شكري المبخوت: قلاعٌ تفتح أبوابَها الروايات
شكري المبخوت

شكري المبخوت: قلاعٌ تفتح أبوابَها الروايات

"ما كان يعنيني أكثر حين فكرتُ في الكتابة الروائية عن الجامعة ليس أن أصفّي حساباً مع مرحلة صعبة مليئة بالمشاكل من تجربتي الشخصيّة. ما أردته وقصدت إليه هو أن أفتح قلعة الجامعات باعتبارها مؤسّسات مغلقة"، هكذا تحدّث الكاتب التونسي شكري المبخوت إلى "رحبة".

مؤخّراً، أعلن الكاتب التونسي، شكري المبخوت، عن عنوان وغلاف رواية جديدة تصدر قريباً؛ “السيّد العميد في قلعته” (دار التنوير). مُناسبةٌ وجدناها مواتية لنُثير معه مسائل تفتح عليها العوالم التخييلية التي يقترحها علينا منذ طلع علينا بـ”الطلياني” في 2014، ومنها إلى سُبل أُخرى يسلكها ما بين البحث في اللسانيات وفي الأدب، واهتماماته بوجوه من تاريخ تونس.

في تلك المساحة الزمنية المترجرجة ما بين الإعلان عن روايةٍ وصدورها مطبوعة، دار حوارنا هذا. الأمر أشبه بزاوية مخصوصة يفتحها هذا السياق، لنطلّ على شخصية تملأ حياتنا الأدبية كتباً وحكايا ومواقف، وهي بتنوّعها وكثافتها، إلى الشخصيات الأدبية أقرب، أو هكذا يبدو لي.

 

“السيد العميد في قلعته” عنوان روايتك الجديدة التي أعلنتَ عنها منذ أيام ولم تصدر بعدُ ورقياً. منذ العنوان. من الصعب ألّا نربط بين هذه الرواية وبين موقعك السابق عميداً لكلّية الآداب ثم رئيساً لجامعة منّوبة. وأنت تكتبها، هل تضع مثل هذه الاعتبارات في حسابك؟ أُشير تحديداً إلى كون هذا الرابط قد يتحوّل إلى عائق قد يصيب الرواية بنفس الأمراض التي أصابت معظم كتابات السيرة الذاتية بالعربية؟

هي ليست سيرة ذاتيّة؛ فلو كانت كذلك، لأعلنتُ عن جنسها منذ البداية. ليست المسألة لعبة تخفٍّ عندي. ربّما سيجد بعضُ من عرفتُ في الكلّية وخارجها ملامح من وجوههم، ولكنّهم لن يجدوا منّي – ولا ريب – إلّا شيئاً يسيراً أقرب إلى إلقاء مزيد من الشكّ منه إلى التصريح.

سيحملها النقّاد ربّما على أنّها رواية سيراذتيّة ولكنّهم لن يفعلوا حينها إلّا مزيد إلقاء ظلال من الشكّ عليها. والحقّ أنّني استفدتُ من تجربتي في العمادة ومن معرفتي بأناس كثيرين في الجامعة، لكن ما يشغل الروائي أساساً هو أن يبني عالَماً وليس أن يستحضر العالَم الذي كان فيه. وهذا فرق جوهري بين الروائي والمؤرّخ.

ينشغل الروائي ببناء عالم لا استحضار العالَم الذي كان فيه، وهذا فرق جوهري بينه وبين المؤرّخ

في هذه الرواية إضافات كي تكون الكذبة الروائية أجمل، وهناك إسقاط لوقائع وتحوير فيها كي يكون العالَم الذي أتحدّث عنه متناسقاً ومنظّماً، وهناك مزج بين ملامح الشخصيّات كي يُبنى الصراع – وهو جوهر السرد – على نسق يصنع معنى ما. أشياء من هذا القبيل أظنّها ضرورية في مشروع الكتابة. ففكرة يوسا الذي يعتبر الرواية نقيض التعرّي (ستريب تيز) صحيحة تماماً. فحتى إذا كان الروائي يستلهم من خبراته الشخصية فإنّه يغطّيها ولا يكشفها تماماً. مهما كان تجربتنا ثريّةً، فإنّنا لسنا كائنات روائيّة بالضرورة، بل نصنع من بعض الوقائع والأحداث بعد تركيبها مع الأوهام والتخييلات الروايةَ. الأهم هو الإيقاع والتماسك ومَحاور الصراع.

 

لو عُدتَ بالذاكرة، وأنت في موقع “السيّد العميد”، هل كان مشروع الرواية أو قرار كتابتها جاهزاً في ذهنك، أم اقتضى كي يتبلور مرور سنوات ودخول تجارب أُخرى كي يصبح متاحاً للصياغة الروائية؟

إذا سلّمتُ بالعلاقة بين تجربتي الشخصيّة في العمادة ورواية “السيّد العميد في قلعته”، فمستحيل أن أكتبها قبل مرور زمن على وقائعها المفترضة. الرواية مختلفة عن اليوميات والمذكّرات بما تزعمه من صدق الوقائع أو الطابع المرجعيّ فيها، لأنّها تحتاج إلى مسافة تأمُّل واستكشاف للصراع وكيفيّة إدارته خلال السرد.

لذلك، مهما وجد القرّاء، أو بعضهم ممّن يتماهون مع هذا الحدث أو ذاك، مِن تشابُه يوهمهم بالتعرّف، فإنّني متأكّد أنّ الأساسيّ لا يكمن في هذا التماهي وهذا التعرّف، والسبب بسيط؛ وهو أنّ الرواية ليست وقائع وشخصيّات وأمكنة تشبه ما نعرفه في الواقع، بل هي أكثر من ذلك.

وقد قرأ المخطوطَ زميلٌ أكاديميّ من بلد عربي مشرقيّ فوجد الأجواء التي أنشأتُها في الرواية مشابهة جدّاً لما عاشه في جامعته، وهو ما طمأنني إلى حدّ كبير؛ فالسرد بقدر ما يحيل وينظّم الوقائع ليوهم بالواقعيّة مثلاً، يُنتج شيئاً آخر هو: كيف يُدخلك في عالَم يبدو مشابهاً لما تعرفه وغريباً عنه في الآن نفسه. وإذا نجحَت “السيّد العميد في قلعته” في تحويل الكلّية التي سمّاها طلبتها بقلعة الأحرار (والتسمية حقيقيّة ومقصودة) إلى استعارة عن عالم الجامعة والجامعيّين، تكون قد حقّقت ما قصدتُه منها.

 

يحضر عالم الجامعة من جديد معك بعد “الطلياني” و”السيرة العطرة للزعيم”، وتشير إليه باسم القلعة بما في ذلك من إحالة للانغلاق والهيبة والارتباط بالسلطة، إن لم نقل بالسلطوية. كلُّ هذا يقع تقريباً في منطقة المسكوت عنه إلى حد الآن في الرواية العربية، رغم حضور الأكاديميّين البارز كروائيّين، ولا ننتبه إلى خروج الجامعة من تلك المنطقة من المسكوت عنه إلا بتراكم كالذي تنجزه، فما الذي تُظهره للعيان بوضعك هذه القلعة على بساط السرد؟

أَصدقك القول بأنّ ما كان يعنيني أكثر حين فكرتُ في الكتابة عن الجامعة ليس أن أُصفّي حساباً مثلاً مع مرحلة صعبة مليئة بالمشاكل من تجربتي الشخصيّة واستعادة أجواء ووقائع عشتُها وشاركتُ فيها فاعلاً وشاهداً ومراقباً ومتأثّراً. لو كان الأمر كذلك لكتبتُ مقالة مطوّلة أو نصّاً فكريّاً.

يوهمك السرد بالواقعيّة، لكنه يُدخلك في عالَم يبدو مشابهاً لما تعرفه وغريباً عنه في الآن نفسه

ما أردتُه وقصدت إليه أن أفتح قلعة الجامعات باعتبارها مؤسَّسات مغلقة على مصاريعها، ليرى الناس أنّ العوالم المغلَقة على ذاتها هي في الحقيقة كالمجتمعات: فيها البطولة والنذالة والقوّة والضعف والمخازي والفضائل… إلخ؛ أي فيها الإنسان بتناقضاته وتردّداته وحيرته. وهذا عندي دور الرواية، وهو أن تكشف هشاشة السلطات التي نتوهّم أنها مطلقة وأن تُبرز جوانب من حياة الناس فيها، فلا هم أخيار مطلقاً ولا هم أشرار مطلقاً.

ومن هذه الناحية، لا أرى أنّ رواية “السيّد العميد في قلعته”، على تميُّز موضوعها الذي عددته في سؤالك من المسكوت عنه، تخرج عن النسق الذي رأيته في “الطلياني” أو “في السيرة العطرة للزعيم” في نقد مفهوم السلطة والسعي إلى تفكيك آليّاتها. لكنّها تتضمّن تغييراً في زاوية النظر واقتراباً من موضوع غير مطروق على حدّ علمي لا في الرواية العربيّة ولا في غير العربيّة، وما أوتيتُ من العلم بالروايات في العالَم إلاّ قليلاً.

 

بهذه الرواية الجديدة، تقطع خطوة أُخرى بعيداً عن “الطلياني”. هل غادرت نهائياً العالم التخييلي الأول الذي لازمك لثلاث روايات (الطلياني، باغندا، مرآة الخاسر) حتى حسبنا أنك لن تغادره لما تركت فيه من عوالم ممكنة؟

الطلياني مشروع لم أنجز منه إلا جزأين للأسف (دون اعتبار القصّة الطويلة في حدود سبعين صفحة بعنوان “السيّدة الرئيسة” في المجموعة القصصيّة التي تحمل نفس العنوان، وهي تصلح لأن أُطوّرها وأُعيد كتابتها بتوسُّع لتكون منطلقاً لجزء ثالث).

و”الطلياني”، كما أتخيّله، لا يكتمل إلا بجزأين آخرين أو ثلاثة، لأنه تتبُّعٌ لمسار شخصيّة وُلدت في بداية الستّينات، وهي اليوم في الستّين تقريباً. من هذه الناحية، ما زال الطلياني يسكنني ويلفُّ حولي ويدور ويناور كي أكتبه وهو في بداية القرن الجديد. لكن الرواية تتطلّب بعض التفرُّغ وكثيراً من التركيز، خصوصاً إذا كانت في أجزاء. الخطاطة تقريباً قائمة في الذهن، لكن تعدُّد الشواغل والمشاريع يحُول دون التركيز على كتابتها.

 

هل ستبقى مثلاً حكايةُ شخصية زينة مبتورة، وهي واحدة من أكثر الشخصيات التي لاقت تجاوباً لدى القراء؟

زينة أخرجتُها من ذهني. هي شخصيّة صعبة جدّاً في تركيبها ومرهِقة لمن يكتبها أكثر من الطلياني. ومن الظلم أن أتعسّف عليها. قامت بدورها وذهبت وأرجو ألّا تعود. مبتورة؟ ممكن، لكنّها سرديّاً انتهت منذ أن تعرّفت إلى صديقها الفرنسي وفشلت في مناظرة التبريز. أَحبّها القرّاء؟ نعم ولكنّني لا أستطيع أن أتركها تُدمّر أعصابي (يضحك).

ما زال الطلياني يسكنني ويلفُّ حولي ويدور ويناور كي أكتبه وهو في بداية القرن الجديد

من يحبّ زينة ويريدها أن تعود، أتنازَل له عنها، ولْيُواصل حكايتها المبتورة. فلا أحد يقدّر مقدار الألم والشقاء حين رسمتُها بعد أن خرجت كالنبتة الشيطانيّة من بين أصابعي وتمرّدَت ونمَت إلى أن وجدتُ حلاّ لإخراجها من عالم الطلياني. أُحبّ زينة وأُشفق على نفسي منها وأكرهها، وأنا كالقرّاء مفتون بها. لم أعد أقدر على التعامل معها.

 

في سياق الحديث عن ترك بعض المسارات، أُلاحظ أنّك منذ 2016 قد هجرتَ مدوّنتك الإلكترونية “مارجيناليا: الهامش والمتن“. ما الذي قطع حبل الاعتناء بها برأيك؟

المفارقة أنّني كتبتُ أشياء كثيرة منذ 2016 ولم أنشرها في مدوّنتي. أظنّ أنّ التدوين بصيغته تلك انتهى، وقد أكون مخطئاً. الطريف أنّ آخر تدوينة نُشرت هناك كانت عن تاريخ الأدب وآخر كتاب كتبتُه، ولتعتبر هذا سبقاً صحفيّاً (يضحك) عنوانه “متحف الأدب: كيف رُويت قصّة الأدب التونسيّ؟” وهو في تاريخ الأدب التونسيّ. معنى ذلك أنّ الهواجس ما زالت قائمة. وربّما جمعتُ المقالات الكثيرة المتفرّقة حسب مواضيع متقاربة لأُصدرها في كتاب أو أكثر.

 

مع بروز الخط الأدبي في مسارك أكثر فأكثر، كيف تدير العلاقة (داخلك) بين عقل الباحث المتخصّص وعقل الروائي وعقل المؤرّخ؟ كما أودّ منك أن تتخيّل كيف تعيد ترتيب هذه الرهانات على سُلّم زمنيّ، مثلاً ماذا لو أنّ كتابة الرواية بدأت منذ عشرين عاماً؟

لا أدري إن كان عقل الباحث والمؤرّخ مختلفاً عن عقل الروائي. أنا لا أرى الاختلاف في الهواجس والدوافع وإنّما هو كامن في مقامات الكتابة والاستعداد للدخول في أجواء جنس الخطاب الذي أختاره لهذه المسألة أو تلك. فبين البحث والأدب يوجد البناء وتوجد مفاجآت الطريق التي قد تعدّل المسارات. والكتب عندي تَخرج كالطلقة، بعبارة يحيى حقّي عند حديثه عن “قنديل أمّ هاشم”. تختمر في الذهن ولكنّها حين تُلحّ يجب أن أضعها وضعاً.

نعم، ربّما احتاج العمل الفكري أو البحث اللساني إلى قراءات وانضباط ومراجع وتدقيقات، ولكن كلّ ذلك في فترة الاستعداد، وهو ليس عندي من صميم الكتابة إلاّ قليلاً. بهذا المعنى ليست المسألة مسألة ترتيب زمنيّ بل هي مسألة مدى إلحاح الهاجس الفكري.

مثلاً، الجزء الرابع وربّما الخامس من تاريخ التكفير في زمن الثورة يلح ولكن تنقصني المادة الوثائقيّة رغم أنّني أعرف عموماً ما سأقوله. وبحكم البعد عن مصدر هذه الوثائق أجّلته لأكثر من سنتين. هنا يتدخّل الترتيب الزمني فعلاً.

تتطلّب الرواية راحة نفسية ولياقة ذهنية أكثر من البحث، وهُما صعبا المنال في أحيان كثيرة

أمّا سؤالك المتخيَّل عن شروعي في الكتابة الروائيّة قبل عشرين عاماً، فلا أستطيع أن أجيب عنه. بل لستُ متأكّداً من أنّني سأكتب روايات أُخرى رغم وجود تخطيطات لروايات في ذهني. هنا المشكلة: تعدُّد الشواغل وأجناس الكتابة مرهقٌ، والرواية تتطلّب – أكثر من البحث – الراحة النفسيّة واللياقة الذهنيّة، وهُما صعبا المنال في أحيان كثيرة.

 

ما الذي أغراك بكتابة “تاريخ التكفير في تونس”؟ إلى اليوم أجده خارج سياق بقية الانشغالات، وحجمه وامتداده لا يمكن تفسيرهما إلّا بشغف حقيقي.

نعم، كُتب بشغف مثلما كتبتُ البحوث العلميّة والرواية والمقال. هنا يصبح تاريخ التكفير في صلب السياق (يضحك)، لكنّه بطبيعة الحال مواصلة لشواغل قديمة، فلا تنس أنّني ترجمتُ كتاب فتحي بن سلامة “تخييل الأصول” منذ أواسط التسعينات، وكتبتُ في الموضوع بطُرُق مختلفة وفي مواضع قريبة في الملحق الثقافي لجريدة “الصحافة” أيامَ كان الصديق حسن بن عثمان يشرف عليه.

علاوة على ذلك، تاريخ التكفير ناتجٌ عندي عن هاجس مواطنيّ وفكريّ كان وما يزال يشغلني أمام هذا البؤس الذي انحدرنا إليه بسبب خطورة تيارات الإسلام السياسي بكل أصنافه، حتى من يتلفّع منه برداء الاعتدال الكاذب. فما أريد أن أقوله بهذا الكتاب بسيط جدّاً، وهو أقرب إلى المعاينة: كلّ فكر جديد حديث يُكفَّر لأنه يمثّل تقليصاً من سلطة المتكلّمين باسم الخالق السياسيّة والأيديولوجيّة.

 

تطوُّرُ جميع هذه المشاريع يُشير إلى حسن تسيير الحياة اليومية للكاتب. هذا ليس أمراً مُعطىً للجميع، حدّثنا عن يومك وكأنك تكتب “دليلاً عمليّاً للكتابة” (عنوان إحدى ترجماتك)؟

ما أعرفه أنّني أشتغل يوميّاً ولا أستطيع أن أركن إلى الراحة حتّى في أيّام الراحة. فمهمّتي الوحيدة تقريباً هي القراءة والكتابة. كثيرون لا يتصوّرون حجم الإرهاق والتعب، ولكنّ الكتابة والقراءة أمران مرهقان جدّاً بقدر ما هما شيّقان. وأعود هنا إلى كلمة شغف التي ذَكرتَها. لذلك ليس لي أيّ دليل عمليّ للكتابة وإنّما هو اختيار وجهدٌ وكسب. طبعاً لست آلة للقراءة والكتابة، بل أعيش وأحاول أن أتمتّع بحياتي، وإن كانت مسرّاتي بسيطة وممكنة وغير مرهقة.

 

من خارج الكتب وقراءاتها، بما تغذّي تجربتك اليوم، باحثاً ومؤلّفاً؟

بالتفاهات التي أقرأها في فيسبوك مثلاً لأرتاح من إرهاق العمل (يضحك). لا أدري، أحياناً أفتح صفحات الفنون التشكيليّة في الإنترنت، أشاهد أفلاماً (وإن قلّت مشاهدتي لها)، قليل من الموسيقى، وبالخصوص تأمُّل البشر في كل مكان أذهب إليه (مثلما كان يفعل عبد الناصر الطلياني في الحانات التي يزورها)، والحديث مع الأصدقاء في كلّ شيء. أشياء من هذا القبيل إذا أحسنتُ فهم سؤالك.

 

ألاحظ، أنك على عكس أوسع شريحة من الكتّاب في العالم العربي، قد نجحتَ في بناء مساحة مريحة مع دور النشر. لن أسألك هنا عن سر اجتراح هذه العلاقة المريحة، بل عن عدم نجاح معظم الكتّاب في خلق هذه المساحة لأنفسهم؟

للأسف العلاقة بين الكاتب والناشر متوتّرة دوماً. كلُّ كاتب يعتقد بأنّه أتى بما لم يأت به الأوائل فتتضخّم النرجسيّات، فيتّهم الناشرَ بأنّه يسرق جهده وحقوقه. بعضهم محقّون في شكواهم، ولكنّهم يتوهّمون أنّ كل الكتّاب في الغرب أو جلّهم يعيشون من كتابتهم وهذا خطأ. فلا بد من كتاب يدخل في الكتب الأكثر مبيعاً ورواجاً (البيست سيلر)، لكن مَن عندنا من الكتّاب وصل إلى هذه الدرجة؟ وكم يبيع في السوق العربيّة؟

يُكفَّر كلُّ فكر جديد لأنه يقلّص من السلطة السياسيّة والأيديولوجيّة للمتكلّمين باسم الخالق

أمّا الناشرون، فهُم يعيشون صعوبات حقيقيّة يبالغون أحياناً في إبرازها، ولكنّ أغلبهم لا يتعاملون مع الكتّاب بحرفيّة وإدارة منظّمة عصريّة. جلّ مؤسّسات النشر أشبه بالدكاكين التي تقوم بدور الوسيط بين الكاتب والمطبعة إلاّ القليل منها. وزاد الطينَ بلّة في تونس دعمُ وزارة الثقافة بطريقة طوّرَت جشع الناشرين وكسلهم بدل أن تُطوّر نشر الكتاب وبذل الجهد في الترويج له.

هذه مشكلة حقيقيّة لا أرى اتحادات الناشرين تعالجها إلّا بمزيد المطالبة بالدعم والشراءات، دون تحديد معايير النشر المحترف ومواصفات الكتاب الحقيقيّة.

 

علاقتك بقطاع الكتاب تمتدُّ إلى وجه آخر هو إدارتك في 2018 و2019 لـ”معرض تونس الدولي للكتاب”. لا شكّ أن علاقتك بمعارض الكتب العربية قد تغيّرت بعد هذه التجربة، كيف تراها اليوم بعد الهزّة التي أحدثتها الجائحة، وما الذي تلتقطه من مؤشّرات إيجابية وأُخرى سلبية، سواء في تنظيم المعارض بشكل عام، أو في تنظيم الناشرين لفضاءاتهم وأنشطتهم وعلاقاتهم باعتبارهم محرّكات مجال النشر؟

أظنّ أنّ الجائحة دفعت دور النشر إلى البحث عن حلول أبرزها البيع عن بُعد، فقد تبيَّن أنّه قطاع مهمّ ويمكن أن ينمو بسرعة وييسّر تسويق الكتاب. ولكننا نجد أيضاً محاولات جادّة للكتاب الإلكتروني وللكتاب الصوتي، وهي لم تنطلق من فراغ بل استثمرت إيجابيّات التجربة في البلدان الغربيّة وسلبيّاتها. عدا هاتين الملاحظتين، لم أعد أراقِب كثيراً تطوُّر حركة النشر.

 

في العام الماضي، قدّمتَ بمواظبة لافتة عبر صفحتك على فيسبوك من خلال نشرك سلسلة تدوينات أقرب إلى مقالات فكرية وتاريخية. كيف وجدتَ تلك التجربة، خصوصاً من زاوية ما يُتيحه الفضاء الافتراضي من تحريك سواكن لا يمكن لفضاءات أُخرى توفيرها؟

في تلك الفترة، كنتُ غارقاً في كتاب “متحف الأدب”، وفي الآن نفسه كانت لي رغبة في أن أكتب عن قضايا تهمّ الثقافة التونسيّة الحديثة وتياراتها المختلفة. بدأتُ بتدوينة فثانية فثالثة، فوجدت من أصدقائي على الصفحة اهتماماً كبيراً ونقاشاً راقياً وإثراءً مهمّاً، فخطر لي أنّ فيسبوك ليس تفاهات فقط، وأنّ من بين الأصدقاء من يُتابِع الأفكار ويجادل، فلْأجعله فضاءً للجدّ والتفكير وإثارة الأسئلة والقضايا.

جلّ مؤسّسات النشر أشبه بالدكاكين التي تقوم بدور الوسيط بين الكاتب والمطبعة

بدأ الأمر كالحب؛ أوّله هزل وآخره جدّ. وأرجو أن أجد الوقت لأُحوّل تلك التدوينات إلى فصول موثّقة متكاملة في كتاب فكريّ عن الثقافة التونسيّة الحديثة.

 

تلك التجربة، تفتح نافذة عن علاقتك برمضان، والمناخات التي يثيرها داخل ثقافتنا. كيف تستقبله، وهل لا زال يحدث نفس ذلك الأثر النفسي المعروف، وما الذي تطمح لتحقيقه خلال فسحته الزمنية؟

لا يختلف رمضان عندي من حيث العمل قراءةً وكتابةً عن بقيّة أيام السنة لأنني بطبعي لا أشتغل ليلاً وأسهر يوميّاً. ربّما الميزة الوحيدة أنّ الضجيج والحركة يقلّان خلال اليوم، فيعمّ الهدوء في الساعات التي أتفرّغ فيها للعمل.

 

أخيراً، هل مخططات ما ستكتبه لاحقاً من روايات وأبحاث متبلورٌ في ذهنك (وربما أوراقك)، أم أن جزءاً كبيراً منها متروك لما تتمخّص عنه تجربة الكتابة ذاتها، وما تُظهره من مسالك لم تفكر فيها من قبل؟

المسألة عندي مزيج من الأمرين. هناك دوماً مشاريع في صيغة أوليّة، مبهمة أحياناً، لكنّها تفرض نفسها عليّ، ثمّ هناك المفاجآت الجميلة عند الكتابة، أي أنّ الفكرة عندي تستدعي أختها في تناسُق لم أُفكّر فيه قبل الشروع في الكتابة، ولكن من الثابت أنّه ليس إلهاماً بل هو تفاعُل ذهني، لأنّني عندما أشرع في تجسيد مشروع يسكنني طيلة الاشتغال عليه، فأعمل عليه في النهار، فأنا كائن نهاري، ويتلجلج في ذهني حين أتوقّف عن الكتابة ويصاحبني حتّى في فترة النوم.

توجد جوانب نفسيّة خفيّة لا أجد لها تفسيراً ولا أبحث لها عن تفسير. فنحن كثيراً ما نرى الكتابة من وجهها الواعي المنظّم، ولكنّني أُرجّح أنّ الخيال حتى في البحث والجوانب النفسيّة غير الواعية يؤدّي دوراً لا أعرف حجمه ولا قيمته لكنّه موجود حتماً.

كاتب صحافي وباحث من مواليد تونس عام 1983، مقيم في فرنسا. يعمل محرّراً في القسم الثقافي لصحيفة “العربي الجديد”. يُعدّ حالياً أطروحةً في “جامعة لورين” حول تقاطعات الصحافة بالكتابة الإبداعية من خلال منهجيات السيميولوجيا ونظرية الأجناس.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة