روسيا بوتين وروسيا دوستويفسكي: “الجريمة” السياسية و”العقاب” الأدبي

لعلّ أدب فيودور دوستويفسكي، الذي وقع عليه "عقاب" جامعة ميلانو الإيطالية ردّاً على "الجريمة" الروسية في أوكرانيا، يُقدِّم تفسيرات لبعض ما يدور في هذه الحرب. فلعالم اليوم بذورٌ كثيرة متناثرة في مخيال الكاتب الروسي.

روسيا بوتين وروسيا دوستويفسكي: “الجريمة” السياسية و”العقاب” الأدبي
(من زيارة فلاديمير بوتين إلى "متحف دوستويفسكي" في سان بطرسبورغ بمناسبة ذكرى ميلاده المئتين، صيف 2021)

هل يمكن أن نخلط بين روسيا بوتين وروسيا دوستويفسكي؟ حين يفقد العالم صوابه يحدث ذلك. روسيا فلاديمير بوتين هي التي تتصدّر المشهد بجبروت الدبّابة التي تخترق الأراضي الأوكرانية. أمّا روسيا فيودور دوستويفسكي، فهي في الخلفية البعيدة، لا يُحييها إلّا من لا يُحمّل وازرة وزر أُخرى.

بدا الخبر سخيفاً أوّل الأمر. البعضُ رفض تصديقه جملة وتفصيلاً: جامعة في ميلانو تُعلّق درساً عن دوستويفسكي بسبب الحرب الروسية على أوكرانيا. قيل إنّه فبركة، لكنّ الخبر سرعان ما راج مُخلّفاً وراءه الكثير من الاستنكار، ومعه تتالت أخبار عن إلغاء عزف مقطوعات لتشايكوفسكي في مسارح بزغرب ودبلن، وفي الأخير تحوّل كل شيء إلى نكتة… في غير أوانها.

تهاطلت السخرية من قرار الجامعة الإيطالية (التي تراجعت عن قرارها واعتذرت عنه) ومن نحا نحوها، وامتدّ حبل الكلام في الدفاع عن الأدب الروسي، وراجت صورة مثالية عن الأدب باعتباره مسكناً للأرواح النبيلة وحدها، وانطلاقاً منها بات من غير المعقول عدم الفصل بين ممارسات روسيا العسكرية ومنتجاتها الإبداعية. يكاد أهل الثقافة يتّفقون اليوم: لا تخلطوا دوستويفسكي ببوتين! لكن هل يمكن فعل ذلك؟

يقدّم أدب دوستويفسكي، الذي وقع عليه “العقاب” من الجامعة الإيطالية ردّاً على “الجريمة” الروسية في أوكرانيا، تفسيرات لبعض ما يدور في هذه الحرب. يضعنا عبورُ عالمه التخييلي أمام الروح الروسية في متناقضاتها، عظمتها وهشاشتها، مثاليةُ الأمير ميشكين الغارق في أفكاره، مقابل عنف روغوجين الذي يتورّط في الفعل قبل حسابٍ دقيق للعواقب. وفي “الشياطين” يدرس من يطرحون خطاب تغيير راديكالي للعالم فينتهي بهم الأمر إلى مقتلة ذاتية. وسنجد تقاطعات أُخرى في “الإخوة كارامازوف” و”مذكّرات القبو”، و”المقامر”…

يبدو إلغاء دروس عن دوستويفسكي ومعزوفات لتشايكوفسكي في بلدان أوروبية مثل نكتة في غير أوانها

هناك الكثير ممّا يحدث تحت أسماعنا اليوم موجود في أدب دوستويفسكي، والأصحّ القول إنّ عالم اليوم له بذور كثيرة متناثرة في مخيال الكاتب الروسي. مثلاً يضع العلاقة المتوتّرة بين روسيا والغرب، وهي بؤرة الحرب الدائرة اليوم، فوق طاولة التشريح في أكثر من عمل. لعلّ أبرزها يأتي من خارج الكتابة الروائية؛ “ذكريات شتاء عن مشاعر صيف”، هناك حيث يسرد دوستويفسكي وقائع رحلة إلى أوروبا، حيث لامس شعوبها وحكوماتها ووقف على عنجهيتها وتعاليها، وعاد إلى بلاده مخاصماً دعاة تحديث روسيا على المنوال الغربي.

كان دوستويفسكي متحمّساً للنزعة السلافية، مؤمناً بأنّ لروسيا رسالة تجاه البشرية ينبغي أن تؤدّيها. وعلى الأرجح أنّ صاحب رواية “الإخوة كارامازوف” كان سيؤيّد الخطوة الروسية في أوكرانيا. بوتين يبدو، بهذا المعنى، شخصيةً خارجة من أحد نصوصه، ينفّذ بعض آمال صاخبة في نفوس الشباب الروسي منتصف القرن التاسع عشر، ولم يقدر على تنفيذها القياصرة في حينها.

أن يكون دوستويفسكي على غير هوى الرأي السائد عالمياً لن يغيّر في شيء من مكانة أدبه. لكنّ عمق هذا الأدب لن يتبدّى لقارئ محاط بضجيج العالم. لا خشية أن تحاصر الأدبَ تفاهاتُ مُعلّقي الدروس، ولن تضيف له شيئاً مناصراتُ جمهور شبكات التواصل الاجتماعي. يقول الأدب كلمته ويمضي.

كاتب صحافي وباحث من مواليد تونس عام 1983، مقيم في فرنسا. يعمل محرّراً في القسم الثقافي لصحيفة “العربي الجديد”. يُعدّ حالياً أطروحةً في “جامعة لورين” حول تقاطعات الصحافة بالكتابة الإبداعية من خلال منهجيات السيميولوجيا ونظرية الأجناس.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة