سيّد القمني… ليس من قرأ كمثل من سمع
(سيّد القمني أثناء تصوير فيلم "الحرية والمساواة والاخوان المسلمون" للمخرج النرويجي بير كريستيان ماغنوس، القاهرة، 2010)

سيّد القمني… ليس من قرأ كمثل من سمع

يمكن القول إنّ المفكر المصري الراحل كان ضحيةَ الدوّامات التي عبرها طوال حياته. بمعنى آخر، كان سيّد القمني المفكرَ والكاتب ضحية سيّد القمني المتحدث. غطّت الصورة الثانية عن الأُولى. هنا بعض أفكار باحث لم يُسمع صوته كثيراً بسبب الضجيج الذي لطالما أُثير حوله.

رحل، منذ أيام، الباحث المصري سيّد القِمني (1947 – 2022)، مثيراً – كما فعل في حياته دائماً – اختلافاً حوله، بين معترف بمحاولاته الجريئة في بناء رؤية معاصرة لكلّ ما وصلَ الثقافة العربية الإسلامية من مرويات ومسلّمات وسرديات، وبين منتقد له على خوضه في تلك المواضيع، ناهيك عن حملات التشكيك في علمية مناهجه ومقارباته.

متابع مسيرة القمني سيجد فيها انتقالاً بين مواضيع هي ذاتها التي يحاول الباحثون في التاريخ أن يتجنّبوها خشية ما تثيره من سخط السلطات الدينية (والسياسية أحياناً)، ونفور الجمهور الواسع من بعض النتائج التي لا تأتي موافقة للقناعات التي جرى تعويده عليها. لكن، أيّ معنى للبحث إن لم يخلخل ذلك الجاهز ويُعد النظر فيه؟

في المحصّلة، كان المفكّر المصري ضحيةَ الدوّامات التي عبرها طوال حياته. بمعنى آخر، يُمكن القول إنّ سيّد القمني المفكّر والكاتب كان ضحية سيّد القمني المتحدّث. غطّت الصورةُ الثانية عن الأُولى. وهكذا، بقيت السجالات أكثر ممّا بقيت الأطروحات. وفي ذلك مؤشّر على واقع البحث في الثقافة العربية اليوم. ولعلّنا نفهم لماذا لا يوجد أيّ تأثير من وراء اجتهادات الباحثين والمفكّرين على مدى أكثر من قرن ونصف.

في أحيان كثيرة، يأتي رحيل باحث مثل فرصة لإعادة قراءته والخروج بما هو مفيد وراهن أو قابل ليكون راهناً في زمن مقبل. لكن مع القمني، حتى هذه الفرصة تبدو وقد أهدرت في الضجيج والتقييمات الجاهزة القائمة على سماع أكثر مما تقوم على قراءة.

هنا بعض أفكار باحث لم يُسمع صوته كثيراً بسبب الضجيج الذي لطالما أُثير حوله.

 

حروب دولة الرسول (1993)

عادة ما تُروى حروب زمن النبوّة من منظور ديني بحت؛ فقد كانت خطواتٍ لتركيز الإيمان في حرب النبي محمد ضدّ الوثنية. هذه السردية الرائجة، هل ما تزال تُقنع قارئاً معاصراً يعرف ما وراء الحروب من خطط وأهداف وخلفيات؟

من هناك يعود القمني في هذا الكتاب إلى أبرز حروب زمن النبوّة، في بدر وأُحد والخندق، مبيّناً أنّها تدخل ضمن الضرورات الإستراتيجية لإضعاف الخصوم، وإلا سيكون تمدُّد التصوّر الجديد للمنطقة غير قابل للتنفيذ.

أن نقرأ هذا الكتاب يعني أن نقرأ عن حروب بالسيوف، وكأنّنا نقرأ عن حرب بالطائرات والدبابات.

 

قصة الخلق: منابع سفر التكوين (1994)

من خلال العودة إلى قصص الخلق السومرية والبابلية والتوراتية، يتلمّس القمني مَواطن التشابُه بين الروايات الثلاث، رغم المرجعيات المتباينة بين الأسطورة والدين، وهو هنا يوظّف فكرة التناص، التي ظهرت في النظريات الأدبية الحديثة، ليُقارب هذه النصوص ويضعها تحت ضوء الحفريات الأركيولوجية للعقود الأخيرة من القرن العشرين.

الكتاب، كما يصفه مؤلّفه، “قراءة غير مقلوبة لأوضاعٍ مقلوبة، ورؤية غير مُعتادة لرؤًى معتادة”.

 

الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الإسلامية (1996)

قلّما يُنظر إلى تاريخ الإسلام عبر منظورات مفاهيم العلوم السياسية، ذلك أنّ الأخيرة نبتت في تربة الأزمنة الحديثة في الغرب. يخوض القمني في كتابه هذا مغامرة تطبيق مفهوم “الحزب” على مرحلة نشأة الإسلام كدولة، وقد بيّنت دراسته نجاعة مفهوم حديث في تفسير الكثير من الظواهر القديمة؛ مثل العلاقة بين طموحات عبد المطّلب وحفيده النبيّ محمد، ومركزية مكّة، وتبلوُر المشاعر القومية لدى العرب.

 

النبي إبراهيم والتاريخ المجهول” (1996)

ينشغل القمني بالتوثيق التاريخي للنبيِّ إبراهيم باعتباره أحد أهمِّ الشَّخصيات في التاريخ الديني، والذي نُسبَت إليه الأديانُ التوحيدية الثلاثة، فسُمّيت بالإبراهيمية. في هذا الكتاب، يضع المفكّر مدوّنة الكتب المقدّسة في مواجهة النتائج الأثرية، ليثبت أنّ الجغرافيا التي تصفها الروايات الدينية لا يمكن إسقاطها على الأرض، ويضع في نهاية الكتاب تصوُّراً للرحلة الإبراهيمية كما “ترويها” المعطيات الأركيولوجية.

 

الأسطورة والتراث (1999)

يُبرز القمني، في هذا الكتاب، غيابَ كلّ جدّية في تناول الأساطير في الثقافة العربية؛ حيث يُبيّن المناهج البحثية الكثيرة التي نمت في الغرب، والتي لا تُستثمر عربياً، على عكس معظم المناهج الأُخرى العلمية والأدبية. الكتاب دعوةٌ إلى قراءة جديدة للأسطورة العربية من خلال القوالب التراثية والتباساتها مع الدين؛ حيث يسطّر على التشابهات بين نشأة الأسطورة والدين.

 

انتكاسة المسلمين إلى الوثنية: التشخيص قبل الإصلاح” (2010)

يعود هذا الكتاب إلى سؤال مركزي في الثقافة العربية: لماذا تأخّرت الأمّة الإسلامية بعد إشعاع قرون؟ يصرّح سيّد القمني بما وقف عنده كثيرون من الباحثين، وإن أشاروا إليه؛ حيث يؤكّد بأن المسلمين تجمّدوا في النص منذ نهاية الوحي، معتبرين أنه صالح لكلّ زمان ومكان حتى وجدوا أنفسهم خارج كل زمان ومكان، وهو ما يعتبره توثيناً للنص، أي منحاً للقدسية لغير الله.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة