طفلٌ بين ذئبَين

لماذا تُقدِّم السلطةُ روايتَها الرسمية عبر قناة خاصّة تنسب أخبارها إلى مجهول؟ ربما لأنَّ بإمكان النائب العام الحديث عن مؤامرة، لكن ليس بوسعه الخوضُ في الحياة الخاصَّة للطفل القاصر والمعتَقلين؛ فذلك لن يُظهره كممثِّلٍ للقانون، بل كمذيع في قناة فضائحية.

طفلٌ بين ذئبَين
("الذئاب" لـ فرانز مارك، 1913)

بعد قرابة ثمانيةٍ وأربعين ساعةً مِن حديث النائب العام لدى مجلس قضاء الجزائر، سيد أحمد مراد، وهو أحدُ الوجوه التي كانت تُدافِع باستماتةٍ عن منظومة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة في وسائل الإعلام، عن أنَّ الطفلَ س. ش – الذي زعَم تعرُّضه لاعتداءٍ في مركزٍ للشرطة بعد اعتقاله خلال مشاركته في مظاهرةٍ يوم السبت الماضي – “يحظى بحمايةٍ قانونية”، وبعد أربعة وعشرين ساعة مِن إصدار ما يُسمّى “سلطة الضبط السمعي البصري” بياناً استنكرَت فيه ما وصفَته بالتشهير الإعلامي بالطفولة، أطلَّت قناةٌ تلفزيونية خاصّة، مساء أمس الأربعاء، بسلسلةٍ من “الأخبار العاجلة” التي تُشهِّرُ فيها، بشكلٍ واضح، بالطفل الذي لم يبلغ بعدُ السادسة عشرة مِن عمره.

طاوَل التشهيرُ، أيضاً، مجموعةً مِن نشطاء الحَراك الشعبي اعتُقلت على خلفية القضية التي تأتي بعد أسابيع قليلة مِن ادّعاء الطالب وليد نقيش تعرُّضَه لاعتداء جنسي ولفظي مِن قِبَل عناصر أمنٍ خلال توقيفه، وهي مزاعِم أعلنت النيابة العامّة لدى مجلس قضاء الجزائر، مطلع فبراير/ شباط الماضي، فتحَ تحقيق بشأنها، لم تُعلَن نتائجُه إلى اليوم.

ترسُم سلسلةُ “الأخبار العاجلة”، التي نَسبتها القناةُ إلى مصدرٍ يكون على عِلمٍ بمجريات التحقيق مع المعتقَلين، صورةً عمّا يبدو أنّه الروايةُ الرسميةُ للقضية: هي ليست سوى مؤامرةٍ تقف وراءَها حركةٌ سياسيةٍ معارِضةٌ في الخارج بهدف “التأثير في المشاعر العميقة للجزائريّين”؛ حيثُ “اتّصلت الحركةُ باثنين مِن المجموعة” و“حثّتهُما على الإصرار على ادعاء تعرُّض القاصر للاغتصاب في مقرّ الأمن”.

لكن، لماذا لم تُقدِّم السلطةُ روايتَها تلك عبر القنوات الرسمية، أي خلال مؤتمرٍ صحافي يعقده النائب العام لدى مجلس قضاء الجزائر، مُفضِّلةً بدلاً مِن ذلك اللجوء إلى قناةٍ خاصّة تنسبُ أخبارها العاجلة إلى مصدرٍ مجهول؟ لعلَّ الإجابةَ عن هذا السؤال تكمُن في الجزئية المتعلِّقةِ بالخصوصية؛ إذ بإمكان النائب العام الحديث عن مؤامرة للإساءة إلى أجهزة الأمن، لكن ليس في مقدوره الخوضُ في الحياة الخاصَّة للطفل القاصر والمعتَقلين، لأنَّ ذلك لن يُظهره كممثِّلٍ للقانون بقدر ما سيجعلُ منه مذيعاً في وسيلة إعلامية فضائحية.

ينطلقُ التساؤُل السابق، وأيضاً الإجابة عنه، مِن فرضية أنَّ القناة استندت، فعلاً، في مزاعمها، إلى مصدَر على صلةٍ بالتحقيقات الجارية. إنْ لم يكُن الأمرُ كذلك، فهو يستدعي تحقيقاً عاجلاً مع القناة حول إشاعة أخبار كاذبة تمسُّ بشرف الطفل والمعتقَلين. أمّا إن كان كذلك حقّاً، فهو يتطلّبُ تحقيقاً عاجلاً مع القناة والمصدر نفسِه حول مسألتَين بالغتَي الخطورة: انتهاكُ مبدأ سرية التحقيقات مِن جهة، والتشهيرُ بمعتقَلين لم يُدِنهم القضاء بعدُ، وبطفلٍ يُخبرنا النائب العام أنه “يحظى بحماية قانونية”. وفي كلا الحالتَين، يُفتَرض مِن “سلطة ضبط السمعي البصري” أنْ تستنكر جريمةَ القناة، بما أنَّ دورَ هذه الهيئة يقتصر على الاستنكار. لعلَّ ذلك أدنى ما قد يُشعِر المواطِن بأنّه يعيش في دولةٍ لا في غاب.

إنْ كان سلوك الحركة معتاداً فالمتوقَّعُ مِن الدولة أن تحتفظ بالحدّ الأدنى مِن الأخلاق

أمام جميع ما سبق ذكرُه مِن تجاوُزات، ستبدو الاتهاماتُ التي كالتها القناةُ للمعتقَلين حول حيواتهم الخاصّة غيرَ ذات أهميةٍ في القضية. وقد كان بإمكانِ السلطةِ سردُ روايتها الخاصّة حول ما حدث مِن دون إقحام القصص الخاصّة في القضية، فهذا الإقحامُ لا يُعزِّز موقفها، بل بالعكس مِن ذلك يُضعفه تماماً.

ليس سلوك السلطة، في محاولة استغلالها سياسياً قضيةَ طفلٍ قاصر، أقلَّ سوءاً مِن سلوك الحركة المعارِضة، والتي لم يتردَّد أحدُ قياديّيها في نشر فيديو مفبرَك حول حادثة الاعتداء المزعوم على الطفل، قبل أن يُسارِع إلى حذفه حين تبيَّين عدمُ صحّته (وكان الفيديو قد لقي مشاركةً واسعةً بين أتباعه ومناصِريه)، كأنَّ صحّةَ الفيديو تُبرِّر استغلالَ الطفلِ بذلك الشكل غير الأخلاقي.

كلُّ ذلك يجعل مِن الطفل – القاصر مِن الناحية القانونية – ضحيةَ تجاذُباتٍ بين ذئبَين: ذئبُ الحركةِ السياسيةِ المعارِضة وذئبُ السلطة الذي يتصرَّف على نحوٍ هستيري كلّما شعُر أنّه مستهدّف. لكن، إن كان سلوكُ الحركة المعارِضة متوقّعاً بالنظَر إلى سوابقها في مثل هذه الممارسَات، فإنَّ المتوقَّعُ مِن الدولة أن تكون أكثر سموّاً وأن تحتفظ، على الأقل، بالحدّ الأدنى مِن الأخلاق.

كاتب وصحافي جزائري ومؤسّس موقع “رحبة”. من مواليد 1983. بدأ الكتابة الصحافية مدوّناً في 2005، قبل أن يعمل في عددٍ من المؤسّسات الصحافية الجزائرية والعربية، بين الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون. صدرت له مجموعة قصصية في 2008، ورواية في 2013.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!

قصص رائجة

معذرة, لا يوجد محتوي لعرضه!
قصص قريبة