عبد المجيد تبّون… مرافَعةٌ لأزمة تُنكرها السلطة
لم يتضمَّن خطابُ الرئيس الجزائري، في "عيد الشهيد"، كلمةً واحدة عن الاستعمار. وفي المقابِل، تضمَّن عناصرَ محدَّدةً أراد إبلاغها للشعب قُبَيل الذكرى الثانية لانطلاق الحَراك، والتي يبدو أنّها تُحرج السلطة.
لم يكن مُعتاداً في أدبيّات السياسة الجزائرية أن يكون “عيدُ الشهيد” (يُحتفل به في الثامن عشر مِن فبراير/ شباط مِن كل سنة) موعداً لخطاب رئاسي يتوجّه به الرئيس إلى الأمّة ويناقِش فيه واقع البلد. ومِن ثمَّ، فإن موعد خطاب الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون، اليوم، ومفرداته، يكشفان أنَّ موضوعه الرئيسيَّ هو الذكرى الثانية لانطلاق الحَراك الشعبي (22 فبراير/ شباط)، وإنْ لم يقُل ذلك مباشرةً.
لم يتضمَّن الخطابُ كلمةً واحدة عن ملفِّ الاستعمار. وفي المقابِل، تضمَّن عناصرَ محدَّدةً أراد تبّون إبلاغها للشعب قُبَيل هذه الذكرى التي يبدو أنّها تُشكِّل إحراجاً بالغاً للسلطة؛ فقد بشَّر بقُرب إطلاق سراح بعض معتقلي الحراك. ولعلَّ ذلك يوحي بمحاولةٍ لتهدئة الوضع مع الشارع الحَراكي، وسعيٍ إلى التخلُّص من التناقض الواقع حالياً؛ حيث تصف السلطةُ الحراكَ بـ”المبارك”، بينما تعجُّ سجون الجمهورية بأزيد من سبعين معتقلَ رأي… بسبب الحراك “المبارك” نفسِه.
مِن جهةٍ أُخرى، أوحى الرئيس أنه، وتوافُقاً مع مطالب الشارع، جرى التوجّه إلى حلّ المجلس الشعبي الوطني وإجراء تعديل حكومي. وفيما يُحاول الخطاب تقديم هذه الخطوة كاستجابة لمطالب شعبية، فإنها في الواقع تأتي بعد أن استنفدت المؤسَّستان أغراضهما؛ فالمجلس، الذي تعترف السلطة نفسُها أنه ناتجٌ عن عمليات تزوير واسعة، مرَّر كلَّ ما كان مطلوباً منه تمريره (بدءاً بقانون المالية ووصولاً إلى التعديل الدستوري الأخير)، وقامت الحكومة بما توجَّب القيام به من محاولةٍ لخنق الحراك. هكذا، فإنَّ الخلاصَ منهما ليس استجابةً لأيّ مطلب شعبي، بل هو محاولةٌ للتخلُّص من حِمْل ثقيل انتهت صلاحيته.
أشار إلى أنَّ تشكيل الأحزاب أصبح بالإخطار، وهي نقطةٌ غير موجودة في الدستور الحالي
ومِن جهةٍ ثالثة، قدَّم الرئيس مرافَعةً لصالح الشباب، سياسياً واقتصادياً. ولعلَّ الواقعَ سيبتسم بسخريةٍ مِن هذه المرافعة التي تُناقِضه تماماً؛ بالنظر إلى حالة الغلق السياسيّ والإعلاميّ الذي تعيشه البلاد بشكلٍ غير مسبوق.
حاوَلَ الخطاب الرئاسي استعمال ألوانٍ فاتحةٍ لرسم صورةِ الواقع في سياق محاولة إشاعة جوّ من التفاؤُل بالمستقبل. غير أنَّ كلماته مضت بعيداً في التفاؤل إلى حدّ اختراع واقعٍ غير موجود أصلاً، مثل إشارته إلى أنَّ تشكيل الأحزاب قد أصبح بالإخطار، وهي نقطةٌ غير موجودة في الدستور الحالي.
لعلَّ قراءةَ الخطاب في حَرفيته لا تُقدِّم لنا نصّاً متماسِكاً فكرياً ولا منهجياً، غير أنَّ تحليله إجمالاً يُخبِرنا بأنَّ السلطة تشعر بالأزمة المستحكِمة، لكنَّها لا تُعالِج أسبابها القائمة، بل تُقدِّم مزيجاً من الوعود الهلامية والتهديدات غير المباشرة، كَي تُبعِد الشبابَ خصوصاً عن فكرة التظاهُر التي تبقى هاجسها الأكبر.
لن يكون التردُّد والتأخُّر عن فهم الواقع حلّاً لأزمة البلد، بل مجرَّد محاولة لتأجيل الحلّ والتحايُل عليه. وهذا “الحلُّ” التقليديُّ يُؤكِّد بأنَّ قلبَ السلطة لم يتغيَّر وإن تغيَّرت بعض أعضائها الأُخرى.
المؤكَّد أنَّ نهرَ الجزائر السلمي لن يعود للوراء، وكلّما أسرَعَت السلطة في فهم ذلك، كان الطريق إلى الخلاص الوطني أسرع وأقلَّ تكلفة.
صحافي جزائري مقيم في قطر، عَمِل في صحيفتَي “الشروق” و”المحقِّق” بالجزائر، و”الشرق الأوسط” اللندنية و”العرب” القطرية. يعملُ حالياً في قناة “بي إن سبورتس” بالدوحة.