ضدّ التُناس: عناصر أوّلية من أجل معجم لسليم دولة
سليم دولة في عمل تركيبي، اللوحة لنجيب بلخوجة/ تونس (رحبة)

ضدّ التُناس: عناصر أوّلية من أجل معجم لسليم دولة

يبدو المفكّر التونسي كمن ترك الفلسفة لصالح الشعر، وأغلق قوس الصناعة المفاهيمية واتّجه صوب مغامرات أُخرى، أو هكذا تقول خياراته في نشر مؤلّفاته منذ عقدين. هنا زيارة إلى الحقل المفاهيمي الذي أنشأه سليم دولة.

نادرة مصادر الماء في ثقافتنا الفكرية العربية. والمفارقة أن القليل منها ممّا يمكن أن يروي بعض عطشنا مُهدَر ومعطّل. ذلك ما يحضُرني كلما زُرتُ كتابات سليم دولة.

من موقع اليوم، يبدو كمن ترك الفلسفة لصالح الشعر، أو هكذا تقول خياراته في نشر مؤلّفاته منذ عقدين. يبدو كمن أغلق قوس الصناعة المفاهيمية واتجه صوب مغامرات أُخرى. أمرٌ لم يؤكّده ولكنّه لم ينفه، تاركاً شأن “فلسفة التحقيق والتدقيق” مُعلَّقاً منذ إطلاقها بداية تسعينيات القرن الماضي كمشروع يصبو إلى تجديد الدم في عروق العقل العربي وإعادة ترتيب إقامتنا في العالَم.

رغم أشكال متعدّدة من الإقصاء، ليس أقلَّها أنّ مؤلفاته تكاد تصبح من الكتب النادرة، يصل فكر سليم دولة عبر قنواته الخاصة. هناك أُفق تفكير فتحه في الفضاء التونسي ولم ينغلق، وهناك مسارب حفرها في نفوس قرّائه، وعادةً ما يزور نصوصَه شبابٌ في بداية تشييدهم للعالم في ذواتهم واشتباكاتهم الأُولى مع مفاهيم كالسلطة والكتابة والثقافة والتفكير.

هكذا، بضربة حظّ أو بتدبير عجيب، انحفر الاسمُ في التاريخ الثقافي للبلاد رغم غياب صاحبه. لعلَّ الحاجة العفوية إلى أدوات ضرب “الوعي الإسمنتيّ المسلَّح”… إلى مطرقة نتشوية تتكلّم العربية الفصيحة، هي التي تصنع هذا الحضور رغم أنف “الشرطة الثقافية” التي أمسكت لعقود بالبلاد بيد من حديد وبضمير ميت.

ربّما أيضاً أسطره الغياب عن الثقافة الرسمية، وحتى الغياب الجسدي في الشوارع والساحات والحانات، لكن لننتبه إلى أنّ الأسطرة شكلٌ آخر من أشكال الإقصاء. ما أقوى ثقافتنا في تطوير أشكال الإقصاء!

عبر ما بقي وما وصل من مكتوبه ومنطوقه، يقول سليم دولة إنّ الصنعة المفاهيمية غير غريبة عن الكتابة العربية… إنّها ممكنة. يقول: انظروا إلى ما فعل فتى في العقد الثالث من عمره وحتى إذا ما توقّف عن الكلام، فها هي كلماته لا تزال تفسّر العالم.

كتاب مثل “الجراحات والمدارات” – وحتى التدوينات الفيسبوكية العابرة – هي مع سليم دولة مغامرات في النحت، بوصفه “تسمية ما لم يكن مسمّىً”، والعبارة لصاحب “كتاب السلوان والمنجنيقات”. هذه الجرأة المبكّرة على النحت، واجتراح مفردات تجعل من الباطن المتخفّي ظاهراً مرئياً، لا نعرف إن ذوت وأُهدرت (علينا جميعاً) أم بقيت تعمل في الظل.

ينّبهنا سليم دولة، بنفسه، إلى أنّ الكلمات هي أيضاً فخاخ قد تعطّل حضورنا في العالم، وهو ينشغل تحديداً بما تفعله مفاهيم وعبارات كثيرة بواقعنا وبعالمنا، ألم يقل في أحد مقالاته: “تقوم الكلمات في الفلسفة مقام اللكمات، أو حتى مقام الألغام، ومقام المتفجرات“. إذن، لننتبه ونحن نعبر الحقل المفاهيمي الذي نعبره مع سليم دولة.

 

ملاحظة: هذا المعجم منقوص بالضرورة، بما أنّ بعض كتب سليم دولة مفقودة وكتاباته مبعثرة في الصحف والمواقع. كما أنه يُسقط القارّة الأُخرى التي يكتب ضمنها، الشعر، وهي أيضاً زاخرة بالمفاهيم.

وأخيراً، هو معجم منقوص بسبب ذاتيّته، فما ظهر فيه هو ما تناهى إليّ من أفكار سليم دولة، ولعلّه قد فاتني منها الكثير.

 

■ ■ ■

 

الأب المركّب

مجموع المؤثّرات والقراءات التي ينطلق منها كلُّ من يصبو إلى الكتابة الفكرية، وتتحوّل لاحقاً إلى هدف تجاوُز. يمثّل “الأب المركّب” موضوع تأمّل إشكالي من الضروري الخوض فيه، فهو اعتراف بحضور أصوات أُخرى في تجربة الفكر الذاتية، وهو أيضاً موضوع تنازُع كالعلاقة مع الأب في مفهومها الأشمل.

يمسح مُكوّن “الأب المركّب” عند سليم دولة بطيف واسع: من الشنفرى إلى ميشيل فوكو، مروراً بالمعرّي وطه حسين ونيتشه وغرامشي. من جهة، لا يمكن للمفكّر أن يكون وحيد الأب، وإلّا نفت هذه الوحدانية شرط التفكير الحر لديه، ومن جهة أُخرى يشير سليم دولة إلى أنّ هذا الأب قد لا يكون علنياً.

في حوار جمعني معه عام 2019 (منشور في صحيفة “العربي الجديد”)، يقول: “لكلّ كاتب أب مُركّب. وقد يكون ثمة أب سرّي مُركّب في طيّة من طيّات لا وعيه المعرفي والعاطفي“.

ويضيف: “لا أحبّ الكاتب المبتور، ذلك الذي يقيم في قطب واحد؛ شمالي أو جنوبي، عقلاني أو وجداني، فيكون كائناً حانوتيَّ الذهن والعقل وفق المعجم النيتشوي”.

 

الإنسان/ أنثروبولوجيا

قلّما جرى الانتباه إلى أنّ مدوّنة سليم دولة أنثروبولوجيةٌ بقدر ما هي فلسفية. هناك قول بعدم وجود كتابة عربية في الأنثروبولوجيا، رغم تعريب التسمية إلى علم الإناسة، وهو قول يحتاج إلى مراجعة في ظلّ حضور نصوص مثل “المهول في أخبار الإنسان الآكل والمأكول” من كتاب “الجراحات والمدارات” (صدر عام 1991) ومجمل كتاب “الثقافة، الجنسوية الثقافية. الذكر والأنثى، لعبة المهد”، وهو عمل يقدّم قراءة ضمنية في مجمل تاريخ الفكر الأنثروبولوجي.

من زاوية أُخرى، يقف سليم دولة على كون “الإنسان مقولة مكبوتة في تراثنا الفلسفي العربي وفي مشاغلنا الثقافية المعاصرة” (كتاب الجراحات والمدارات). ولعلّ في ذلك ما يُفسّر بعض تأخّر حضور هذا المعرفي في ثقافتنا، حتى أكاديمياً، وإلى يومنا هذا.

 

الإهانة

مفهومٌ يعبُر كلّ كتابات سليم دولة، من المؤلّفات إلى التدوينات حول الشأن اليومي. يمكن التفريق بين معنيين؛ الأول فكري يحيل إلى الإهانات التي عرفتها البشرية جمعاء وأفرزت ارتباكات العقل الحديث وجزءاً غير يسير من أزماته.

في كتبه الثلاثة، يعود إلى “سرديّة الإهانات” (تتّخذ اسمَ الجراحات في كثير من الأحيان)، وهي تلك “الحقائق” التي رفعها تقدُّم المعرفة: كوبرنيك، داروين، فرويد، ويزيد عليهم المفكرُ التونسي لحظتَي ماركس ونيتشه، ويمكن اعتبار مجمل كتاباته محاولة في بحث مواطن الإهانة التي تتعرّض لها نرجسية الفكر البشري.

أمّا المعنى الثاني الذي يحضر فيه معنى الإهانة فهو يتجلّى كلما تطرّق سليم دولة إلى مسألة السلطة، فحضورها الطاغي الإلغائي يرمي كلّ ما حولها إلى شعور بالإهانة والعجز والعطالة.

 

الإشكالية/ الحس الإشكالي

دون القدرة على صياغة مظاهر الوجود في إشكاليات، لا يمكن للعقل أن يكون مبصراً. تظهر محاولة التفكير في مفهوم “الإشكالية” ضمن محاولة الإجابة عن سؤال “ما الفلسفة؟” (موضوع كتابه الأول)، والإشكالية في تعريفها الأبسط عند سليم دولة: مجموعة من المشكلات لا يمكن حلّ واحدة منها بمعزل عن غيرها. ومن ثَمّ يبدأ المفكّر التونسي في التأسيس لضرورة “الحس الإشكالي” كمضاد أوّلي لـ”الوعي الإسمنتي المسلَّح”.

 

البداوة المعرفية

يحضر هذا المفهوم كإشارة عابرة أكثر من مرّة في مدوّنة سليم دولة. مرّةً ضمن معنى إيجابي للعوة إلى براءة ما، باعتبار أنّ الاستقرار ضربٌ من الاستسلام لرؤية معرفية بعينها، ومرّةً ضمن إشارة إلى حالة الاكتفاء بالمرور بين المعارف دون ترتيب وصياغة واستثمار، كحال جزء واسع من الفكر العربي المعاصر، وهو ما يجعل المثقَّف العربي “يستورد حتى الأزمات”.

يرد هذا المعنى أيضاً في سياق التقلّب بين الأيديولوجيات ضمن صياغة شبيهة بـ”الترحال الثقافي”، وهي مقتبسة من مدوّنة محمد عابد الجابري.

 

بيان بغداد السقراطي

عنوان محاضرة ألقاها سليم دولة في بغداد عام 2000، وصدرت في كتيّب شبه مفقود اليوم. ولبغداد حضورٌ خاصّ ليس في مدوّنة المفكّر التونسي فحسب، ولكن في مقالاته ومنطوقه اليومي أيضاً، وقد كان سقوطها تحت الغزو الأميركي عام 2003 لحظة انكسار لا يفتأ يعبّر عنها.

 

التراث

يحضر التراث بشكل لافت في كتابات سليم دولة. هو ليس فقط نصوصاً عالمة في الفلسفة والشعر والتاريخ، بل أيضاً مقتطفات من كتب مجهولة ونوادر… وإضافة إلى استعمالاته في البناءات الحجاجية لنصوصه، يحضر التراث كأرضية نقدية للتعامل المعاصر له، فيذكر، مثلاً، في كتاب “الجراحات والمدارات” بأنّ “الثقافة العالمة العربية المعاصرة لم تقو على فهم واستيعاب الإرث الثقافي الضخم، فأنتجت نظرة سبحانية للماضي“.

 

التقاعد الإلزامي للعقل

يحضر هذا التركيب في سياق حديث سليم دولة عن “وعي سعيد مزيّف” يُمثّل، هو الآخر، مناورةً من مناورات السلطة لتعطيل كلّ مقاومة فكرية. الحادثة التاريخية القادحة لهذا التفكير كان صعود محمد مزالي، ذي التكوين الفلسفي، إلى منصب الوزير الأوّل (ثمانينيات القرن العشرين)، وصعود خطاب مواز من زمرة من المثقّفين يبشّر بالانفتاح والتفتّح، وفي المقابل يدعو دولة إلى التسلّح بالوقاحة الفكرية التي تفضح هذه الادعاءات.

 

التُناس

مفهوم طريف يشير إلى حالة مرضية تصيب بلداً فتموت المشاريع في مهدها ولا تبلغ مداها. ليس صدفة أن جعل سليم دولة أحرف اسم هذا المرض تشترك في الأحرف مع “تونس”، مع نحته ضمن القالب الصوتي لتسميات الأمراض: كُزاز، صُداع، كُساح… يطبّق دولة هذا المفهوم على ذاته أحياناً. يقول في حواره (مع “العربي الجديد”): “ما يؤسفني هو أنّني أُصبت كالكثيرين مثلي والكثيرات بما كنتُ قد أطلقت عليه “مرض التُّناس”، والمتمثّل في كوننا نطلق المشاريع والأفكار الكبرى، غير أن العوائق الموضوعية كما الذاتية تحول دوننا“.

 

تأبيد المواقع

في كتابه “الثقافة، الجنسوية الثقافية..”، يربط سليم دولة بين ترسيخ وضع المرأة ضمن تراتبية مُجحفة (لا مبرّر طبيعيّاً أو عقلانيّاً لها) بترسيخ بقية المواقع. يقول: “يلعب هو دور الذكر فتلعب هي دور الأنثى، يلعب هو دور الحاكم، فنلعب نحن دور المحكومين. أما آن لنا أن نتبادل المواقع؟“.

 

الثقافة

مفهوم عابر لمدوّنة سليم دولة من الألف إلى الياء، وهو مفتتح كلامه في “الجراحات والمدارات” ومحوره في “الثقافة، الجنسوية الثقافية…”. يمكن اعتبار هذين الكتابين مسحاً لتطوّر المفهوم في الفكر الحديث، من العودة إلى تشكّلاته في التراث إلى مفهوم “الميتا-مثقّف” (إدغار موران)، كما أنّ كل كتابات سليم دولة (التأليفية على الأقل) هي تقليب وتطبيق لهذه المفاهيم في سياقات متنوّعة، بحثاً عن الرموز والتأويلات الثاوية داخلها.

 

الثقافة القمعية

تتميّز بإنتاج نمط علائقيّ دقيق بين الدولة والشعب، وبين الزعيم والرعايا. علاقة عدم تكافؤ. علاقة يصفها سليم دولة في كتاب “الثقافة، الجنسوية الثقافية..” بكونها امتثالية، أي “علاقة أوامر سلطانية فكأن الحاكم لا ينطق إلّا ليأمر، وكأن المواطن لا يتكلّم إلا ليقول نعم“. ومن ثمّ يؤدّي ذلك إلى إلغاء للفكر، وهو مطمح السلطة لتسييج أبّهتها وتأثيرها.

 

الثقافة المضادّة

يعرّفها سليم دولة أيضاً في كتاب “الثقافة، الجنسوية الثقافية… بأنّها “مجموع قيم وأفكار وسلوكيات أنتجتها شرائح اجتماعية مختلفة احتجاجاً على تيه وضياع هذه الفئات التي لم تستوعبها الثقافة السائدة“. تُحرج هذه الثقافة السلطةَ، فلا تتوانى في محاربتها، ولا تطمئن إلّا بتدمير العقل النقدي الذي يسكنها. يلاحظ سليم دولة أنّ هذا المفهوم على حداثته حاضر في تجارب قديمة كصعاليك الجاهلية وأبي نواس.

 

الحداثة

بفضل تصوُّر خاص يرى الحداثة بوصفها “تغيُّراً في نمط الإقامة في العالم”، يطرح سليم دولة مخارج لإشكالية أرهقت العقل العربي المعاصر. هناك فكرتان أساسيّتان يخدم بهما المفكّر التونسي تأصيل مفهوم الحداثة، إحداهما تأتي ضمن تناوله مفهوم “النسبية الثقافية”، ومنه يصل إلى نفي الادعاء الغربي باحتكار الحداثة، فكلُّ الثقافات قادرة على تطوير حداثة خاصة بها، بما في ذلك ثقافتنا.

أمّا الحضور الثاني، فيأتي من فحص لتشكُّل الحداثة في سياقات ثقافية متنوّعة، ومنها العربية، والتي يرى سليم دولة بأنّها حقّقت حداثتها من منطلق تصوُّرٍ يطرحه المفكّر التونسي بكون “الحضارات الكبرى لم تؤكّد حضورها التاريخي في أفق الإنسانية إلّا لأنها حققت حداثة ما“، وقد نجحت الثقافة العربية الإسلامية في ذلك حين انتقلت من ثقافة الشعر (الجاهلية) إلى “ثقافة الشريعة” (الإسلام). وفي المقابل تفشل في إيجاد نقلة أُخرى في العصر الحديث.

 

جدلية الجرح والحكمة

في مفتتح كتاب “الجراحات والمدارات”، يقدّم سليم دولة أطروحة كون “الإنسانية تتقدّم وتتأخّر وفق جدلية يمكن وصفها بجدلية الجرح والحكمة“، حيث أنّ تقدُّم المعرفة يُعرّض العقل لاهتزازات فيبدأ في محاولة إيجاد طرق جديدة للإمساك بمفردات العالم، للإقامة فيه بطمأنينة تظلّ معرّضة للاهتزاز بعد حين.

 

الجهل المثقف

هكذا يسمّي سليم دولة نتاج إشراف الدولة على الثقافة والتربية والمعرفة. فمن منظور متطلَّبات حماية سلطتها، لا يمكنها إلّا أن تستثمر في تجهيل مغلّف بقشرة المعرفة. يقول في كتاب “الجراحات والمدارات”: “الدولة لدينا – نحن العرب – أصبحت تمارس تبذير الذكاء لدى المواطن. لقد أصبحت تشرف على مدارس/ معاهد/ جامعات لإنتاج الأمّية العالمة أو الجهل المثقَّف: غيابٌ مطلق للفكر النقدي، غياب مطلق لقضايا الوطن الكبير، مع تنمية فظيعة للأنانية المتوحّشة التي تدعو إلى الفضيحة“.

 

حرية

يطرح سليم دولة إشكالية الحرية من منظور علاقة المعرفة بالسلطة، وما يتفرّع عنها من علاقات؛ مثل علاقة المثقّف بالسلطة، والإبداع بالمراقبة وغير ذلك. من خلال مجموعة ألعاب بالأحرف، يقدّم ما يشبه الخطاطة حول تجسُّد الحريات في الواقع، فيذكر: حرية الصحافة دون تصحيف، وحرية التفكير دون تكفير، وحرية الكتابة دون تكبيت…

 

حقوق النشر

طبعاً، ليس هذا موضوع إشكالية يتناولها سليم دولة فكرياً في مدوّنته، ولكنها إشكالية من منظور كيفية إدارة الحياة الثقافية. مع سليم دولة يمكن الحديث عن تعطّل جهاز النشر الذي عادةً ما يحمل فكر كاتب إلى أبعد مستوى.

يمكن أنّ نلاحظ أن مسألة حقوق النشر حاضرة كهامش في مدوّنة سليم دولة، تحديداً في عتبات كتبه التي تشير إلى أن طبعة ما شرعية على عكس أُخرى، دون أن ننسى عدم مرور النصوص بدار نشر في أحيان كثيرة، ومنها الطبعة الأولى من “الجراحات والمدارات”.

كما نقرأ تعقيباً في نهاية طبعة “دار نقوش عربية” لكتاب “ما الفلسفة”: “صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عن “دار بيرم للنشر” في تونس عام 1987، والطبعة الثانية 1988، والثالثة 1989، وتمّ السطو عليه مرّة أُولى في 1990، والسطو عليه مرّة ثانية في 1991. هذا الظاهر أمّا الباطن فلا يعرفه غير اللصوص. تماماً كما صدر هذا الكتاب بالمملكة المغربية عن دار الحوار الأكاديمي في 1989 دون إذن المؤلّف. لهذه المصائب وغيرها يُمنع منعاً باتاً إعادة طبع هذا الكتاب أو استنساخه للاستعمال الجماعي دون إذن كتابيّ من المؤلّف والناشر وحقوق الطبع محفوظة!“. (ترد في المتن محظوظة، لعلّها خطأ مطبعي).

 

حي بن يقظان/ ابن طفيل

يحظر ابن طفيل وشخصية حيّ بن يقظان في كتاب “الجراحات والمدارات” ضمن فصل بعنوان “الجرح الثالث والمدار الثالث: الانتصار الإبستيمولوجي والخيبة الفلسفية”، وفيه يدعو سليم دولة إلى دراسة الخطاب الفلسفي العربي الإسلامي في شكل عوائق إبستيميولوجية”.

 

دولة سليم دولة

عنوان مدوّنة أطلقها سليم دولة على الأرجح في 2010، تجمع بعض ما تبعثر من مقالاته وأوراق محاضراته، وخصوصاً كتابات تشبه مذكّرات أو شذرات سِيَرية. توقّف النشر في المدونة في حدود عام 2016.

 

السجون النظرية

مفهوم يرد ضمن توضيح لتمادي الدولة في السعي للهيمنة على المجتمع، حيث يشير سليم دولة إلى أن “السلطة لم تعد تقنع بالسجون المدنية، وإنما أصبحت تتشوّف للسيطرة على الأفئدة وعلى المكتوم، فأنتجت ما يمكن لي تسميته بالسجون النظرية“.

 

سقراط

يفرّق سليم دولة بين سقراطين: سقراط الفيلسوف وسقراط الموظّف، الأوّل يدعو إلى العودة إليه والثاني يعتبره نموذج المثقّف السلطاني، وقد يُسقط عنه لقب المثقّف ويكتفي باعتباره تقنيّ معرفة. كما يشير إلى كون تاريخ الفكر هو صراع بين السُقراطَين، ونشهد في العصور الحديثة انتصاراً أكبر لسقراط الموظّف، خصوصاً مع تحوّل الجامعة إلى الفضاء الرئيسي للنشاط الفلسفي.

 

سقرطة الفلسفة

دعوة لا يفتأ يطُلقها سليم دولة لإعادة الفلسفة إلى شوارعيّتها، كما تفلسف سقراط بادئ الأمر. يَعتبر المفكّر التونسي بأنّ سقراط تعرّض للخيانة من تلميذه أفلاطون حين بدأ في ترسيخ نخبوية الفلسفة. يقول في الحوار المذكور آنفاً: “يمكن اعتبار أنّ أفلاطون المريد الأمين لسقراط الحكيم هو من خلّده ومن خانه في نفس الآن. الاشتغال الفلسفي بالجامعة لا ينفي عنها “شوارعيّتها” الأكيدة. يوجد أكثر من مبرّر حضاري فعليّ لسَقرطةِ الفلسفة كونياً“.

 

السلطة

يمكن التقاط تعريفات كثيرة للسلطة من مدوّنة سليم دولة؛ فهي مفهوم عابر وطاغي الحضور. ورد تعريفها بشكل مباشر في مقال صدر في جريدة “السفير” التونسية (أكتوبر/ تشرين الأول، 2012)، يقول فيه سليم دولة: “السُلطةُ شَهْوَة للاسْتِحواذ عَلى الفَضاءِ والأجسادِ (…) هي الرغبة في المسك بأدوات الحياة والممات. تريد أن توزّع الخيرات والعقابات وفق معيار الطاعة والولاء أو القرب والبعد من أصحاب الأمر والنهي“. يمكن أن نشير أيضاً إلى أنّ كلّ ذكر للسلطة في مدوّنة سليم دولة يكاد يقترن بمعجم اللذّة، وجميعُ تفسيرات تحرّكاتها أشبه بمحاولة احتكار هذه اللذة.

 

السياسي

يقدّم سليم دولة تعريفاً طريفاً للسياسي في كتاب “الثقافة، النسوية الثقافية…”، حين يقول: “هو مَن يُذكرن نفسه ويُفحلنها بينما يؤنثن الجميع نساءً ورجالاً“.

 

الشرطة الثقافية

مفهوم يكسر به سليم دولة خلطاً بين المثقّفين؛ المثقّف المبدع مقابل المثقف الموظّف تحديداً، والذي يكون دوره في كثير من الأحيان توفير القمع الفكري لخدمة السلطة عبر الوشايات والتجريح والاستقواء بالدولة واحتكار مواقع الفعل.

 

الشرك/ المشاركة

يأتي هذان المفهومان مقترنَين في مدوّنة سليم دولة، لأنهما موضع تلبيس فرضه العقل السياسي العربي داخل الفضاءين النظري والعملي، بُغية سدّ الذرائع على الرعية لكل نقد ومراجعة وتحقيق. يقول: “لقد لبّس العقل الأميري بين المقدّس والمدنّس فكان التكلّس“.

 

الشعر

ليس من الممكن أن نحاور سليم دولة اليوم ولا نعرّج على مسألة توقّف نشر الكتابات الفكرية، مقابل الاستمرار في إصدار المجموعات الشعرية. جواباً على هذا السؤال، يقول: “أنا نفسي تساءلتُ كم من مرّة لماذا لم أعد أرغب في نشر كتاباتي الفلسفية التي لم أكفّ عنها. قد يعود الأمر إلى محني الشخصية، فحينما أكتب الشعر فإني غير معنيٍّ أساساً بالتوجّه للعالم ولا للوطن، ولا للشأن العام مباشرة، وإنما أسعى إلى التداوي، وإذا صادف أن التقى الوجع الشخصي بالوجع العام فلا تكون تلك غايتي الأساسية. في الشعر، ثمّة موسيقى خاصة، حميمية، لحمية، خصوصية لا تدركها غير الذات الشاعرة. قد تبعدك الفلسفة عن حياتك بينما الشعر يرجعك إلى حياتك، وإن أنت تدرك أنك تمرُّ قربها أو حولها أو حيالها“.

هناك دائماً عودة للفلسفة عند تعريف الشعر لدى سليم دولة، وهو ما لاحظته عند مواكبة محاضرة بعنوان “ما وراء التصنيف: حقيقة الفلسفة، حقيقة الشعر في الرهن الحضاري” ألقاها في إبريل/ نيسان 2019، في النفيضة بالقرب من مدينة سوسة، يقول: “الشعر والفلسفة يقومان على رغبة في تأسيس بديل، وهذه رغبة ملحّة في وقت أصبح فيه البديل السياسي ميؤوساً منه في العالم“.

 

فلسفة التدقيق والتحقيق

المشروع الأساسي لسليم دولة، والذي نجد عناصره الأولية في كتاب “الجراحات والمدارات” بما هو استنطاق لظواهر ثقافية (نصّية وغيرها) من خلال كشف المسكوت عنه داخلها والمكبوتات التي تنطوي عليها.

أمّا التسمية، فهي موضّحة في تصدير الكتاب؛ حيث يلتقط هذا المقطع: “مدينة قفصة مدينة كبيرة قديمة أزليّة (…) على أحد أبوابها كتابة منقوشة على حجرٍ من عمل الأُوّل تُرجِمَت فإذا هي: “هذا بلد تدقيق وتحقيق”. ذلك ما ورد في كتاب: “استبصار في عجائب الأمصار” لمؤلّف مجهول في مَتْن يعود إلى القرن 6هـ/ 12م”.

مواصلة مشروع “فلسفة التدقيق والتحقيق” لا يزال يراود سليم دولة؛ حيث يقول في حواره (العربي الجديد): “لو توفّر لي الوقت لأنجزت المشروع الذي حلمت به؛ “فلسفة التدقيق والتحقيق” الذي استلهمته من تاريخ المدينة التي أنا منها وهي مدينة قفصة“، مضيفاً لاحقاً: “في ذهني، ليست أثينا أجدر من قفصة بالاستحضار الفلسفي – الحضاري. وإذا كان ليس للفلسفة من وطن فإن للفلاسفة أوطانهم“.

 

فلسفة الفتوّة

مصطلح يظهر في مناسبة واحدة كمرادف لفسلفة التحقيق والتدقيق في نهاية كتاب “الثقافة، الثقافة الجنسوية…”: “تهدف فلسفة الفتوّة إلى تفجير وتعتعة الوعي الإسمنتي، ذلك الوعي المغدور الذي كفّ عن التفكير ولم يع أنه أصبح وعياً أثيرياً“. أما أداة فلسفة الفتوّة فالحس الإشكالي المطرقي.

 

فوكو

يستند سليم دولة كثيراً إلى منهحيات المفكّر الفرنسي ميشيل فوكو، وهو يعترف بفضله في بناء مقارباته ،كما خصّص له عرضاً جامعياً في نهاية سبعينيات القرن الماضي أشار إليه في حواره بأنه كان يمكن أن يكون “كتاباً من أول الكتب التي تهتم بصاحب “الكلمات والأشياء” في الثقافة العربية، غير أن حياتي تشتّتت في الوطن وجرّبت البطالة والتشرّد السكني، وزاد على ما بي تحرّش السلطة والتوعّك العاطفي“.

يفسّر سليم دولة أثر فوكو عليه بكون كتاباته حفّزته على فهم علاقة التلازم بين المعرفةوالسلطة، وتغيّرت نظرته للمحيطات المعرفية، يقول: “بعد التمرّس بأركيولوجيا فوكو وحفرياته المعرفية المرفودة بالنسابة (الجينيالوجيا النيتشوية) نظرتي للمحيطات المعرفية، فلم تعد المعرفة جُزراً منعزلة واكتشفت “المتشابك” و”المشتبك” والصريح والضمني، والصامت والصائب في الخطاب الواحد، وانتبهت إلى علاقة التلازم بين السلطة والمعرفة، ومن ثمّ تغيّرت مواقفي من الكتب القديمة والحديثة واستوت عندي من حيث الهاجس المعرفي الكتب “الصفراء” و”الحمراء”، وأصبحت أتصيّد تلك الكتب التي كنت أعتبرها في زمن التحصيل تافهة” وغير جديرة بالقراءة“..

 

القرآن

ضمن انشغال بـ”حداثة العرب الأولى”، يتطرّق سليم دولة في نهاية كتاب “الجراحات والمدارات” إلى القرآن باعتباره ثورة في اللغة والتفكير غيّرت شكل الإقامة العربية في العالم، وذلك هو الجوهري في عملية التحديث عند المفكّر التونسي.

القرآن بالنسبة إلى سليم دولة هو “الصياغة الحضارية للعرب”. وحين يرصد انتقال شكل الإقامة في العالم ،يشير إلى البعد اللساني للقرآن بكونه قام بـ”تفجير الأذن القديمة بإيقاع لا هو جديد جديد، ولا هو قديم قديم، ومن هنا كان مصدر القلق والاستغراب والغرابة“، وأنجز نقلة بجعل الكسب الرمزي أهم من الكسب المادي.

لكن سليم دولة يشير، لاحقاً، إلى أنّ عامل التثوير هذا قد تحوّل لاحقاً بفعل الثقافة السلطانية إلى عنصر لإعادة إنتاج السائد، يقول: “من المفارقات الكبرى في الحضارة الإسلامية أنّ الخطاب الذي شرّع بناء المطلق الجماعي هو الخطاب نفسه الذي شُرّع به وانطلاقاً منه لغدر هذا المطلق الجماعي“، ومن ثمّ “غدا الأفق الحضاري بعد تكلّسه أفق ذاكرة“، وهو تفسير يختزل الكثير من تاريخ الحضارة العربية الإسلامية إلى يومنا.

 

رابطة الكتّاب الأحرار

هيكلٌ حاول سليم دولة مع بعض المثقّفين في تونس إطلاقه في 2001 كردّ على عدم تمثيلية الهياكل الثقافية الأُخرى التي تدور حول فلك السلطة. لم تُمنح الرابطة تأشيرة العمل القانوني، لكن كان لها صدى في تحريك بركة المياه الثقافية في أكثر فترات استبداد نظام زين العابدين بن علي. شارك في هذه التجربة مع سليم دولة كل من: جلول عزونة وكمال الزغباني والحبيب الحمدوني ونور الدين الشمنقي ومحمد الجابلي.

 

العطالة

مفهوم يرد في أكثر من موضع باعتباره ظاهرة تتخلّل الكثير من ممارساتنا؛ مثل تقديم نظام مرجعي واحد، وأشكال الرقابة الخارجية التي تتحوّل إلى رقابة داخلية، وهو ما يؤدي حسب سليم دولة إلى الانتقال “من صعوبة الموضوع إلى الخوف من الخوض في الموضوع” واكتفاء معظم مثقّفي الحضارة الإسلامية بـ”الإشارات والتنبيهات”، ويضرب مثلاً الغزالي وابن طفيل اللذين خاضا مغامرات المعرفة بعد “وضع الخطاب الديني والموروث بين قوسين”.

 

عودة المكبوت

عبارة تتردّد كثيراً في مدونة سليم دولة وفي مقولاته. في مفتتح كتاب “ما الفلسفة”، يشير إلى أنّ عودة المكبوتات هي سمة الأفق الفكري الحديث، وهي عودة حدثت تحت تأثير أزمة الحضارة منذ كشف نيتشه عن المكبوت الديونيزوسي في معرض نقده للأخلاق السائدة، ومن ثمّ تظهر بشكل متلاحق مكبوتات كثيرة، تظهر أحياناً دفعة واحدة؛ الديني والشعري والفلسفي والصوفي والسردي في نفس الوقت الذي يُعلن فيه عن موتها.

 

غرامشي

عبر استشهادات كثيرة، يحضر المفكّر الإيطالي في نصوص سليم دولة، لكنه لم يحضر في إطار تحليل مباشر أو توغّل تحليلي. يعمل غرامشي في مدوّنة المفكّر التونسي كقادح نظريّ (مفاهيم مثل المثقّف العضوي أو الهيمنة الثقافية أو الفلسفة العفوية يمكن اعتبارها ركائز في مجمل أطروحاته)، كما يحضر غرامشي أكثر من مرّة كنموذج للمثقّف الذي يدعو إليه سليم دولة، وأيضاً كنموذج للمثقف -الضحية الذي تعمل السلطة على “إيقاف عقله لعشرين عاماً على الأقل”.

 

الغرب

إذا كان الفكر العربي قد انشغل بنقد الغرب أو امتداحه، فإنّ ذلك يُخفي مسكوتاً عنه يضيئه سليم دولة في كتاب “الجراحات والمدارات”، يتمثّل في أنّ كلا المقاربتين محكومة بـ”نظرة سبحانية للغرب”، مشيراً إلى كون انغلاق الفضاء السياسي، النظري والعملي، قد جعل من الغرب “أرض الممكن”، فيما باتت “أرض الوطن أرض المستحيل”.

 

لعبة المهد

قبل زمن طويل من رواج أفكار النسوية والجندرية في الفضاء العربي، قدّم كتابُ “الثقافة، الثقافة الجنسوية. الذكر والأنثى، لعبة المهد” مقولات أساسية في هذا السياق قوامها أن الثقافات هي من “تذكرن الذكور وتُأنثن الإناث”.

هناك مقطع، شهير بعض الشيء، يُوضّح هذه الأطروحة التي تضيء الكثير مما يدور داخل علاقاتنا الاجتماعية. يقول سليم دولة: “يلعب هو دور الذكر وتلعب هي دور الأنثى، وهو يلعب دور الذكر لأنها هي تلعب دور الأنثى، ولو لم يلعب دور الذكر كان أكثر منها أنوثة، ولو لم تكن تلعب دور الأنثى لكانت أشدّ منه ذكورة، وهكذا يزداد لعبه شدّة وتزداد لعبها أنوثة“.

 

محمود درويش

يُسمّيه سليم دولة بشقيق الميلاد، ذلك أنّ كليهما من مواليد اليوم ذاته 13 آذار/ مارس. كما خصّص له المفكّر التونسي كتيّباً بعنوان: “الورقة الطائرة من كتاب الصداقة”.

 

مصطفى كمال فرحات

على مدوّنته، نشر سليم دولة في 2015 حواراً في جزأين مع أستاذ الفلسفة في جامعة القيروان مصطفى كمال فرحات. وقد كان ذلك اكتشافاً لكثيرين (أنا أحدهم). إضافة إلى تقاطعات فكرية كثيرة بين الرجلين، يمكن أن نلاحظ “اشتغال” سليم دولة على مجموعة ألقاب يسمّي بها فرحات: الفيلسوف الشهرزادي، الحكيم الجودي، عاشق الشجر الغاباجي، الحكيم الارتوازي..

بعد رحيل مصطفى كمال فرحات في صيف 2020، أصدر سليم دولة كتيّباً في طبعة محدودة بعنوان “التفلسف الحق، درس الحب والصداقة” جمع فيه نصوصه حول الفيلسوف الشهرزادي، وكذلك نصوص هذا الأخير حول كتابات صاحب “الجراحات والمدارات”.

 

منذر كيلاني

أنثروبولوجي تونسي مقيم في سويسرا، ومثله مثل سليم دولة، ومصطفى كمال فرحات أيضاً، هو سليل قفصة والقرى المجاورة لها. هناك ارتباط عفوي بين مدوّنتَي منذر كيلاني وسليم دولة، يبرز ذلك في تقاطع بين فصل “الإنسان الآكل والمأكول” من كتاب “الجراحات والمدارات”، وكتاب “طعم الآخر” لكيلاني وقد صدر في 2019 بالفرنسية.

لم يأت هذا التقاطع من تعاون أو معرفة شخصية، بل كانت صدفة تناقش فيها “الأنثروبولوجيان” التونسيان خلال تقديم كتاب “طعم الآخر” في قفصة، وقد ألقى سليم دولة محاضرة بعنوان “أنثروبولوجي المُراوَحات العذب والفكر الميداني المركَّب النقدي الاندهاشي: إشارات وتنبيهات على هامش سيرة ومسيرة ترحالية معرفية لمثقّف تونسي شمولي، ميتا-ثوري، غير محايد”.

 

المواطَنة

بالنسبة إلى سليم دولة هي النقيض الموضوعي لأسطورة الفكرة الواحدة والسلطة المعرفية الواحدة.

 

ميتا-مثقّف

مفهوم يتردّد في مدونة سليم دولة، وهو مستعار من كتاب “الخروج من القرن العشرين ” لعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران. الميتا-مثقّف لا يكتفي بكونه حامل رأسمال فكري يوظّفه بل يُعمل معرفته أيضاً على ممارساته الشخصية كمثقّف.

 

النظرة السبحانية

يظهر هذا التركيب مُصرّفاً ضمن سياقات متعددة، في جميعها هو يفسّر حالة التجمّد تجاه أسطرة ظاهرة ما. نجد أن سليم دولة يصرّف العبارة خصوصاً مع الماضي والغرب، فنجد: النظرة السبحانية للغرب والنظرة السبحانية للماضي، لكنه يستعملها أيضاً ضمن هذا التعبير “النظرة السبحانية للعالم”.

 

الكاتب الحر

اسمٌ قلميّ يعتمده سليم دولة، وهو أيضاً حاضر في بطاقة الهوية؛ حيث خاض معركة قضائية (ورمزية) ضد الإدارة التونسية لكي يضع في خانة المهنة: كاتب حر.

 

الكتابة

بتعريف سليم دولة في “الجراحات والمدارات”، الكتابة هي “هدهدة للذات ضد الفاجعة، فاجعة الدهر الذي يتعتع الفرد والجماعة“، وهي في موضع آخر “احتجاج ضد الشرط، الوضع، الإقامة في العالم والوجود“، ودورها “الاستماع إلى الثاوي الذي لا يغفو داخل الذات“. الكتابة لدى سليم دولة إذا ما أرادت أن تفي شرط الإبداع، هي “كتابة قصووية” أو لا تكون، وهذا التركيب حاضر في عنوان أوّل فصل من “الجراحات والمدارات”: “المرآة والمطرقة: الكتابة المكتوب/ الكتابة الإبداع، من أجل كتابة قصووية”.

 

كتب مفقودة

في نهاية طبعة “نقوش عربية” (تسعينيات القرن الماضي، ضمن الكتاب لا نجد إشارة إلى تاريخ الصدور) لكتاب “ما الفلسفة”، نقرأ عن اقتراب صدور كتاب بعنوان “عراق المعنى، عرب المحنة”، وهو كتابٌ قد لا يعلم مصيره إلّا مؤلفه. كما توجد إشارة في مواقع مختلفة عن كتب هي الأُخرى مفقودة مثل “بيان بغداد السقراطي”، و”ما الثقافة؟”، و”أمة جنّت فصولها، في نقد الشأن اليومي”.

 

الكُرسُمانية

تعني جنونَ الكرسي، وهي عبارة نحتها سليم دولة، لم ترد أمامي في متن مطبوع، ولكن صاحبها يشير في بعض تدويناته الفيسبوكية إلى أنه قد وضعها في تسعينيات القرن الماضي، وشبيهةٌ بها “البرترومانية” (جنون البترول)، وكلاهما يفسّر الكثير ممّا تعيشه بلدادننا العربية.

 

الوقاحة الفكرية

صفة ضرورية لدى المفكّر في سبيل كسر احتكار السلطة للوقاحة. يقول: “إنّ فعل تحويل العقل إلى طاقة عملية شاقّة جدّاً تتطلّب من هذا العقل بالذات أن يكون الخصم والحكم. وهي تتطلّب فيما تتطّلب ضرباً من الوقاحة الفكرية“. يضيف لاحقاً: “على المثقف أن يكون وقحاً على صعيد الممارسة النظرية على الأقل“.

يتساءل سيلم دولة، انطلاقاً من مفهوم “الوقاحة الفكرية”: “ما الذي سيخسر المثقّف عندما يكون شيطاناً؟“.

 

الوضع السيزيفي للمثقف

ضمن علاقته بالسلطة، يعيش المثقف “وضعاً سيزيفياً بامتياز” بعبارات سليم دولة، فهو يعيش حالة تذبذب بين أطر إسناد مختلفة متصارعة داخل بنيته العقلية. يقول سليم دولة عن المثقّف: “يكره السلطة ويغازلها، يكره الاستبداد والإقصاء ويمارسه (…) تقدُّمٌ وتراجع، صعود وانتكاس، ولهذا السلوك ما يبرّره أحياناً؛ الفقر أمام المثقّف والدمار وراءه“.

 

الوعي الاسمنتي المسلّح

عبارة لعلّها أكثر ما أطلقه سليم دولة رواجاً، تظهر في جميع مؤلّفاته وفي تدويناته ومنطوق كلامه اليومي، وقد التقطها كثيرون فاندرجت ضمن خطابهم لما فيها من تكثيف وتوصيف لممارسات السلطة أينما كانت. يتلاءم هذا المفهوم مع اعتماد سليم دولة على “المنهجية المطرقية” المقتبسة من نيتشه.

 

ويكيبيديا

في المحاضرة التي أقيمت في النفيضة (ولاية سوسة) عام 2019 حول الأدب والفكر، قرأ مقدّم الندوة تقديماً لسليم دولة مصدره ويكيبيديا: “يُعدّ سليم دولة ممثّلاً للفلسفة المنفصلة عن البحث الأكاديمي. وهو، لا شكَّ، مع فتحي التريكي وأبو يعرب المرزوقي، من أهمّ فلاسفة تونس والعالم العربي“. حين استلم المفكر التونسي الكلمة قال: “بدايةً، التعريف الوارد في الويكيبديا لا يمثّلني، أنا أمقتُ أصلاً عبارة بلا شك… ثم كما تعرفون: لا رئيس لي سوى رأسي“.

كاتب صحافي وباحث من مواليد تونس عام 1983، مقيم في فرنسا. يعمل محرّراً في القسم الثقافي لصحيفة “العربي الجديد”. يُعدّ حالياً أطروحةً في “جامعة لورين” حول تقاطعات الصحافة بالكتابة الإبداعية من خلال منهجيات السيميولوجيا ونظرية الأجناس.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة