طلبة الجزائر… وجهٌ مُشرق آخر للحَراك الشعبي
(ملصقاتٌ لطلبة جزائريّين في "ساحة أودان" بالجزائر العاصمة، مارس 2019 - تصوير: مصطفى بن فوضيل)

طلبة الجزائر… وجهٌ مُشرق آخر للحَراك الشعبي

مع انطلاق حَراكهم في مِثل هذا اليوم مِن 2019، بدا أنَّ الطلبة الجامعيّين قرّروا القطْعَ مع صورة تصِمُهم بالانعزال وقلّة الوعي، ومع دورٍ انخرطت فيه الجامعة الجزائرية كمُجرَّد أداة مسانَدة لحُكم بوتفليقة.

“خرجتُ إلى الشارع ككثيرٍ من الجزائريّين الذين شعروا بالإهانة بسبب ترشُّح الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة لولاية رئاسية خامسة”، بهذه الكلمات يشرح مصطفى بن أمزال لـ”رحبة” دوافع مشاركته في “الحَراك الطلّابي” الذي انطلَق في مِثل هذا اليوم مِن عام 2019، وظلَّ مُستمرّاً كلّ ثلاثاء، قبل أن يتوقّف بِسبب الظروف التي فرضها وباء كورونا.

بدا أنَّ الطلبة الجامعيّين قرّروا، في تلك اللحظة، القطْعَ مع صورةٍ ذهنية ترسَّخَت عنهم كأشخاصٍ “قليلي الوعي” ومنعزلين عن محيطِهم الاجتماعي والسياسي، وأيضاً مع دورٍ انخرطت فيه الجامعة الجزائرية، طيلة سنوات، كمُجرَّد أداة مسانَدة لحُكم بوتفليقة.

وبعد أنْ ظلَّ الطلبةُ الجزائريّون، الذين يُقدَّر عددهم بقرابة مليونَي طالب، مشغولين لعقودٍ بمطالبَ تتعلَّق بتحسين ظروف الدراسة والإقامة والإطعام في الجامعات، غابت تلك المسائلُ تماماً عن مظاهراتهم التي استمرَّ خروجُها في كبريات المدُن الجزائرية؛ حيث اتّخذت طابَعاً سياسياً بحتاً. كانَ مِن الواضح أنَّ الطلبة مقتنعون بأنَّ تغيير النظام سيُؤدّي، بشكلٍ آلي، إلى تغيير الجامعة.

هكذا، أخذَت مطالِب “الحَراك الطلّابي”، الذي أتى كداعمٍ لحَراك الجمعة الشعبي، منحىً تصاعدياً؛ إذْ انتقل المتظاهِرون مِن رفض مشروع العهدة الخامسة إلى المطالَبة بتغيير جذري للنظام، مِن خلال رحيل جميع رموزه.

في هذه السياق، يقول بن أمزال، الذي يدرُس في كلّية العلوم السياسية بـ”جامعة الجزائر 3″، إنَّ الطلبة حاولوا تقديم قيمةٍ مضافة إلى الحَراك الشعبي؛ مِن خلال رفع شعاراتٍ نخوبية تُعبّر عن مطالبه الحقيقة وتؤكّد على سلميته.

مصطفى بن أمزال

(مصطفى بن أمزال في تظاهرة بالجزائر العاصمة، مايو 2019)

في ليلة الواحد والعشرين من نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، تعرَّض بن أمزال (23 سنة) للاعتقال، بينما كان يُشارِك في مظاهَرة ليلية انطلقَت مِن ساحة باب الواد باتجاه “ساحة موريس أودان” وسط الجزائر العاصمة. وكانت تلك واحدةً مِن المظاهرات الليلية التي تصاعدَت مع قُرب موعد الانتخابات الرئاسية في الثاني عشر مِن ديسمبر/ كانون الأوّل.

كان بن أمزال ينقل مجريات المظاهرة عبر حسابه في فيسبوك “قبل أن يقوم رجُلا أمنٍ بالزيّ المدني باعتقالي بطريقة عنيفة، وجَرّي إلى شاحنة شرطة قريبة، لأُنقَل بعدها إلى مركز للأمن”. وهناك، قضى ليلته دون إخبار عائلته بمكان اعتقاله، قبل أن يُطلَق سراحه بعد ظُهر اليوم التالي.

ومنذ بدء الحَراك، جرى اعتقال العشرات من الطلبة الجامعيّين، وهو ما تكرَّر أيضاً في مظاهرات الثلاثاء الماضي.

وفي 2019، حاولت السلطة إفراغ المُدُن مِن الطلبة لإضعاف حراك الثلاثاء؛ حيث عمدت وزارة التعليم العالي إلى تقديم عطلة الربيع بعشرة أيام وتأخيرها بعشرة أيام أيضاً (بدأت العطلة في العاشر من مارس/ آذار وانتهت في الرابع من إبريل/ نيسان)، وإغلاق الإقامات الجامعية. لكنَّ ذلك لم يحُل دون استمرار المظاهرات.

ومِن اللافت أنَّ تلك الخطوة اتُّخذت بينما كانت وسائل إعلام محلّية تزعم أنَّ خروج الطلبة للتظاهر إنما يهدف إلى “الهروب من مقاعد الدراسة”.

يتعرَّض الطلبة المشاركون في الحراك الشعبي إلى تضييقات في الشارع وداخل أسوار الجامعة

تستذكر زهرة ندى بلقاضي، وهي طالِبٌة في قسم علم الاجتماع بـ”جامعة سطيف” تبلُغ عشرين عاماً، اليوم الأوَّل من حَراك الطلبة في مدينة سطيف، قائلةً: “كانت أعداد المتظاهرين في اليوم الأول كبيرةً جدّاً؛ حتى أنّك إذا وقفتَ في مقدّمة المظاهرة لن تتمكَّن مِن رؤية نهايتها”.

لكنَّ هذه الأعداد، وفق بلقاضي، بدأت بالتناقُص في الأشهر التالية، خصوصاً مع نهاية يونيو/ حزيران 2019. تُوضِّح: “قليلٌ فقط مِن الطلبة استطاع الصمود ومقاوَمة التضييقات التي تعرّضوا لها، سواء في الشارع أو داخل أسوار الجامعة”.

ومع عودة الطلبة إلى الشارع الثلاثاء الماضي، تَقول بلقاضي: “آمل في أن تتمكّن من المشاركة مُجدَّداً في مظاهرات الحَراك الذي منحَني روحاً جديدة وأملاً كبيراً، بعدما كنّا نختنق بيأس قاتل”.

مِن جهته، يرى أستاذ الإعلام والاتصال في “جامعة محمد لمين دباغين” بسطيف، يامين بودهان، أنَّ الطلبة أضافوا قوّةً فريدة إلى الحَراك، مِن خلال قدرتهم على تعبئة الحشود، واستطاعوا إضفاء زخمٍ على المسيرات، مِن خلال اللافتات والشعارات المميّزة التي تُظهر الجانب الإبداعي لديهم.

يُضيف صاحب كتاب “الشباب والإنترنت” (2013) أنَّ حراك الطلبة لم يخلُ من الرمزية؛ إذ “أعاد إلى أذهان الجزائريين بطولات الطلبة أثناء ثورة التحرير، وكثيراً ما جرى التشبيه بينهما”.

غير أنَّ مؤلّف كتاب “قضايا في الاتصال السياسي” (2018) يَعتقد أنّ الحَراك الطلّابي أصبح اليوم مجرَّد “ذكرى جميلة”؛ إذ يقول في حديثه إلى “رحبة”: “للأسف، جرى إخماد جذوة الحَراك في الجامعة، وعادت التنظيمات الطلّابية إلى التموقُع مِن جديد، وأكثرَ من ذلك، باتت الجامعة تعيش أوضاعاً مُزرية بشكل غير مسبوق، في ظلّ الشعبوية التي تطغى على تسيير شؤونها، والتي مِن مظاهره تمييع الفعل البيداغوجي وفتح الدراسات العليا على مصراعيه”.

ولا يُخفي بودهان، في ختام حديثه مع “رحبة” أمنيته في عودة زخم الحراك الذي استمرّ طيلة عام كامل، و“أظهر وعياً سياسياً والتزاماً نضالياً كبيراً لدى الطلبة”.

كاتب ومُصوِّر فوتوغرافي من مواليد 1988، خرّيج قسم الإعلام والاتصال في جامعة سطيف، مدوِّن منذ عام 2009، وكاتب للقصة القصيرة. يهتمُّ بالشأن الثقافي والفنّي وبمجال الفوتوغرافيا، ونشر مقالاتٍ ونصوصاً في وسائل إعلام جزائرية وعربية.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!

قصص رائجة

معذرة, لا يوجد محتوي لعرضه!
قصص قريبة