ساري موسى: أحاول أن أكون كاتبَ قصّة
ساري موسى

ساري موسى: أحاول أن أكون كاتبَ قصّة

في هذا اللقاء، يتحدث الكاتب السوري ساري موسى عن روايته الأُولى "مشقّة العادي"، الصادرة حديثاً عن "دار الآداب"، والتي تأتي بعد مجموعتين قصصيتين: "تعزيات الفشل" (2021) و"ساحة الولادة" (2024). يقول: "لا أذكر إن كان خياري كتابة رواية خياراً واعياً. مبعث شكِّي أنّي جلست في أيلول الماضي لأكتب قصة، فكتبت رواية".

أجرت اللقاء: هدى مرمر

بكلّ شقاء وشقاوة، خلق ساري موسى ( 1990) في روايته الأولى عالمًا شاقًا بلا نهاية، ويمكن القول إنّ نهايته هي بدايته، لتدور العجلة بنا إلى أجل غير مسمّى. في هذا اللقاء محاولة لتقفّي بداية خيط الحكاية، والجدل الداخلي بين كاتب القصة القصيرة وكاتب الرواية. “تأتي القصة عندي أولاً، حتى إنّي أعتبر “مشقّة العاديّ” قصَّة طويلة، ربَّما لأنِّي أعتمد معايير القرن التاسع عشر، لكنّ هذا لا يعني ألَّا أُجرِّب كتابة نصوصٍ أطول، وذات خطوط سرديّة متقاطعة ومتداخلة، أو ألَّا “أنتقل” من الكتابة القصصية الصارمة والمتقشِّفة في مفرداتها وجُملها، إلى كتابة الرواية الأرحب والأكثر تسامحاً مع الاسترسال”، يقول الكاتب السوري في لقائه مع “رحبة”.


تأتي رواية “مشقّة العاديّ” بعد مجموعتَين قصصيّتَين، لِمَ قرَّرتَ الانتقال إلى الرواية هذه المرّة؟

كتبتُ هذه الرواية بين أواخر 2017 وأواخر 2019. عملتُ عليها وطوَّرتُها خلال السنوات التالية بالطبع. لا أذكر بعد هذا الوقت إن كان خياري كتابة روايةٍ خياراً واعياً، لكنِّي أظنُّه كان كذلك. مبعث شكِّي الآن أنّني جلستُ في أيلول الماضي لأكتب قصَّةً، فكتبتُ رواية.

اليوم، إذا استعدتُ الرواية في ذهني، أقول في الإجابة إنَّ الأفكار التي أردتُ إيصالها، وطريقة تطوُّرها؛ أي حاجتها إلى النضج المُتدرِّج البطيء قبل الوصول إلى الحدث الرئيس، أكبر من أن تُحيط بها قصة قصيرة. أحاول أن أكون كاتب قصة. تأتي القصة عندي أولاً، حتى إنّي أعتبر “مشقّة العاديّ” قصَّة طويلة، ربَّما لأنِّي أعتمد معايير القرن التاسع عشر، لكنّ هذا لا يعني ألَّا أُجرِّب كتابة نصوصٍ أطول، وذات خطوط سرديّة متقاطعة ومتداخلة، أو ألَّا “أنتقل” من الكتابة القصصية الصارمة والمتقشِّفة في مفرداتها وجُملها، إلى كتابة الرواية الأرحب والأكثر تسامحاً مع الاسترسال، والأكثر استيعاباً لمناقشة الأفكار وتحليلها واستعراض أوجه احتمالاتها.

 

كيف اختلفت تجربة الكتابة الروائية عن الكتابة القصصية؟

تختلف الكتابتان بالنسبة لي في أمرَين أساسيَّين: أولاً بُنية الجملة، وثانياً الحاجة إلى المثابرة الطويلة على العمل. كتبتُ قصصاً من مجموعتي الأولى “تعزيات الفشل” في عشر دقائق، ونُشِرت كما كتبتُها. هذا الأمر لا يصحُّ مع الرواية. لطالما وجدتُ أنَّ جملتي متوتِّرة ومشدودة، وهذا من تأثيرات الكتابة القصصية. عملتُ على جعلها تسترخي وتسترسل أكثر عند كتابة هذه الرواية. ربَّما لم أنجح تماماً، من دون أن يكون هذا نقيصةً في هذه الحالة، لأنَّ لحظة الكتابة التي نقرأ عنها في آخر الرواية تُبرَِّر النَّفَس السريع، والجمل الطويلة المتوترة.

 

 

هل تمرَّد بطل الرواية عليك خلال كتابتكَ قصَّته؟

دائماً ما يفعلون ذلك. أعتقد أنَّ مهمَّتنا هي أن نُصغي إلى الشخصية بعد أن نخلقها، مثل الأهل الذي يُنجبون ولداً ويُربُّونه، ثم عليهم الإصغاء إليه وإعطاءه حرِّيته بعد أن يبلغ. في مراحل كثيرة من الرواية كنت أسير خلف وديع الراعي مباشرة، وكنت أريد أن أنعطف به عدَّة مرَّات، لكنَّه كان يعرف ظروفه أكثر منِّي، وبالتالي كان قادراً على اختيار طريقه أفضل منِّي، فظللتُ أتبعه حتى النهاية.

 

هل مكتوبٌ على الفنَّان والمثقَّف في مجتمعاتنا أن ينزوي ـ ولو أحياناً ـ ليُطوِّر عالمه الخاص وفنَّه؟

أعتقد أنَّ هذا موجودٌ في كلِّ مكان. العالم يُشتِّت؛ مكانٌ ضاجٌّ مليءٌ بالسخافة والمُراءاة، وهذا بالنسبة لي يشمل وسائل التواصل الاجتماعي أيضاً. لا فائدة من الابتعاد عن العالم والاحتفاظ بتواصل معه عبر هذه الوسائل. تصير العلاقة في هذه الحالة علاقةً مشوَّهة، العلاقة الواقعية المباشرة أفضل منها. يسعى الفنّان إلى إثبات نفسه في العالم من خلال الابتعاد عنه، من دون القطيعة التامَّة معه، من خلال أخذ مسافةٍ يراه عبرها بشكلٍ أوضح. وعلى فكرة، هذا الابتعاد ليس سهلاً في مجتمعنا، لا لصعوباته الاجتماعية المرتبطة بطبيعة الروابط العائلية، بل لصعوبته المادية التي يحملها الاستقلال في السكن، وبهذا فهو ترفٌ منشودٌ للفنّان في معظم الحالات. هذا بالإضافة إلى ظروفٍ موضوعيّةٍ تُكرّس الانزواء، تتعلّق بقِلّة الأماكن التي يمكن لهؤلاء أن يجتمعوا فيها ويتبادلوا الحوارات والآراء.

تأتي القصّة عندي أوّلاً، لكنّ هذا لا يعني ألَّا أُجرِّب كتابة نصوصٍ أطول

أقول “قِلّة” لأنَّكِ موجودةٌ في بيروت، حيث ثمَّة وجودٌ لمثل هذه الأماكن، وأنتِ تُديرين واحداً منها، هو نادٍ لقراءة الكتب ومناقشتها. أمّا في مدنٍ وبُلدانٍ أخرى، فيمكن أن نحكي عن انعدام مثل هذه الأماكن، التي يُشكِّل فيها، في بعض الأحيان، مجرَّد “الخروج من البيت مغامرةً خطرة”، بحسب قول كافكا. زيدي على ذلك الكارثة الأخرى ـ وهي كارثة بكلِّ معنى الكلمة ـ المتمثِّلة في تراجع حضور ودور الصحف والملاحق الثقافية والمجلات الأدبية، وهي من أماكن اللقاء الفكريّ المُمهِّد للتعارف الشخصي واللقاء الواقعيّ. تخيلي أنَّ كلَّ ما نعيشه اليوم من تردٍّ على المستويات كافَّة يأتي من جيلٍ كان يمكنه الوصول إلى صحافةٍ يوميَّة جيدة ومتابعتها، أي إلى وسائل تُقدِّم خطاباً عامَّاً مضبوطاً ومهنيَّاً إلى حدٍّ مقبول؛ فماذا يمكن أن نتوقَّع من الجيل الذي أتى بعد انحسار الصحف، والذي استعاض عنها بالتجييش والتحريض الذي تبثُّه وسائل التواصل الاجتماعي؟

 

في “مشقّة العاديّ”، كأنّ مكانة الأخت الصغرى بمستوى مكانة الأمّ بالنسبة لوديع، أو حتى أكبر منها. هل هو الفقد الذي أدّى إلى ذلك؟ وهل يُضفي الموت رومانسيّة مُتخيّلة إلى علاقتنا مع الآخرين؟

ما جعل للأخت هذه المكانة في الرواية، مع أنَّها لم تكن كائناً بشريّاً مُكتملاً يمكنه أن يلعب ويجري ويتكلّم ويضحك، أمران: نسيانها تماماً من قبل أخيها، وكأنَّها لم تكن موجودة، وهذا شيءٌ يحدث لنا غالباً مع مَن أحببناهم وماتوا؛ والطفلة الجارة جودي، التي تصبح صديقة لوديع، تقضي وقتها في غرفته، تدرس وتقرأ إلى جانبه. لا أوافق أنّ للأخت مكانةً فاقت مكانة الأمّ في الرواية، فلا شيءَ مثل الأمّ، لكنّي أوافق أنّ فقدانها، ونسيان هذا الفقدان تحديداً، كما أسلفت، كانا مؤثِّرين. أمّا عن إضفاء الموت رومانسيّةً إلى علاقتنا بالآخرين، فإن كان المقصود بالآخرين الأحياء فأقول نعم، وذلك خشيةً من فقدانهم، خاصَّةً في أمكنةٍ كالتي نعيش فيها، حيث الموت أسهل من الحياة بكثير، أمّا إذا كان المقصود بالآخرين الموتى فأقول لا، هو يُذكِّرنا بهم فقط، وبمكانتهم الحقيقيّة في قلوبنا، كما هي حالي مع جدَّتي التي أهديتُها هذه الرواية.

 

لبطل الرواية وديع مشقّات وعقبات كثيرة، منها من صُنعِه وأخرى فُرِضَت عليه. ما أكبر مشقَّة لديه برأيك؟

اختار وديع الطريق الصعبة. لا أعتقد أنَّه صنع عقباتٍ أو تكبَّد مشقاتٍ لأنّه أراد ذلك. ما فعله مُختاراً كان طريقته في التعامل مع صعوبات حياته. أمّا أكبر صعوباته في رأيي هي عدم قدرته على التواصل مع الآخرين، وهذا ما يحدُّ من إنسانية كلٍّ منّا للأسف، وهو أمرٌ ـ أي التواصل ـ نجد أنفسنا مُرغمين على القيام به. ما زاد صعوبة الأمر عليه أكثر هو أنّه عندما وجد من يحبُّ التواصل معهم، أي الثلاثيّ الأنثويّ: جارته الخيّاطة جورجيت، الطفلة الوحيدة جودي، وحبيبته ياسمين، أجبر نفسه على الابتعاد عنهنّ، بل الهرب منهنّ، كما فعل مع أمِّه قبلهنّ، كي لا يتعلَّقن به ويتألمن لفقدانه بعد موته.

 

يوصي وديع حبيبته أن تكون أقسى من الحياة كي تستمرّ فيها. هل توافقه؟

نعم، أوافقه. في هذا الطلب تعاطفٌ مع الفتيات عامّةً. نحن نعيش في عالمٍ يسحق الجميع، وهناك، من بين الجميع، من هم، من الناحية العلميّة، أضعف، أو أكثر هشاشةً وتأثُّراً. نجد الفتيات اليوم في سوق العمل؛ يخرجن في الصباح ولا يرجعن إلى بيوتهنّ حتى مغيب الشمس، ويكون ذلك في بعض الأحيان مقابل أجورٍ سخيفةٍ أقرب إلى الاستغلال. هناك من أقنعهنّ بأنّ هذا هو المفروض عليهنّ أن يقمن به، وبأنّهنّ “يحققن ذاتهنّ” بهذه الطريقة وحدها. من أقنعهم بذلك يمتلك وسائل إنتاجٍ يحتاج إلى من يعملون فيها، كما أنّه ليس عليه القيام بأيِّ عملٍ عند الرجوع إلى بيته، على عكسهنّ. أعرف أنّ هذا خطابٌ يُعاكس السائد، وربَّما شططتُ به قليلاً عن جواب السؤال، لكن ليكن مناسبةً للتفكُّر إن أمكن. ما تأثير هذا الوضع على الأسرة بعد الزواج؟ هل الأهمّ بالنسبة للأهل أن يؤمِّنوا مستقبل أولادهم، أو أن يصلوا بهم إلى هذا المستقبل بصحةٍ نفسيّةٍ وعاطفيَّةٍ وبدنيّةٍ تامّة؟

كتبتُ هذه الرواية لمواجهة فكرة الموت الذي وجدتُني لا أكتب إلا عنه

تحضرني الآن رواية ليلى سليماني التي قتلت فيها المربّية الأطفال الذين كانت تعتني بهم، وهي روايةٌ مبنيّةٌ على أحداثٍ حقيقيّةٍ حسبما أذكر. تحضرني أيضاً حالات أكثر شيوعاً، كحالات التعنيف في الحضانات التي نشاهد مقاطع فيديو لها بين الحين والآخر. ما أريد قوله إنّ المرأة في العالم اليوم تحمل عبئاً أكبر من عبء الرجل، وهو عبءٌ أكبر من قُدرتها في رأيي، والأدهى أنّها تفعل ذلك بإرادتها، وتفعله مسرورةً، حتى إنَّها تهاجم من يقول لها: هوِّني عليكِ، هناك المهمُّ وهناك الأهمّ.

 

نجد الأمّ والأخت والحبيبة والجارة في تفاصيل يوميّات وديع وتصرّفاته، لكنّ الأبّ هامشيّ. لِمَ الأب بعيدٌ عن العقل والقلب والصراع في حياة ابنه؟

ملاحظة دقيقة. من الناحية العامّة، الأب في بلادنا لا يُظهِر عاطفته، خاصة نحو أبنائه الذكور. هناك عُرف اجتماعي يقضي بذلك، حتى في السنوات الأولى من عمر الأبناء. هذا يخلق عَطَباً في العلاقة يصعب إصلاحه. العلاقة بين الأب والأبناء يبنيها الأبُ لا الأبناء، وبالتالي كما يتمُّ إرساء شكل هذه العلاقة من قِبل الأب تستمرّ. هذا يقودني إلى الجانب الشخصيّ، الذي لا مجال ولا مناسبة لأغوص فيه هنا والآن، لكن سأكتفي بالقول إنّي أعاني من عطبَين كبيرَين في علاقتي مع أمرَين مهمَّين، سيكون عليَّ أن أجتهد كي لا يظهرا في الكتابة، هما الأب والمكان.

 

نجد أنّ تعاطف وديع الأكبر كان مع جودي، ابنة الجارة ذات الثماني سنوات، لا مع حبيبته أو أمّه. هل كانت تمثّل الأخت والطفولة الضائعة، أو الابنة والمستقبل المسروق؟

أجدني محتاراً في التعليق على شخصيّة جودي، التي يمكنني اعتبارها شخصيّتي المفضّلة في الرواية كقارئ. كان لوديع علاقة خاصّة بها، كما كان لراسكولنيكوف علاقة خاصّة بفتاةٍ في مثل عمرها في “الجريمة والعقاب”، وقد تأثّرتُ بهذه العلاقة الأخيرة على ما يبدو. تتكثّف في هذه الفتاة الوحيدة الكثير من المعاني، تتعدى مكانتها في كسر وحدته في الحاضر، إلى المعاني التي أشرتِ إليها، المتعلّقة بالماضي والمستقبل: هي الأخت التي فقدها، والابنة التي لن يُرزَق بها. كما أنّها الصديقة التي يلعب معها، والأمّ التي لا يُمانع اهتمامها وأسئلتها، مع أنّه يتلعثم في الإجابة عنها. تنتظرها كذلك الكثير من التحديات. يرى وديع في مستقبلها ما يشبه حاضره، فيجد نفسه معنيّاً بها، لذلك يُعطيها عند وداعه لها كتباً لتخرج من خلال قراءتها من جو بيتها غير الطبيعيّ، وتنجو بالاستعانة بها.

 

هل جميعنا نهرب من انتظار الموت مثل وديع؟

للإجابة عن سؤالكِ هذا، اسمحي لي أن أورِد هذا الاقتباس للمطران جورج خضر: “لا يعرف الإنسان في صنعه الكلمة أو اللون أو النَّغَم أنَّه يسعى إلى ربِّه، ولكنّه الحنين. الإنسان يحبّ ما يخلق لأنَّه في رتابة عيشه يذهب ويضمحلّ، وفيما يُبدع يستبقي ما يقوى على الدهر والهزالة. يحسُّ أن الجمال في نفسه يُنجِّيه من الخسَّة إن هو خلَّده”.

بهذا المعنى، لم يكن الهاجس غير الواعي لوديع أن يهرب من الموت، بل أن يواجهه ويهزمه، أن “يُخلِّد” نفسه في الحياة. الفن يُخلِّد أثر صاحبه، يُبقي ذِكراه حيَّةً بعد وفاته. هذا هاجس الفنانين جميعاً. يحمل وديع في داخله بذرة فنان، ويحمل طموحه وقلقه كذلك.

هناك أمرٌ آخر؛ رأت لجنة القراءة في دار الآداب، ناشر العمل، أنّ الجيران الذي يتكلم عنهم وديع لا وجودَ لهم أصلاً، وقالت إنّه ربّما يتماهى مع الشخصية التي يكتبها، خاصّة عند وصوله إلى خاتمة الرواية التي يدخل فيها البطل في حالة حادّة من الهذيان. كما ترين، ثمّة قراءات مختلفة للرواية باختلاف القراء، وهذا جيّد.

 

من قرَّر أن بطل الرواية عاديّ؟ الراوي أم الكاتب؟

الحياة هي من قرَّرت. أقصد بالطبع نمط الحياة الذي نحياه، والذي لم نجد أنفسنا فيه صدفةً، بل هناك نظامٌ كاملٌ أرساه من أجل ضمان تحقيق مصالحه، وهو يقمع بشراسةٍ إمكانية إحداث أيِّ تغييرٍ فيه. في الحياة هناك حاجات أساسيّة يجب أن يحصل عليها الإنسان: عملٌ يعتاش منه، بيتٌ يعيش فيه، وآخرُ يُشبِع من خلاله حاجته العاطفيّة ويُكمِل نقصه. هذا شاقٌّ جدّاً اليوم. أنا أعمل في أعمالٍ لا أجني من خلالها مصروفي، مع أنَّها تستهلك وقتي كلَّه، ولا أظنّ أنّي حالة خاصّة.

في سوريا هذه هي الحالة العامّة، إلى درجة أنّ المرء لا يملك إلّا أن يتساءل: كيف يعيش هؤلاء البشر منذ سنواتٍ عديدة، ومن أين؟ البيت، وهو شيءٌ بدائيٌّ جداً لا وجود للإنسان من دونه؛ جسدٌ آخر للروح، لا مجال لامتلاكه، حتى استئجاره صعب، يتوجَّب العمل في أوقات النوم لدفع أجرته. في خيالاتي عن المدينة الطبيعيّة ـ لا المدينة الفاضلة ـ يجب أن توزَّع البيوت مجاناً على الناس، لأنّ منها يبدأ كلُّ شيء، وبدونها تظلُّ كلُّ الأشياء مُعطَّلةً ومؤجَّلة. وضعتُ “الآخر” في الأخير ضمن التعداد السابق، لأن لا وجود له من دون العمل والبيت، ولأنّه قد لا يوجد أصلاً. الكاتب طبعاً مَن صوّب على ذلك كلّه.

 

هل اخترتَ منذ البداية أن يكون النصّ حلقة لا تبدأ في أول صفحة ولا تنتهي في آخر صفحة، أم تبلورت هذه الحبكة الدائريّة مع تقدّم كتابة الرواية؟

بتأثير بعض القراءات، أحببتُ أن تعود الرواية في نهايتها إلى نقطة البداية، لكنَّ هذا لم يكن مؤكَّداً بينما كنت أعمل عليها، إلى أن وجدتُ عند مرحلة معينة من الأحداث أنّها يجب أن تعود إلى حيث بدأت. هذا يُشبه كتابة رواية ضمن الرواية، لكن من دون أن يُريد كاتبها ذلك في حالتي، أو من خلال نفيه نيَّته الكتابة، لكنّ الكتابة لم تكن يوماً خياراً للكاتب.

 

ما الذي حذفته، أو لم تقله في الرواية، ولماذا؟
لم أحذف شيئاً. كتبتُ لأقول كلَّ ما أردتُ قوله. بسبب خلفيَّتي في كتابة القصة القصيرة، كانت أعداد الكلمات في مسوَّدة الرواية تزداد عند العمل عليها مجدّداً، وأعتقد أنّ هذا عكس ما يحصل مع كُتّاب الرواية الذين لم يأتوا من خلفيَّة الكتابة القصصية.

 

لمن كتبت الرواية؟ لك أم لقارئٍ محدَّد في بالك؟
كتبتُها لي. لا أعتقد أنّ الأدب يجب أن يُكتَب لقارئٍ معيّن، أو مُسايرةً لموضةٍ ما، أو إرضاءً للجنة تحكيم جائزة. كتبتُ هذه الرواية بعد محاولةٍ أولى فاشلة عملتُ عليها بين عامي 2014 و2016، وهي تحمل الفكرة نفسها. كتبتُها لمواجهة فكرة الموت، الذي وجدتُني لا أكتب إلا عنه، وهو كذلك موضوع مجموعتي القصصية “ساحة الولادة”، التي هي إصداري الثاني، لكنّ قصصها مكتوبةٌ أوّلاً. لو سألتكِ: كم مرَّةً أوشكتِ على الموت في مطلع شبابكِ؟ ربَّما ستقولين ولا مرّة. أمّا أنا فكنت قريباً جدّاً من الموت في ثلاث مناسبات بين السادسة عشرة والتاسعة عشرة من عُمري.

 

هل من جديدٍ تعمل عليه؟
نعم. هناك روايتان قصيرتان (أو قصّتان طويلتان) شبه جاهزتَين، أو هذا ما أظنّه الآن. وهناك أيضاً قصصٌ يلزمها، كالعادة، عملٌ أكبر من ذلك الذي يلزم الروايتَين، كي تجتمع معاً في مجموعةٍ ثالثة.

 

 

بطاقة

ساري موسى، كاتب سوري من مواليد عام 1990. صدرت له مجموعتان قصصيتان، هما “تعزيات الفشل” (دار التنوير، 2021)، و”ساحة الولادة وقصص أُخرى” (دار الآداب، 2024).  “مشقّة العاديّ” روايته الأولى (دار الآداب، 2026).

قارئة ومراجِعة كتب، تعمل في مجال النشر.  حائزة شهادتَي ماجستير في علم الأعصاب، وفي الإدارة التربوية القيادية. أسَّست نادي القراءة “بوكوهوليكس Bookoholics” في بيروت عام 2012.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة