صورةٌ للتاريخ

لم يدخل والدي مدرسة يوماً، واكتفى بكُتّاب القرية؛ حيث حفظ بعض أجزاء القرآن الكريم. غير أنه كان يتمتّع بثقافة واسعة وسُرعة بديهة في فنّ الحديث لا حدود لها. كانت شخصيّتُه تلمع في الجلسات، وكان نجم الأعراس والمواعيد الحاسمة التي تتطلّبُ مُتحدِّثا جيّداً.

صورةٌ للتاريخ
(باية، غواش على ورق، 100 × 150 سم - 1964)

انتهى موقف التعصُّب الكتالوني على خير، وعادت المياه إلى مجاريها، ولم يبقَ إلّا أن نُواصِل السير نحو البيت.

كان الطريق إلى هراوة مُظلِماً… تجاوَزْنا مدينة الرويبة وانعطفنا يميناً. وحدها بعض الأضواء الخافتة المنبعثة من منازل متباعدة كانت تؤنس مسارنا. ولِحُسن الحظ، لم تكُن المسافة طويلة؛ قرابة ثلاثة كيلومترات فقط.

هراوة بلدية صغيرة في ضواحي الجزائر العاصمة، تُجاوِر بلديات معروفة بشواطئها أو بحركتها التجارية النشيطة؛ مثل عين طاية والرغاية والرويبة. أمّا هي، فقريبةٌ مِن الطابع الفلاحي، وقد وجدَ فيها والدي، الطاهر بن سعيد، راحَتَه لِما فيها من شبهٍ كبير بأجواء الريف عندنا؛ هناك في القلب الكبير الذي فررنا منه مرغَمين.

في هراوة، التقى والدي بالعديد من المجاهِدين الذي حملوا السلاح في الولاية الرابعة التاريخية، ومُعظمهم ينحدرون من منطقة الأخضرية (باليسترو سابقاً). كان يلتقيهم يومياً، ويسترجع معهم ذكريات الماضي، حتى أنه نسي، لوهلة، أنّنا نعيش بهذه الضاحية مؤقَّتاً فقط.

لم يدخل والدي مدرسة يوماً، واكتفى بكُتّاب القرية؛ حيث حفظ بعض أجزاء القرآن الكريم، إلّا أنّ ثقافته السمعية واسعةٌ جدّاً، وكان يتمتّع بسُرعة بديهة في فنّ الحديث لا حدود لها. كانت شخصيّتُه تلمع في الجلسات… كان نجم “الجماعة” في الأعراس والمواعيد الحاسمة التي تتطلّبُ مُتحدِّثا جيّداً.

ولأنّه لا يُجيد اللغة الفرنسية، فقد طلبتُ من أحمد الخوجة، ابنِ عمّي وزوجِ أختي رحمه الله، أن يكون حاضراً في وليمة العشاء المُقام على شرف الحكم الإسباني ليقوم بدور المترجم.

وصَلَنا إلى البيت… كنّا نُقيم في الطابق الأول من بنايةٍ يسكُن صاحب المنزل وعائلتُه طابقاها الثاني والثالث، بينما كان الطابقُ الأرضي مقهىُ ومحلّاً صغيراً لبيع التبغ. وسيكون هذا المحلُّ، بعد قرابة ساعتَين مِن وصولنا، المنقذَ مِن موقف حدث لي أثناء هذه “العَرْضة”.

كانت جلسة تقليدية محلّية بامتياز: كلُّ شيء مُحضَّر في البيت تحت إشراف والدتي رحمة الله عليها. أقول كلَّ شيء؛ من الزرابي والمخدّات وما إلى ذلك من لواحق. وقد حظي ضيفي بكلمات ترحيب تليق به ترجمَها ابن عمي بأمانة.

سارت الجلسة تحت قيادة والدي كعادته. بدأَها بمخاطبة رئيس الاتحاد محمد نعيجي قائلاً: “أبلَغَني العربي – رغم أنّني لا أثق في كلامه كثيراً لأنه لم يتعلّم كيفية شراء اللحم إلّا مؤخَّراً – أنّ رياضة الدرّاجات فيها الكثير من التاريخ والجغرافيا والعادات والتقاليد. لذلك يجب أن نشرح لضيفكم كيفية حياكة الزرابي وبقيّة ما ترونه في هذه الجلسة”.

خشيتُ أنْ يفهم الحَكَم الإسباني مِن اللونَين الأبيض والأخضر أننا نُريد تذكيره بالأندلس

ولمدّة قاربت نصف ساعة، قدَّم والدي شرحاً وافياً، حتى حان وقت العشاء الذي شمل مأكولات جزائرية خالصة. أمّا الحَكَم الإسباني، فقد تلقّى الشرحَ باهتمام كبير وإصغاء تام مثل بقية الضيوف الذين همس أحدُهم همس في أُذني: “هذا باباك ما قراش… لو كان قرا واش يدير؟!.

أجلست الخوجة “المُترجِم” بجانب الحكم الإسباني حتّى يشرح له مكوِّنات كلّ طبق. كان كلُّ شيء مضبوطاً وجميلاً كما خطّطنا له. أذكر ملامح الحَكَم لحظة تقديم الكسكسي بالعسل: ابتسامةٌ عريضة ونظرةٌ كلُّها فضول، وكأنه ظفر بجائزة طال انتظارها، وقد قال: “هذه لحظة تاريخية يجب توثيقها. إنّها المرّة الأولى التي أتذوّق فيها هذا الطبق، وفي موطنه الأصلي. أريد تخليد هذه اللحظة بصورة حتى تبقى ذكرى للتاريخ”.

في ذلك الوقت، لم تكُن الهواتف الذكية موجودة بعد. كان عليَّ التصرُّف فوراُ، فنزلت مُسرِعاُ إلى محلّ بيع التبغ لأشتري “نيغاتيف” لآلة تصوير 110، وعدتُ مسرِعاً حتّى أُوثّق تلك اللحظة التاريخية على حدّ تعبير ضيفنا. وجدتُه يستعجل وصولي وينتظره بشغف، وقد توقّف عن الأكل. التقطتُ الصورة بنجاح وأفسحنا المجال للحديث طيلة السهرة. في تلك الأثناء، نظر والدي نحوي نظرةً تعوّدتُ عليها منذ الصغر، ومعناها: “انهَض، فهناك ما تأتي به من عند أُمّك”.

قمتُ متّجهاً نحو والدتي وقلت لها: “بابا أومأ لي وكأنه يريد شيئاً منك، لكنّني لم أعرفه ما هو تحديداً”، فردّت مبتسمةً: “ما زالكَ صغيراً يا وْليدي… باباك يكون عجبو السبنيولي (الإسباني) وحاب يهديه شيء تقليدي، والهدية واجدة قبل ما تجي”. أمّا الهديةُ فهي “طْبَق” (يُنطَق في لجهتنا بسكون الطاء والقاف وفتح الباء) يُصنَع من الحلفاء والصوف وتُوضَع فيه الكسرة أو يكون للزينة، وعادةً ما يكون في جهاز العروس.

أخذتُ الهدية، وكانت طبقاً أبيض تتخلّله خيوط خضراء وحمراء وأُخرى سوداء رفيعة، واتّجهتُ نحو الضيوف. قدّمتُها للوالد الذي قدّمها بدوره للضيف، فيما تكفَّل المترجِم الخوجة بالشرح والتفسير. لوهلة، توجّستُ مَن الهدية، وخشيتُ أنْ يفهم الحَكَم مِن اللونين الأبيض والأخضر أننا نُريد تذكيره بالأندلس المفقودة التي لم ننسها يوماً. طبعاً، ذهبتُ بعيداً في تفكيري، فقد اتّضح أنّه مجرّد خيال سرعان ما تبدَّد أمام فرحة الضيف بالهدية؛ حيث قال مخاطبا والدي: “كانت وجبة الكسكسي هديتي. أمّا هذه فهي لزوجتي”. ضحكنا جميعاً وقمتُ مرّةً أُخرى لألتقط له صوراً للذكرى.

عندما حان وقت المغادرة، وبينما كنّا نُودِّع الضيف، اقترب منّي عبدو سغواني، المكلَّف بالإعلام في الطواف وقال بصوت خافت: “لقد ربحنا إيجابية التقرير الذي سيُرفَع إلى الاتحاد الدولي”. أمّا الحَكَم الاسباني، فقال لوالدي عن طريق المترجم: “هذا اليوم سيبقى في ذاكرتي وتاريخي الشخصي، لأنه يُجسِّد فعلاً سبب حبّي لسباق الدراجات؛ ذلك أنّه ليس مجرّد رياضة، وإنما هو وسيلتي لاكتشاف العالَم”.

صحافي جزائري مُقيم في قطر.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
  • المواطن علي رحالية
    20 فبراير 2021 | 17:37

    رحمه الله هو والوالدة الكريمة رمز الطيبة ومنبع العطاء والخير كله

قصص رائجة

معذرة, لا يوجد محتوي لعرضه!
قصص قريبة