 2011، وبعد أن قضى ما يقارب ثلاثة عقود في تعهُّد محاصيله، تبرَّع بأرضه إلى “جامعة ساو كارلوس الفيديرالية”، بشرط أن تبني عليها حرماً جامعياً إضافياً، لمنح المجتمعات الريفية فُرصاً أفضل للاستفادة من التعليم. وبالفعل، بات الحرم الجامعي قائماً الآن ويستقبل الطلّاب. حدّثَني نصّار، أيضاً، عن عاملٍ سابق في المزرعة صارت ابنتُه تدرُس هناك.

غرفة جلوس بيت نصّار قليلة الأثاث؛ تُزيِّنها ساعةُ قديمة مائلة إلى الصفرة على الحائط، وصورة لوالدَيه بالأبيض والأسود معلَّقة فوق مكتبه. لا توجد مكتبةٌ في غرفة الجلوس، لكن كان هناك صفٌّ مِن الكتب على رفّ المدفأة؛ كُتبٌ لأندريه جِيد، ودوستويفسكي (كاتب يكنّ له محبّة خاصّة)، ومجلّداتٌ عديدة من قاموس اللغة البرتغالية “كالداس أوليتي” (Caldas Aulete). كما لاحظتُ كومةً مِن الكُتب الجديدة موضوعة كيفا اتّفق على المنضدتَين الجانبيّتَين وعلى الأريكة. “هي هدايا”، قال لي. “لا أنفكّ أُخبر الناس أنّني توقّفتُ عن القراءة، لكنّهم لا يصدّقونني مطلقاً”.

يُثير الكتّاب الذين اختاروا عدم ممارسة مواهبهم مجموعةً من ردود الفعل لدى القرّاء وزملائهم الكتّاب، تتراوح بين الحسد، والسخط، والإجلال. في ما يخص نصّار، استقبل البرازيليّون “تقاعُده” المبكر بضربٍ من الإعجاب الممزوج بشيء من الاستياء؛ فباتّخاذه قرار الانتقال إلى الزراعة، فإنه حطّ من شأن الأدب. الأدهى، أنه لم يصبح مجرّد ساكن مزرعة عاطلاً عن العمل، وإنما صاحبَ “هاسيندا” إنتاجية متوسّطة الحجم.

يَرجع اهتمام نصّار بالزراعة إلى أيام طفولته؛ إذ هاجر والداه مِن لبنان إلى البرازيل في العشرينيّات، واستقرا في بيندوراما (Pindorama)، وهي بلدة ريفية صغيرة في ساو باولو. ترعرع وإخوتُه التسعة على قطعة أرض صغيرة، حيث كان والده يزرع أشجار البرتقال والكرز والجابوتيكابا (العنب البرازيلي)، ويربّي الطيور والأرانب. أمّا أمُّه، فقال لي إنّها كانت مربيّةَ دواجن بارعة، وبالأخص في تربية الدجاج الرومي. “في أحد الأيام، أعطاني أبي دجاجتَين حبشيّتَين”، قال لي وتجاعيدُ وجهه تنكمش تأثُّراً باستحضاره الذكرى المبهجة، “كنتُ متحمِّساً إلى أبعد حدّ”.

لا أنفكّ أُخبر الناس بأنّني توقّفتُ عن قراءة الكتب، لكنّهم لا يُصدّقونني مطلقاً

كان الأبُ مسيحياً أرثودكسياً، والأمّ بروتستانتيّة؛ لكنّ أطفالهما نشأوا نشأةً كاثوليكية لتفادي التمييز. وكان رضوان مِن فتيان المذبح؛ فكان مِن عادته الاستيقاظ كلّ يوم عند الخامسة صباحاً للمشاركة في القدّاس. وعندما بلغ السادسة عشرة، انتقل للعيش في العاصمة، حيث درس اللغة والقانون، قبل أن يُغيّر اختصاصه وينتقل إلى قسم الفلسفة في “جامعة ساو باولو”. في سنة 1967، أسّس نصّار رفقة أربعة من إخوته جريدة “جورنال دو بايرو “.

تُعدّ رواية “أثر عتيق”، التي تحاكي أمثولة الابن الضال، احتفاءً بالأواصر التي تربط البطل بالأرض وبعائلته، بقدر ما تكاد تكون رفضاُ عدميّاً لتلك الروابط. يتعذّب أندريه، وهو ابن أسرة ريفية، بسبب المشاعر المحرَّمة التي يحملها لأخته. فيطفش من عائلته ويسكن في نُزلٍ حيث ينغمس في معاقرة الخمر وزيارة بائعات الهوى، في حين يحاول أخوه بيدرو إقناعه بالعودة إلى بيت العائلة.

تنجح لغة القصة، التي تُحاكي لغةَ الكتاب المقدَّس، في أن تكون صادقةً وساخرة في الوقت ذاته؛ فنصّار بارِعٌ في إضفاء ظلال قاتمة ومزعجة على رؤيته الملأى بالحنين إلى الحياة الريفية. يسترجع أندريه في أحد المشاهد حادثةً من ماضيه، حيث جمع “قمصان النوم والبيجامات المترعة تجاعيدها بأثر النوم” الخاصّة بأفراد عائلته، ليكتشف “بين ثناياها، الطاقة الملفوفة والمكبوتة لأنعم شعرة من شعر العانة”.

وفي رواية “كأس من الغضب”**، يتجسّد دور الراوي في مُزارِعٍ انعزالي يعيش في إحدى المناطق النائية في البرازيل. في أحد الصباحات، تزوره عشيقتُه الصحافية، فيمضي الاثنان صباحَهما في ممارسة الجنس في منزل المزرعة، ويستحمّان بعدها معاً، وبالكاد يتبادلان بضع كلمات. ثمّ، وهما يُحضّران نفسيهما للإفطار، يخرج المزارع ليُدخِّن سيجارة، ويلمح مستعمرَة نمل وهي تنخر سياج المزرعة، فينقلب مزاجُه في غمضة عين، ويشرع الزوج في الشجار – أو، بالأحرى، في تبادُل سلسلةٍ من الشتائم – الذي يزيد حدّةً مع توالي أحداث القصَة.

يتولّد لدى القارئ انطباعٌ بأنَّ المُزارِع شخصٌ اختبر الحياة ولم يعجبه ما رآه منها. خَطَّ نصّار مسودّة الرواية في غضون أسبوعَين محمومَين مِن عام 1970، حسبما قال لي. أخبرني أنّه خلال الكتابة “لم يتوقّف عن الضحك”، وهو أمرٌ على النقيض مِن شعوره عندما كان يُؤلِّف “أثر عتيق”.

في مرّاتٍ عديدة، ونحن نتناول الغداء – المكوَّن من فطيرة دجاج وأرزّ، ونبيذ، وموسيّة فاكهة الماراكويا – كان نصّار يُقاطع الحديث قائلاً: “كان ذلك حقيقيّاً”، عن شخصية أو مقطع ما، أو: “ذكرتُ هذا في الكتاب”، بشأن حادثةٍ ما في حياته. كانت عادةً غريبة ومحبَّبة؛ عادة تعكس عدم اكتراثه بالتصنُّع والتكلُّف المميِّزَين لعالَم الأدب والكتّاب.

كأسٌ مِن الغضب - رضوان نصار

(غلاف رواية “كأسٌ مِن الغضب”)

ونحن نقرأ الروايتَين اليوم، ليس من الصعب ملاحظة اصطباغ نثره بالصور النباتية والاستعارات مِن الطبيعة، وكأنّها تفاصيل من سيرة نصّار المستقبلية؛ فالقدمان نديَّتان، “وكأنهما سُحبتا للتوّ من تراب الأرض”، والكرى يانع، “جُمع بشهوانية مقدَّسة مثلما تُُجمع الفواكه”، وثِقَل العائلة على ضمير الراوي شبيه بـ”انهمار سيل من المياه”.

صرّح نصّار بأنَّ الزراعة كانت دوماً نشاطَه الأساسي، أمّا الكتابة فـ“لا تعدو مجرّد نشاط آخر”، إلّّا أنَّ بداية حياته الزراعيّة لم تكن سهلة: “كان الأمر صعباً للغاية؛ فالمزرعة كانت في حالة يُرثى لها. بدأنا أوّلاً بزراعة البقول، هذه البقول الرائعة”، وأردف: “أحضرنا بعض المزارعِين من المنطقة وأسدوا لنا بعض النصائح عن كيفيّة القيام بذلك”.

وقتئذ، كانت أسعار السلع الأساسية زهيدة. ورغم المساعدة التي حظي بها من خارج مزرعته، لم يتمكّن من تحقيق أي أرباح. كما تخلّى وقتها عن فكرة راودته في تربية المواشي. “خلال السنوات الستّ الأولى، عانينا كثيراً… لقد تكبّدنا الخسارة تلو الأُخرى”. لاحظتُ أنَّ نصّار غالباً ما كان يستعمل صيغة الجمع حين يتحدّث عن مزرعته، على الرغم من أنه عاش معظم حياته بمفرده، ولقد فضّل عدم الخوض في العلاقة الطويلة والوحيدة التي عاشها، والتي وصفها بـ”المضطربة”. يبدو أنّه، مثل شخصياته، وجد السلوى في العمل اليدوي. في سنة 1996، أجاب صحافيّاً سأله عن أحواله بعد اعتزاله الكتابة: “تتمحور حياتي الآن حول العمل ولا شيء سواه”.

بدأ الحظ يبتسم له بوصفه مزارعاً في عام 1991. كما شهدت تلك الفترة تزايد مبيعات روايتَيه، واللتين سبق أن حظيتا بإشادةٍ من النقّاد عند صدورهما، لكن لم يتسنَّ لهما الوصول إلى جمهور عريض وقتئذ (في 1996، حُوّلت “كأس مِن الغضب” إلى فيلم روائي واقتُبست “أثر عتيق” للسينما في 2001). وقُبيل أن يتبرّع بمزرعته “Lagoa do Sino” لـ”جامعة ساو كارلوس الفيدرالية” في 2011، تلقّى عرضاً لشراء ملكيّته بمبلغ ثمانية عشر مليون ريال برازيلي، أي ما يقارب ستّة ملايين دولار أميركي.

تتمثّل إحدى مخاوف نصّار في أن تُخوصِص الحكومة البرازيلية الجديدة الأرض التي وهبها للقطاع العام؛ فهو ممّن ينتقدون بشدّة ميشال تامر، الرئيس اليميني الجديد للبلد، وكان قد شارك في إبريل/ نيسان الماضي في ظهور عام نادر إلى جانب الرئيسة السابقة ديلما روسيف في أحد التجمُّعات السياسية قُبيل عزلها. سرعان ما انتشرت صورة الكاتب المعتزل وهو يعانق الرئيسة المحاصَرة بالانتقادات انتشار النار في الهشيم؛ فنصّار يكاد لا يظهر في المناسبات العامّة، رافضاً الدعوات، وإن كانت في إطار فعاليّات صغيرة. لكنه قال لي إنه رأى ضرورةً لفعل ذلك السنة الماضية. “ليس لديَّ أدنى شكّ في أنّنا نمرّ بانقلاب، فلا يُعقَل أن تُطيح برئيسة فازت ديمقراطيّاً في الانتخابات الشعبية”.

قراره اعتزال الأدب لم يكن نتيجة تلاشي اهتمامه به، وإنّما بسبب بحثه عن الكمال الأدبي

خلال الوقت الذي قضيناه معاً، كان الكاتب يُظهِر – من حين إلى آخر – افتخاراً بأعماله الأدبية، لكنه سرعان ما كان يبدو عليه لومٌ لنفسه. في لحظة ما، تلقّى اتصالاً هاتفياً مِن ناشره وسمعتُه يُجادله بعنادٍ بشأن الغلاف الأمامي لأحد كُتبه؛ إذ لم يكن راضياً عن حجم الخط المستخدَم لكتابة اسمه الذي غطّى الجزء الأكبر من الغلاف. المقرَّبون مِن نصّار يصفونه بأنه مديرٌ يتدخّل في كلّ كبيرة وصغيرة بدماثة، وكاتبٌ له قولُه في كلّ جانب من جوانب العملية التحريرية.

نشر لويز شواركز لنصّار أوّلَ ما نشر في ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن يُؤسّس دار “كومبانيا داس ليتراس”. قال لي: “عند كلّ طبعة جديدة، يرغب في تغيير جملة ما، أو سيرة المؤلِّف، أو يتذمَّر مِن درجة لون الحبر. وقد يطلب نوع خط معيَّناً أو مسافة بعينها بين السطور”.

أمّا نصّار فيعترف: “يقول لي لويز أحياناً: “رضوان، عندما تُرسِل لي ملاحظاتك، لا أعرف ما إذا كان عليَّ الضحك أو البكاء”. لم أكترث قطُّ بالمبيعات، لكنّني أردتُ دوماً أن تكون الكُتُب في أبهى حلّةٍ ممكنة. لا أُطيق تلك الطبعات صغيرة الحجم، حيث يُحشَر النص في مساحات ضيّقة”.

تبيَّن أنَّ ادّعاء نصّار الأوّل بعدم امتلاكه أيّ نصّ غير منشور يعهد به إلى شواركز لم يكن صحيحاً تماماً؛ فلقد سلّم أخيراً، سنة 1997، قصّة قصيرة بعنوان “فتاة في الطريق” (Menina a Caminho)، ونُشرت في السنة ذاتها، بعد نحو أربعين سنة مِن كتابتها.

وأنتونيو فيرناندو دي فرانسيتشي هو الشخص الوحيد الذي استطاع إقناع نصّار بقبول كتابة نصٍّ منذ تقاعُده الرسمي؛ فكتب مقالاً قصيراً بعنوان “يدان صغيرتان من الحرير” (Mãozinhas de Sed)، وهو تأمُّلٌ ناقد لقيمة العادات الدبلوماسية، وقد طلبه منه فرانسيتشي في أوائل التسعينيّات بمناسبة إطلاق مجلّة كان محرّرَها آنذاك. بيد أن المقال لم يُنشَر إلا بعد سبع سنوات تلبيةً لرغبة الكاتب.

يَعتقد كلٌّ مِن شواركز وفرانسيتشي أنّ قرار نصّار اعتزال الأدب لم يكن نتيجة تلاشي اهتمامه به، وإنّما بسبب بحثه عن الكمال الأدبي. فبرأي شواركز، “هو شخصٌ يُكرِّس نفسه بشكل مفرطٍ للحرفة، إلى درجة تجعل من الصعب عليه الشعور بالرضا، خصوصاً في بلد لا يوجد فيه نشاطٌ نقدي كبير”. وبالمِثل، يُكنّ فرانسيتشي الإعجاب والاحترام لنصّار، لكنّه يرى شيئاً مِن “العُصاب” في سلوكه؛ ففي نظره، هو شخصٌ “يُضيِّق تضييقاً شديداً على الجوانب التي لا يُحبّها في نفسه”، فيُجاهِد للتوفيق بين متطلّبات أناه وتوقه إلى حياة متواضِعة.

يتجلّى هذا الارتباكُ في روايتَيه، في شكلٍ مِن التوتر اللغوي أو البحث القلِق عن الدقّة؛ يُتبِع صورةً بأُخرى، وكأنّما هناك دوماً حاجةٌ إلى إيجاد تشبيه أبلغ. تُضفي هذه الخاصية على كُتُب نصّار القصيرة جدّاً إحساساً غريباً بالإطناب. أخبرَني: “نادراً ما كنتُ أحذف أموراً. عادةً ما كان الأمر يتعلّق بالإضافة”.

فتاة في الطريق - رضوان نصار

(غلاف المجموعة القصصية “فتاة في الطريق”)

لكن الغلوَّ يحمل أيضاً بين طيّاته شعوراً بالنقص. في “كأس مِن الغضب”، يلمس القارئُ تهكُّماً ضمنيّاً في مشهد تراشُق الشخصيّتين اللفظي بتعبيرات جميلة؛ وكأنَّ لسان حالهما يقول: “انظُر إلى كلّ هذا الكمّ من الاستعارات والجِناسات، كمْ هي مقنِعة!”، وأحياناً يُفصح الراويان عن عجزهما، فيقول أندريه في لحظة ما: “ما الجدوى من مواصلة الحديث؟”. في كلتا الروايتَين، ينتهي ما يبدو وكأنّه دحضٌ للحجّة بالحجّة إلى تصرُّفات عنيفة.

قبل أن ألتقي نصّار، كنتُ قد كتبتُ مراجعةً لأعماله؛ حيث طرحتُ هذا التأويل، فأرسلَ لي رسالةً إلكترونية لطيفة ورسميةً نوعاً ما، أثنى فيها على “مدى دقّة ملاحظاتي”. لكن، عندما تحدَّثنا في الموضوع لاحقاً، اعترَض على تأويلاتي.

في الماضي، أبدى نصّار أحياناً امتعاضه من الفرضيات التي دارت حول قراره التوقُّف عن الكتابة؛ ففي حوار أجرته معه المجلّة المحلّية “نظرة” (Veja)، في 1997، عدّدَ مجموعةً من النشاطات التي تخلّى عنها، وهي تخصُّص اللغات في الجامعة، ودراسة القانون، وتربية الأرانب، والصحافة. قال للصحافي: “كلُّ ذلك جعلني أحصل على لقب المتقلِّب”، وأردف متسائِلاً: “فلماذا أصبحتُ فجأةً شخصية رائعة عندما تخلّيتُ عن الكتابة؟ أليس الأمر غريباً؟”.

في أحد صباحات ديسمبر/ كانون الأول مِن العام المنصرم، زرتُ رضوان نصّار مجدَّداً في منزله. كان يرتدي قميصاً مقلّماً مكويًّاً ويضع ساعة يد قديمة، وكان قد أعدّ، بحفاوته المعتادة الخالية من العجرفة، مائدة فطور من خبز وجبن، وترمس قهوة. خلال لقاءاتي السابقة معه، تردّدتُ في طرح السؤال البديهي – لماذا توقّفتَ عن الكتابة؟ – مُقنِعاً نفسي بأنّها كانت استراتيجيةً لجعله يشعر بالارتياح. لكن، عصرَ ذلك اليوم، في سكون خيَّم علينا، تفوّهتُ بالسؤال. عبَس، واكفهرّ وجهُه قليلاً فيما خِلته أوّل وهلةٍ غضَباً، لكن سرعان ما تبيَّن لي أنها محاولةٌ للتمعُّن في السؤال. جلسنا لبعض الوقت قبالة بعضنا في صمت، ثمّ أشاح بنظره وقال: “من عساه يعلم؟ أنا حقّاً لا أعرف”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* نُشر المقال في يناير/ كانون الثاني 2017. النصُّ الأصلي: “لماذا توقف أهمُّ كاتبٍ برازيلي عن الكتابة“.

** صدرت الرواية بالعربية بترجمة محمد مصطفى الجاروش (منشورات الجمل، 2017)

كاتبٌ وصحافي مِن مواليد البرازيل عام 1983. سافرت عائلتُه إلى الولايات المتّحدة وهو في الثانية من عمره، وعاش في تشيلي وبريطانيا والأرجنتين. يعمل حالياً في مجلّة “piauí”. صدرت له رواية بعنوان “Apátridas” (عديمو الجنسية) عام 2020.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!

قصص رائجة

معذرة, لا يوجد محتوي لعرضه!
قصص قريبة